من “كسر عضم” إلى كسر النمط

من “كسر عضم” إلى كسر النمط

شجون عربية – بقلم: د. عقيل سعيد محفوض |

من واجب الجَرَّاح أن يكون قاسياً مع المرض، لكن ليس مع المريض، ذلك أن فيه ما يكفيه، ومن الواضح أن الكتابة والنقد لا تكون ودودة كثيراً عندما تتناول ظواهر لها تداعيات كارثية ومهولة على المجتمع، كما هو الحال في سورية. وقد تكون الدراما التلفزيونية، تليها الرواية، من أكثر القطاعات الإبداعية نشاطاً وانتشاراً وقوة على هذا الصعيد.

أظهرت الحربُ أن السوريين، لم يكونوا رحماء بأنفسهم، وأن فيهم قسوة وعنف أقرب لـ”التوحش”، ولو أن في التعبير شيء من القسوة أيضاً. وليس من السهل تعيين موضع الجناية هنا، إذ إن الظاهرة السورية ككل كانت عرضة أو موضوعاً للتدمير، بما في ذلك أنماط الوعي والسلوك الثقافي والقيمي والاجتماعي الخ

تسلط الدراما الضوء على مشكلات المجتمع وأزماته، و”الظواهر المرضية” فيه، وهي لا شك، كثيرة: الفساد، والعنف الاجتماعي، وشبكات الجريمة، واختلال القيم الاجتماعية والثقافية الخ وهذا أمر مطلوب، لكن عندما تقدم الدراما مجتمعاً ليس فيه إلا الفساد والعنف والقتل، فهذا نوع من الدراما السوداء أو العدمية، أو هو –وهذا ما يبدو مرجحاً بالنسبة لشريحة من المتابعين- مؤشر على مشكلة عميقة في الرؤية، واختلال كبير في الفهم.

لكن، لماذا يحدُث ذلك، وكيف أمكن لشريط أو مسلسل درامي مثل “كسر عضم” أن يُحدِث كل هذا الجدل بل الصدمة لدى شريحة من المتابعين في سورية؟ ومن السوريين من عَدَّهُ شكلاً من أشكال الهجوم أو الاعتداء على المجتمع، وتشويهاً له ولرأسماله القيمي والرمزي، ومنهم من رأى أن ما أظهره المسلسل هو “نقطة في بحر” من المشكلات والأزمات في المجتمع!

يقدم مسلسل “كسر عضم” سردية موجعة بالفعل، لكنه يقع فيما يحاول الكشف عنه أو الإضاءة عليه، ويعَرض بصورة حادة وثقيلة “ظواهر مرضية” في المجتمع، إذا أمكن أن نستعير تعابير أنطونيو غرامشي، كما لو أنها “وقائع” و”حقائق حقيقية” وظواهر طبيعية وتلقائية، قارة ومستقرة.

المشكلة هي في تحويل الظواهر السلبية، إلى شريط أو مسلسل للمتابعة، يقول أصحابه: أيها السوريون هذا هو أنتم، وهذه بلادكم، وهذا مجتمعكم، وهذه هي جامعاتكم، وهؤلاء هم أساتذتكم وطلابكم، وهؤلاء هم أطباؤكم ومحاموكم، وهذه هي إداراتكم ومؤسساتكم والمسؤولين لديكم … محض فساد وعنف ومافيات وشبكات للجريمة.

لكن هل المجتمع محض فاسد، والجامعات والطلاب والأساتذة والإدارات … محض فساد؟ أي صورة يراد تقديمها (قُل: إنتاجها وتلقيها) عن المجتمع، وهل يراد من ذلك خلق صدمة إيجابية أو تحفيز وخلخلة للأفكار والمزاج العام، بقصد تحقيق أو إنتاج مدارك واستجابات مناسبة للتغيير والتجاوز؟

ربما كان هذا هو هدف المسلسل، حتى لا نذهب في التحليل مذاهب أخرى، لكنه لم يتخير الرواية أو القراءة المناسبة، ولا السردية المناسبة، وأخفق في ملاحظة أو تقديم أمر حسن واحد في المجتمع أو في البلاد! ودخل في لعبة الإثارة والسجال الإعلامي والميديائي حول النص، الأمر الذي زاد في عدد متابعيه، وهذه لعبة قد تكون ممكنة أو مشروعة في عوالم الأسواق والمنافسات، ولكنها خلقت صعوبات أمام تلقٍ متوازن للنص/الشريطـ، وأثارت هواجس وشكوكاً كبيرة في “الحدث الدرامي” في سورية، حول أولوية الفرجة والريع على المعنى والرسالة والمقصد.

والمسلسل لم يَتَنَبَّه لأثر أو منعكس ما يقدمه من مشاهد وصور سوداء على الجمهور أو على المجتمع، الذي يعاني بالأساس من مشكلات وتحديات بالغة الحدة والخطورة، جراء حرب طويلة ومهولة، تشهدها سورية منذ أكثر من عشر سنوات، وطالت كل ما يتعلق بالظاهرة السورية اليوم.

عندما تهتم الدراما بتقديم نقد حاد للمجتمع، فهذا أمر مطلوب، كما سبقت الإشارة، بل لعله المهمة الرئيسة للدراما، وثمة بالطبع مهام أخرى مثل: تناول ما يحدث في المجتمع من ظواهر وتحولات ومشكلات، وإنتاج وتعميم القيم، وحتى مجرد الإمتاع والتسلية والمؤانسة وتجزية الوقت.

ومن طبيعة الدراما الاهتمام بالإثارة من أجل زيادة نطاق وحجم المتابعة والفرجة، وان النقد الاجتماعي والثقافي والسياسي وغيره، هو أحد المداخل المهمة في هذا الباب. لكن يجب أن يكون ذلك لهدف رئيس هو: تحريك المجال، وخلق المعاني، وزيادة الوعي، والحث على التغيير نحو الأفضل.

يقول نيقولاي غوغول في روايته “الأنفس الميتة”: “ثمة ساعات لا يمكن فيها أن تحث المجتمع أو حتى جيلاً كاملاً إلى الرائع الجميل، إلا إذا أظهرت كلَّ عُمق وَضَاعَتِه الراهنة، ثمة ساعات لا ينبغي فيها حتى التحدث عن الرفيع والرائع دون أن تشير بوضوح، كوضوح النهار، إلى السبل والطرق التي يسلكها كل إنسان إليه”.

القصد من الإحالة إلى عبارة غوغول، هو أن النقد العنيف والكشف عن مشكلات المجتمع، مهما كانت عميقة، ومهما كان ذلك صادماً، يجب أن يكون في أفق المجتمع نفسه، ومن أجل هدف رئيس ونبيل وهو “الحث على الرائع الجميل”. فما الذي أثارته أو “كشف عنه” أو “حثت عليه” الدراما السورية، ومنها المسلسل المذكور؟

تبدو الدراما في سورية، أو جانب منها، وأرجو أني لا أبالغ، كما لو أنها صناعة لمنتج “قابل للبيع”، أكثر منها صناعة لـ”المعاني” و”القيم” و”المنتجات” الإبداعية. هي بهذا المعنى قطاع مال وأعمال، يهمه الحصول على الريع أكثر من الإنتاج أو تلبية الاحتياجات، ويُنتَج لأسواق (محطات وقنوات تلفازية) في الخارج أكثر منه لأسواق (محطات وقنوات تلفازية) في الداخل.

وقد خبر السوريون قطاع المال والأعمال في البلاد، وكيف أنه كان –في جانب منه- قطاعاً فاسداً، بل ومتوحشاً، أخذ ينهش موارد البلاد والعباد. ومن أسف أن بعض قطاع الدراما، وأرجو أني لا أبالغ أيضاً، أخذ يكتسب السمات نفسها تقريباً. وإذا كان في هذا الكلام شيء من الحدة، إلا أن فيه جانب من الحقيقة.

ان فضاء أو سوق المعنى في البلاد، يعاني نقصاً حاداً في السلع والمنتجات الإبداعية والفكرية التي تخاطب المجتمع، ويفتقر لفواعل الفكر والثقافة والنقد والتحليل التي تحاول تحريكه، وتدفع قواه الحية للعمل على إخراجه مما هو فيه.

كما الفواعل المذكورة، أو جانب كبير منها، يعاني من حالة اغتراب وتَخَلٍّ ولا مبالاة شديدة، ويعاني أيضاً من الشعور بالعجز والإخفاق واللا جدوى، فلا يَستنفر ولا يُستفز أو يُستثار لما يحدث، مهما كان خطره كبيراً! وهذا باب فيه كلام كثير. وهو ما يفسر كيف أمكن لمسلسلات درامية أو نصوص روائية أو غيرها أن تقدم خطابات أو سرديات، على قدر كبير من التوتر والاختلال والاجتزاء والسلبية عن المجتمع السوري.

لكن هذا ليس سلبياً كله، ولعل الفضيلة الرئيسة لما يحدث، ولهذا الجدل حول سوق أو فضاء الدراما والإبداع في سورية، ومنها هذا المسلسل، هو التنبه لعدة أمور يمكن تركيزها في النقاط الرئيسة الاتية:

ان البحث عن الريع أو التميز يمكن أن يدفع أصحابه لأخطاء في التقدير، وقد يؤدي –خلافاً للمقصود- لإنتاج وتقديم ما يشوش أو يهدد المجتمع وقيمه الرمزية وصورته عن نفسه، وصورة العالم عنه.
خلو أو افتقار فضاء المعنى في البلاد لرسائل وقيم أو “سلع معنوية” ذات صلة بالشأن العام، الأمر الذي يجعله عرضة لتأثيرات وتدفقات كثيرة من الصعب ضبطها أو خلق استجابات مناسبة حيالها.

ان المجتمع أحياناً ما يفتقر لروح الدفاع عن نفسه، وخاصة في حالات التشوش واختلال القيم، وضعف الاستجابة حيال الواقع، وهذا باب فيه كلام كثير .
ان النقد الثقافي والإعلامي والإبداعي، الحر والجاد والمنفتح، هو حاجة ماسة للبلاد.
ومن ثم، يجب كسر النمط، والانتقال للتفكير فيما يجدر فعله من قبل فواعل الفكر والثقافة، وفواعل الاجتماع والسياسة، والمؤسسات والمنابر والثقافية والإعلامية وغيرها، لخلق المزيد من الانهمام الحيوي بالشأن العام، وفي هذا حِرز للبلاد والعباد.

المصدر: لعبة الأمم