المفتي الرفاعي: الصدر حوَّل الرؤية الإنسانية إلى حياة

المفتي الرفاعي: الصدر حوَّل الرؤية الإنسانية إلى حياة
Spread the love

الإمام موءى الصدر حوَّل الرؤية الإنسانية إلى حياة

بمناسبة الاحتفاء بإطلاق كتاب “قاب قوسين أو أدنى” عقد مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات ندوة فكرية تحت العنوان نفسه ضمن فعاليات معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في دورته الخامسة والستين في سي سايد أرينا بتاريخ 3 كانون الأول 2023. أدار الندوة سماحة الشيخ البروفيسور محمد شقير الندوة وشارك فيها البروفيسور فادي بو راشد وفضيلة الشيخ بكر الرفاعي الذي ألقى كلمة تحدث فيها عن دور الإمام الصدر التجديدي في الإسلام واقتران هذا الدور بالقضايا الراهنة وخصوصًا ما يجري في فلسطين. وهنا نص الكلمة كاملًا:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين، وأفضل صلاة وأتمّ تسليمٍ على سيدنا محمد وعلى أخويه موسى وعيسى وعلى آله كلٍ وصحب كلٍ أجمعين.

عائلة الإمام الصدر، صاحبي المعالي والسعادة، صاحبي الفضيلة، أصحاب الرتب والمقامات، الإخوة والأخوات، الأخوين المحاضرين، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

الإمام الصدر شخصيةٌ فريدةٌ ومتميزة وهي كبناء منيفٍ وشاهق، يقف المرء أمامه حائرًا ومتسائلاً من أي الجوانب يرتقي ليطال بعض شوامخ البنيان، هو إمامٌ ينتسب للدوحة النبوية الشريفة وحركته تشكل استمرارًا طبيعيًا وحقيقيًا لخطّ آل البيت وكما جدّه عليّ تميّز واستحقّ لقب الإمامة ولم يحزه سواه في عصره، إستحقّ السيد موسى في لبناننا لقب إمام الوطن بشهادة كل مكوّنات البلد. دوره مجدد والتجديد حركة داخل الإسلام انطلقت منذ خمسة عشر قرنًا وهي سلسلةٌ نورانيةٌ متصلة لم يكن آخرها الإمام محمد عبدو ولا جمال الدين الأفغاني ولكن مع الإمام السيد موسى الصدر فكرة التجديد اختلفت بعد أن كانت فكرةً ورؤية تحوّلت إلى حركةٍ وحياة فكانت حركة المستضعفين، السيد موسى كان له من إسمه نصيب فهو كسيدنا موسى ضدّ فرعون، هو مع موسى كائنًا من كان موسى وضدّ فرعون كائنًا من كان فرعون، ” وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ” حياته تشبه مواقفه ومواقفه كانت تشبه حياته.

الكتاب الذي بين أيدينا يتعلق بكلام في مناسبات تدور بين ولادة وهجرة ومبعث وإسراءٍ ومعراج، من خلاله يحدد الإمام قيمتنا بين الأمم وأن علامتنا الفارقة وأن مبتدأنا وخبرنا هو الإنسان، أين هذا الإنسان من الحضارة والثقافة وتوازن القوى العالمية، وفي كلّ هذه المناسبات هل يستطيع إنساننا إستقبال مناخاتٍ مناسبة وأن يوجد من جديدٍ ولادة وهجرة ومبعث وإسراءٍ، إن محمدًا عليه الصلاة والسلام صنعه الله على عينه وبين يدي سيدنا محمد ولد إنساننا وصنع إنساننا على عينه، الإنسان الطاهر البعيد عن قذارة وواقع إنسان اليوم للأسف.

المناسبات حدث عالمي نتصدى من خلالها لكل آلام الإنسان وحاجاته، فالصلاة عبادة لكن محاريبها ثلاثة: مسجد ومجتمع وكون، وخريطة طريقها القرآن وهو على ثلاثة مستويات: أولاً القرآن المسطور الذي نقرأ حروفه، ثانيًا القرآن المنظور الذي نقرأه آياتٍ وتصارف قدر وقوانين رياضية وفيزيائية، ثالثًا القرآن الذي كان يشكله سيدنا النبي حركًة وحياة، فعندما أرادت أم المؤمنين وصفه قالت كان خلقه القرآن.

ثم قاب قوسين أو أدنى تختصر الرحلة والطريق إلى الله وكما قال الشيرازي لا يتصورنّ واحد منكم انه يستطيع الوصول الى الله إلا من خلال اقتفاء آثار وخطى الله بمحمد عليه الصلاة والسلام، لما كانت رحلة الإسراء والمعراج التي انتهت بقوله قاب قوسين أو أدنى، نحن أمام المظهر الأكمل للإنسان، عندما انطلق النبي من مكة إلى المسجد الأقصى، انطلق من خلال ما فوق البشرية لكن بقي يطرح على جبريل الأسئلة ولما عُرج به إلى السماوات صارت طبيعته ملائكية، لكن عندما وصل إلى ذلك المقام حيث التجلي والتخلي، حيث المظهر الأكمل للإنسان، حيث ما لم يصل إليه قبله لا ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل، حيث قال له جبريل لو تقدمت احترقت ولو تقدمت اخترقت، هناك كان قاب قوسين أو أدنى وهناك وصلنا إلى أقصى ما يستطيع أن يصله إنسان على مدار البشرية من لدن آدم عليه السلام إلى قيام الساعة، واللافت أن شخصية الإمام الصدر مفتاحها الراهنية، ما معنى الراهنية؟ أي أن طروحاته وأفكاره تتمتع بالراهنية الدائمة عندما تعترضنا بعض الأسئلة الوجودية أو القلقة أو بعض التحديات أو العقبات نستطيع أن نعود إلى هذا الفكر وإلى هذه الطروحات لنقدم الأجوبة الشافية التي تستطيع أن تتجاوز كل الأسئلة وكل العقبات وكل التحديات.

الإسراء والمعراج، كان الإسراء إلى المسجد الأقصى الذي تبارك وبورك ما حوله ثم كان المعراج وبعده العودة إلى المسجد الأقصى والصلاة بالأنبياء ربطًا للإسلام بالرسالات السماوية ولكن انتبهوا القدس دائمًا هي الرمز، والمعراج هو خلود الإنسان وهو أبديته، يتساءل الإمام الصدر لماذا جمّع الغرب نفسه في بؤرة واحدة هي الكيان الصهيوني، تحطم من خلاله كل وحدة وتخنق كل رغبة وتحصر همها في نصرة من قالوا للمسلمين والمسيحيين إلهكم غير إلهنا هؤلاء الذين غيروا معالم الدين وحرّفوا الكتاب حتى أننا نخجل في مقاربتنا من تلك التحاريف التي وردت في حقّ الخالق وفي حقّ رسله، يقول الإمام الصدر هل يعقل أن سيدنا لوطًا عليه السلام كما ورد في تحاريفهم قد زنى ببناته، هل هكذا يكون التمسك بمبادئ الخلق وأساس الإنسانية والشرف، إنها العنصريةُ البشرية التي كوّنت مصيبة بشرية هي العدو الإسرائيلي، لو ظهر المسيح اليوم يقول.. وذهب إلى القدس ألا يقول كما قال في المرة الأولى عندما يجدها مركزًا للسياسة العنصرية والمؤامرات على الشعوب وتشريد الناس وفساد الأخلاق ونقطة الإحتكارات العالمية ألا يقولون له كذلك “يجب قتلك” ويعودون ويرددون أمام بيلاطس “دمه علينا وعلى أولادنا” ومن حقنا كذلك أن نسأل الإمام الصدر كما سأل سيدنا عيسى عليه السلام، هل يعقل اليوم أن أميركا تمنعنا من الاتفاق على منافعنا كعرب وترغمنا على الاتفاق على منافعها، تزرع بيننا العداوة، تجمعنا على مودتها، تستخدمنا ضد بعضنا وتتفق مع بعضنا على البعض من خلفنا، يؤيّد بعضنا ويساند الصهاينة في ذبح وتشريد وتدمير وإبادة وتلزمنا بعد ذلك بتكريم جلادنا، والبعض للأسف يخدمها إيمانًا واحتسابا، قالها أمام أبي عمّار “إن شرف القدس يأبى أن يتحرر إلا على أيدي المؤمنين”. لما برز سيدنا عليّ لعمرو بن ودٍّ العامري قال سيدنا النبي برز الإيمان كله للشرك كله. اليوم برزت المقاومة في فلسطين وفي لبنان ضد أميركا وأفراد الشرك كله ونقول إن شرف القدس بدأ يتحرر على أيدي المؤمنين وسنصلي جميعًا في القدس إن شاء الله، إنهم يرونه بعيدًا ونراه قريبًا.

المصدر: مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات