حرب غزّة.. هل غيَّرت العالَم فعلاً؟

حرب غزّة.. هل غيَّرت العالَم فعلاً؟

بقلم حسين جواد قبيسي*

أَوَلَيس من إحدى العجائب أنّ الحرب الدائرة في غزّة قسَّمت العالم بين مؤيّدٍ لغزّة ولقضيّتها الفلسطينيّة وإنسانيّتها وعدالتها، ومؤيّدٍ للهمجيّة الصهيوـ أميركيّة؟ عندما نَطق وزير الدّفاع الإسرائيليّ “يوآف غالانت” – بوصفه “حيواناً ناطقاً” – بعبارة “حيوانات بشريّة” أعطى إشارةَ البدء بإبادة الشعب الفلسطينيّ. تماماً كما فَعَلَ داعموه عندما أبادوا شعوبَ أميركا الأصليّين. من بعيد، من سحيقِ قرونٍ غابرة كانت فيها البشريّة المتوحّشة ترى بعضها بعضاً حيوانات بشريّة تيسيراً للقتل والإبادة، انبعث صوتُ هذا الزعيم بأنّه يعتلي قمّة ما يُسمّى حضارة الزمن الغربيّ، ناطقاً بأخلاق الحيوانات.

منذ أواخر القرن التّاسع عشر، بدأت صناعة السينما (ومعها الصحافة) تُستخدَم لمحوِ جرائم القَتَلة الأوروبيّين من أسبان وفرنسيّين وبريطانيّين الذين أبادوا شعوب أميركا أصحاب الحضارات الزاهية والراقية (حضارة المايا، الأزتيك، الأولمك، والكارال سوب، وخمس حضارات أخرى). فأميركيّو اليوم أوروبيّون اغتصبوا الاسم الأميركي وانتزعوه عنوةً من أصحابه الأصليّين بعدما أبادوهم واستولوا على أرضهم وخَيراتهم وذَهَبِهم وصَنعوا منها ولايات متّحدة وكندا، فهُم ليسوا كنديّين ولا أميركيّين، بل هُم أوروبيّون غزاة سفّاحون وبرابرة، تماماً كالإسرائيليّين الذين هُم أوروبيّون برابرة أيضاً.

منذ ألف عام جاء الأوروبيّون إلى القدس باسم المسيحيّة وبثوبٍ صليبي واحتلّوها مائتي سنة، ثمّ جاؤوا بعد ألف عام باسم اليهوديّة وبثوبٍ صهيوني، وها هُم يحتلّونها منذ مائة سنة. والفَرق بين إبادة اليهود على يد النازيّة وإبادة الفلسطينيّين على يد اليهود، هو أنّ هتلر احتاجَ إلى قدرٍ من السريّة في المُعتقلات وغُرف الغاز، أمّا الصهيونيّة الأوروبيّة، فإنّها تفعل ذلك عياناً بياناً، في الهواء الطلق و”على المكشوف”، على الشاشات الكبيرة والصغيرة، في التلفزة وعلى الهواتف.

صمود أهل غزّة الأسطوري في وجه أعتى بربريّة عرفها تاريخُ البشريّة، قسَمَ العالَمَ، لا بين شرقٍ وغربٍ أو بين دولٍ مؤيِّدة ودولٍ مُناوئة، بل بين حكومات الدول وشعوبها، وهذا من طبيعة النّظام العالَمي القائم على تحكُّم مصالح الشركات الرأسماليّة الكبرى والبنوك ومصانع السلاح ومُختبرات الأدوية بمقدّرات الشعوب ومصائرها، والقائم على تغليب المصالح الاقتصاديّة والماليّة على مبادئ الحقّ والعدالة. وليس من المُبالَغة في شيء القولُ إنّنا نَقف اليوم أمام إحدى اللّحظات التاريخيّة التي تغيِّر مجرى التاريخ، وإن كنّا لا نراها اليوم بالوضوح الكافي لأنّنا من داخلها، ونَحتاج إلى مسافةِ وقتٍ لرؤيتها عن بُعدٍ بالوضوح اللّازم. منذ بعض الوقت انقسمَ الأميركيّون بين مؤيّدٍ لدونالد ترامب ومُناوئٍ له، وكاد هذا الانقسام السياسويّ الزائف يؤدّي إلى حربٍ أهليّة أميركيّة. أمّا الانقسام الحاصل اليوم، لا في الولايات المتّحدة وحدها، بل في جميع الدول الغربيّة، وفي العالَم، فهو الانقسام الصحّي الصحيح. أيُّ حدثٍ تاريخي أو أيّ قضيّة سياسيّة كان يُمكن لها أن تقسم البريطانيّين مثلما قسّمتهم حرب غزّة التي أعادت إلى العالَم القضيّة الفلسطينيّة ناصعةً وبشكلها التّامّ؟

لم يعُد مُمكناً أن يكتسب الكلام والكتابة صدقيّةً ومعنىً اليوم إذا كان من خارج الفكر الذي وُلِد مع حرب غزّة. فقد خَلقت هذه الحرب مناخاً فكريّاً ميزته الأساسيّة أنّه فِكرٌ باتَ العالَم بأمسّ الحاجة إليه بعدما أسِنَ الفكر واستنقعَ تحديداً بسبب استيلاء المفكّرين الصهاينة على المَنابر والمنصّات الإعلاميّة والثقافيّة، التي لا تفعل أكثر من تسويقِ فكرٍ معتلّ هو فكر “مُعاداة الساميّة”. فهذا ريك وايلز Rick Wiles رجل الدّين المسيحي الذي طُرِد من منصّة يوتيوب، لأنّه يفضح مُمارسات الصهيونيّة في العالَم، لا في فلسطين فقط، يقول: “إذا لم نوقِف الصهيونيّة الآن، سنُصبح كلّنا فلسطينيّين وفي مخيّماتِ لاجئين تحت حُكم الصهاينة”.

جَعْل الفيلسوف صحافيّاً

غيَّرت حربُ غزّة العالَم، وشَحَنَتِ الفكرَ بأوكسيجينٍ جديد، استردَّ به المفكّرون أنفاسهم بعد اختناقٍ قاربَ حوالى نصف القرن، لم يَظهر فيه سوى “الفلاسفة الجُدد” (برنار هنري ليفي وألن فلكنكرو وأندريه غلوكسمان…) الذين نصّبوا أنفسهم فلاسفة ودمّروا الفكر الفلسفي بجعْل الفيلسوف صحافيّاً وبوقاً إعلاميّاً يُسانِد إسرائيل، و”المسيحيّون الجدُد” (دونالد رامسفيلد، جورج بوش، كولن باول، كونداليزا رايس، ستيفن هادلي، ديك تشيني…) الذين دمّروا دولاً عربيّة وأميركيّة جنوبيّة وأفريقيّة بأكملها، وخلقت حرب غزّة مناخاً فكريّاً ساعَد المُتلعثِمين العرب على النطق بما كانوا يخشون قوله، أو يتردّدون في قوله، فبات يسيراً على رجال القانون أن يقولوا، إنّ ما كان النظام الدولي يُحيط به نفسه من حقوق إنسان ومنظّمات أُمميّة وعدالة وديمقراطيّة، لم يكُن سوى سلاح يصطاد به سذاجة الشعوب الضعيفة، ولم يكُن سوى نظامٍ صُنِع خصّيصاً بعد الحرب العالميّة الثانية لخدمة المُنتصِرين. كما بات بمكنة السياسيّين الذين كانت الصهيونيّة تُعبِّد لهم الطريق للوصول إلى كراسي الحُكم أن يتحرّروا من الوصاية الصهيونيّة، وبات مُمكناً للمثقّفين والكتّاب الذين كانوا يرتزقون من صحافة الصهيونيّة العالَميّة و”شقيقاتها” في العالَم، أن يستردّوا شيئاً من كرامتهم بقول كلمة حقّ وكتابتها، ولو مرّة واحدة قَبل موتهم.

ألَم تُقدِّم حرب غزّة مفتاحَ الحلّ لِلّغز الكامن في السؤال المخجِل والمخزي والذي يُثير استغرابَ العالَم حيناً، وقَرفَه من العرب حيناً آخر: كيف أَمكن وقوع أكثر من 200 مليون عربيّ تحت عبوديّة تتدرّج من الخضوع التامّ، إلى الاستكانة والخنوع، يَفرضها عليهم 10 ملايين يهودي؟ علاوةً على الهزّة التي أَحدثتها داخل إسرائيل على المستويَيْن العسكري والاجتماعي، أَحدثت حربُ غزّة هزّةً داخل الوعي العربي فاستفاقَ بعد غيابٍ طويل.

ثمّة سوء فهم يُحيط بالعلاقة بين إسرائيل والدول الغربيّة، لا بدّ من تبديده: فالاستراتيجيّة التي رسمتها الدولُ الاستعماريّة في مؤتمر لندن (1907) ما زالت قائمة ويجري تنفيذ قرارات المؤتمر بحذافيرها، والأوروبيّون (بريطانيا، فرنسا، بلجيكا، هولّندا، إيطاليا، إسبانيا والبرتغال، ثمّ الولايات المتّحدة الأميركيّة، عندما وضع إيزنهاور في العام 1952 عقيدة أميركا الاستراتيجيّة: “ملء الفراغ” بعد انحسار ظلّ بريطانيا العظمى، لا عن المنطقة العربيّة وحدها، بل عن مناطق أخرى من العالَم) هُم الذين قرّروا احتلالَ فلسطين وإبادةَ شعبها وإقامةَ دولةٍ لهم لتكون حاجزاً يَمنع التواصُل بين مصر وسوريا، دولة فاصلة أو حاجزة (Buffer State أو Etat tempon) من أجل السيطرة على المنطقة العربيّة، أي “من المُحيط إلى الخليج”، بحسب عبارة كامبل بنرمان رئيس الحكومة البريطانيّة الذي دعا آنذاك إلى هذا المؤتمر، قبل الإجهاز على “الرجل المريض” وزوال الحُكم العثماني، في الحرب العالميّة الأولى، خوفاً من أن تتحرّر تلك المنطقة “الغنيّة بالمقدّرات والثروات والقدرات الفكريّة” والتي “تمتلك كلّ مقوّمات الوحدة لتكون دولةً واحدةً تُهدِّد مصالحنا الاستعماريّة”، بحسب العبارات الواردة في البيان الختامي الصادر عن مؤتمر لندن المذكور، وذلك بتقسيمها إلى ما يشبه الدول، وفرْضِ استقلال بعضها عن بعض (لا عن الدول الاستعماريّة). وقد تزامَنت تلك القرارات مع عثور الدول الاستعماريّة الأوروبيّة على حلٍّ للتخلّص من يهودها، بوضْعهم قَسراً في “وطن” لهُم، هو تلك الدولة الفاصلة جَعَلَتْهُ في قلب المنطقة العربيّة بين سوريا ومصر، لتقويض كلّ أمل في قيام وحدة بينهما (بعد إحباط محاولة محمّد علي باشا لتوحيدهما)، وبالتالي بين البلدان العربيّة. على الرّغم من أنّ اليهود ليسوا، ولم يكونوا طوال تاريخهم، بحاجةٍ إلى وطن. فوطنهم منذ الأزل هو المال، كما يقول منظِّر “اليهود والعالَم والمال” المفكّر الصهيوني جاك أتالي، في كتابه الضخم: “Les Juifs, le Monde et l’Argent”. فالمال وطنهم إلى الأبد، لا يستبدلونه بوطنٍ آخر بتاتاً.

غير أنّ تلك الدولة التي سمّوها “إسرائيل” لا تستطيع بمفردها إخضاعَ الفلسطينيّين، فساعَدها على ذلك البريطانيّون والفرنسيّون ثمّ الأميركيّون. كما أنّها لا تستطيع بمفردها إخضاعَ شعوب المنطقة العربيّة، إن لم يؤازرها في ذلك بعض حكّام هذه الشعوب، ممَّن وُضِعوا في مناصبهم، تحديداً من أجل القيام بهذه المهمّة، فجرى الاتّفاق بين الجميع وفقاً للمُعادَلة الآتية: تتولّى إسرائيل إخضاع الفلسطينيّين أو قتلهم، على أن يتكفّل حكّامٌ عرب في بلدانهم بإخضاع (أو قتل) كلّ مَن يؤيّد أو يُساعِد الفلسطينيّين، لقاء بقائهم في مناصبهم، كيلا يكون مَصيرهم العزل أو القتل (كاغتيال الملك فيصل بسبب تأييده لفلسطين والمسجد الأقصى).

وحينما يأتي المحتلُّ الاستعماري الاستيطاني ليستولي على أرض شعب، يستولي أيضاً على الشعب نفسه فيستعبده أو يقتله بعد أن يجرّده من قيَمِه الإنسانيّة وبنسبها إلى نفسه. وكما يأخذ أرضه يأخذ أيضاً قيَمه، فيُصبح الزيتون واللّيمون الفلسطيني إسرائيليّاً، والموسيقى والألحان الفولكلوريّة، وحتّى الغِناء والدبكة الفلسطينيّة يستولي عليها، ويزعم أنّها إسرائيليّة، ويستولي على المسجد الأقصى، لأنّه كان في زمنٍ خارج التاريخ هَيكلاً يهوديّاً. حتّى الفلافل والحمّص بطحينة لا تعود فلسطينيّة، بل نُشاهِدها معروضةً في المحلّات الكبرى في أوروبا على أنّها مُنتجاتٌ غذائيّة إسرائيليّة. وحين تتباكى الصهيونيّة على أيّ شيءٍ من المبادئ والمشاعر الإنسانيّة، فاعْلَمْ أنّها تريد القضاء عليه. وحين تريد ارتكابَ جرائم ضدّ الإنسانيّة لا تتبنّاها، بل تنسبها إلى ضحاياها وتَزعم أنّهم هُم مَن يقومون بها. فمثلاً تتّهمهم بالإرهاب إذا قاوموها لكي تقوم هي بالإرهاب؛ وتتّهمهم بقتل الأطفال لكي تقتل هي الأطفال. كلّ شيء تتّهم الصهيونيّة به مُقاوميها يعني أنّها ستَفعله هي بحقّهم.

برنامج “نمبوس”

منذ أوائل القرن العشرين أنشأ بعض اليهود أمثال وورنر وماير وفوكس مدينة هوليوود التي امتلكت صناعة السينما والإعلام، واختصَّت بإنتاجِ أفلامِ رُعاة البقر (الكاوبوي) من أجل قلْب الصورة رأساً على عقب وجعْلِ الغازي الأوروبي هو الحضاري، وأصحاب الحضارات الراقية، هُم الوحوش، وراجَ نِتاجُها على صعيدٍ عالَمي، فصدّروا تلك الصورة إلى بلادنا وجَعلونا نُعجَب بالمُثل العليا والإنسانيّة لدى أبطال هذه الأفلام (جون واين، غاري كوبر، هنري فوندا…) وزَرعوا في رؤوسنا جيلاً بعد جيل، صورةَ “الهنديّ الأحمر” المتوحّش. ومعلومٌ أنّ المشروع الصهيوني كان قد بدأ في تلك الفترة بالضبط ينتقل إلى حيّزِ التنفيذ.

منذ ذلك الوقت وصناعة الكذب هي دين السينما والإعلام وديدنهما، بغيةَ إسباغ صفة الحضارة على الغرب الاستعماري، ونزْع تلك الصفة عن شعوبنا العربيّة والإسلاميّة، وشعوب آسيا وأفريقيا كافّة، وحَصْرها في أوروبا “الأنوار”، علماً بأنّ عصر الأنوار الأوروبي بالذات، كان كالقمر بوجهَيْن: وجهٌ مُضيء في أوروبا، ووجهٌ كالِح معتِم حمَلَ إلى باقي العالَم الهمَّ والغمَّ والاستعمارَ والاستعباد. وَجهان، على الرّغم من تناقُضِهما، يتكاملان لِما فيه مصلحة الداخل الأوروبي الاستعماري. فالإصلاح السياسي والرخاء الاجتماعي والازدهار الاقتصادي في الداخل، لم يتحقّق بفضل فلسفات مُفكِّري الأنوار السياسيّة فقط، بل بفضل الخَيرات والثروات المنهوبة من الخارج.. من المُستعمرات التي أتاحت للحكومات الأوروبيّة أن تَمنح شعوبَها مكتسباتٍ اجتماعيّة كالطبابة والتعليم، وأن تَمنحَها حقوقاً سياسيّة كتأليف الأحزاب والنقابات وحريّة التفكير والتعبير؛ على أنّ تلك المُكتسبات والحريّات آخذة اليوم في التراجُع والانكماش لأسبابٍ شتّى يَضيق بنا المجال هنا لاستعراضها. لكنّنا نشير في هذا السياق إلى أنّ الأوروبيّين وصلوا إلى أميركا أواخر القرن الخامس عشر في زمن كانت فيه الشعوب الأوروبيّة لم تَخرج بعد من همجيّة القرون الوسطى، على الرّغم من الإرهاصات الأولى لِما سُمِّيَ بالنهضة، بفضل ما أخذنه من علوم المسلمين وباللّغة العربيّة. وتلك نهضةٌ أَنتجت “مركزيّةً أوروبيّة” زَعمت لنفسها الانفرادَ بالإنسانيّة والحضارة والتقدّم العلمي، فكانت محطّ نقد مفكّرين كبار في سائر أنحاء العالَم، نَذكر منهم على سبيل المثال جان ماري جيهينّو Jean-Marie Guéhenno المُختصّ بالعلاقات الدوليّة وشؤون الدّفاع ومساعد الأمين العامّ لقسم عمليّات حفْظ السلام في الأُمم المُتّحدة، في عهد كوفي أنان، والذي نعى الديمقراطيّة في كِتابه “موت الديمقراطيّة” (La Fin de la Démocratie) وحذَّر فيه من النّزعة الاستعلائيّة والاستكباريّة التي اجتاحت الولايات المتّحدة في أعقاب سقوط جدار برلين، ثمّ في كتابه “الديمقراطية في العَوْلمة.. مستقبل الحريّة” (L’Avenir de la liberté: la démocratie dans la mondialisation) حيث يَستعرض المشكلات التي تَطرحها المُجابَهة بين الديمقراطيّة والسوق الرأسماليّة، فيَفضح اختزالَ الديمقراطيّة في إجراءاتٍ انتخابيّة شكليّة، وتحوّل السوق العالميّة إلى “علّية قوم” عالَميّة، وتحوّل المنافسة في السوق إلى قيمةٍ عليا. ولعلّ ما فَعله أستاذ الفلسفة في جامعة فاس في المغرب المصطفى ولد آكليب حينما اعتذرَ من طلّابه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشرَ اعتذاره على نطاقٍ واسع، هو الموقف الصادق والنزيه والشجاع، حينما قال: “صرتُ أخجل اليوم من طلّابي الذين درَّستهم عبر عقود فلسفة الأنوار وما لحقها من فلسفاتٍ غربيّة حديثة ومُعاصِرة تُمجِّد مفاهيم القيَم والأخلاق والتقدُّم والعدالة وحقوق الإنسان والعقلانيّة والإنسانيّة وحريّة النقد والتعبير.. أعتذر لكم طلّابي الأعزّاء لأنّني كنتُ مشاركاً في خداعكم”. وهذا ما فعله أيضاً رئيس الجامعة اللّبنانيّة د. كميل حبيب في مقالةٍ نَشَرَها على حسابه في فيسبوك.

تطوَّرت صناعةُ الكذب التي لم تعُد أوروبيّة الاسم، بل غدا اسمها “صناعة الكذب الغربيّة”، بعد توزُّع الأوروبيّين بين أوروبا وأميركا، فاتّخذت تلك الصناعة شكلَ ما سُمّيَ إعلام وصحافة، برَّر وجودها في أوّل الأمر أنّها “سلطة رابعة” في وجه السلطات الثلاث، لكنّها سرعان ما تحوّلت إلى بوقٍ لتلك السلطات، وداعمٍ للسلطات الاستعماريّة، باستثناء قلّة منها بقيت ضعيفة التأثير ومهمَّشة. فعلى سبيل المثال: في الشهر الماضي جرى في إسكتلندا حفلُ توزيع جوائز في صناعة السينما، وكانت تغطّيه بي. بي. سي نيوز للتلفزة؛ وألقى عددٌ من الفائزين كلماتٍ أيّدوا فيها فلسطين؛ وشدَّد أربعةٌ منهم على ضرورة الوقف الفوري للإبادة الجارية في غزّة وباقي الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة. لكن حين نَشرت بي. بي. سي نيوز تسجيل ذلك الحفل على الإنترنت، حَذفت هؤلاء الأربعة من البثّ، وحَذفت الرسائل التي وجّهوها. ولم يلحظ أحدٌ هذا الحذف. لكنّ الذين حضروا حفل التتويج لاحظوا عندما شاهدوا الفيديو، أنّ تلكم الرسائل المؤيِّدة لفلسطين قد حُذِفت بأكملها.

انقسامٌ بين متمسّكين بمبادئ الإنسانيّة والخَلق الحَسن، وبين مَن يريدون تغيير وجه العالَم الإنساني تغييراً جذريّاً، وقد واتتْهُم الوسيلة الفضلى لذلك: الذكاء الاصطناعي. فالأوروبيّون وامتداداتهم في الإسرائيليّين والأميركيّين، لا توحّدهم صلابة النظام الرأسمالي ووحشيّته الآخذة في إفقار البشر أكثر فأكثر فقط، بل يوحّدهم أيضاً احتكارُهما سائر تكنولوجيّات الذكاء الاصطناعي واستخدامها في استعباد العالَم وإخضاعه للرقابة الشاملة والصارمة، وتمزيق شرعة الحرّيات وحقوق الإنسان، بما فيها حقّ تقرير المصير وحريّة التعبير، تماماً مثلما توقَّع مفكّرون أمثال ألدوس هكسلي وجورج أورويل وميشال فوكو ونعوم تشومسكي… ولكن، كيفما كانت نهاية حرب غزّة، وأيّاً كان الشكل الذي ستؤول إليه هذه الحرب، سيبقى العالَم مقسوماً، وستستمرّ الحربُ بين مُعسكرَيْن واتّجاهَيْن: اتّجاهٌ نحو استعباد العالَم بقيادة الصهيونيّة العالَميّة أو عَوْلمة الصهيونيّة، أي حُكم العالم بديكتاتوريّة المال واستبداد الذكاء الاصطناعي ببرامج الرقابة، ولاسيّما برنامج “نمبوس” Nimbus الذي أنتجته “غوغل” من أجل إسرائيل التي تَستخدمه لمراقبة الفلسطينيّين، حتّى داخل منازلهم، ضدّ اتّجاه تحرير البشريّة من نير ديكتاتوريّة المال والتفلُّت من براثن العبوديّة الجديدة.

*مترجم وباحث لبناني مُقيم في فرنسا
المصدر: مؤسسة الفكر العربي

الآراء الواردة في المقالة تعبّر عن رأي كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع