“ليمبو” Limbo .. متاهة الأرواح

“ليمبو” Limbo .. متاهة الأرواح

شجون عربية – بقلم: فاتن يعقوب* |

يتناول فيلم Limbo الحائز على العديد من الجوائز العالمية والعربية قضية اللّجوء والعملية النفسية والذهنية التي ترافق اللاجىء في رحلته مع المجهول.

اختار الإسكتلندي بن شاروك مؤلف ومخرج Limbo جنسيات مختلفة لبطولة رحلة اللجوء: السّوري عمر، الأفغاني فرهاد، والأفريقييْن واصف وأبيدي. وكانت الشخصية الأولى هي للّاجىء السّوري عمر الذي أدّى دوره ببراعة الممثل المصري أمير المصري.

نشاهد عمر الشاب السوري منذ بداية Limbo حاملاً العود الذي ورثه عن جدّه أينما ذهب. لا نسمعه يعزف العود لأنّ يده مكسورة وقد طلب منه الطبيب المعالج أن يرجع إليه لفكّ الجبس بعد أسابيع عدّة.

يمضي عمر يومه بشكل روتيني. يذهب إلى صفّ اللغة الإنجليزية والثقافة العامة، يجلس في البيت ويتابع مسلسل Friends الشهير مع اللاجئين الآخرين، يهاتف والدته اللاجئة أيضاً مع والده في بلد آخر، ويعود منتظراً رسالة قبول طلب اللجوء.

اختار بن شاروك بلدة بعيدة في اسكتلندا لتكون محطة اللاجئين. رغم أنّ تلك البلدة ليست مأهولة بشكل كبير ولا تظهر بها معالم التقدّم الغربي، إلا أنّها نموذج مصغّر لما يواجهه اللاجىء في عالم المجهول. يتعرّض عمر لشتّى أنواع التنمّر والتضييق رغم أنّه مسالم وقلّما يتكلّم عن نفسه وأحلامه، أو لأنّه حيادي إلى حدّ الخوف من عدم القبول به من البيئة الجديدة.

فيلم ليمبو يحكي قصة اللاجئين والبحث عن المصير

تتحوّل شخصية عمر خلال الأسابيع التي ينتظر بها قرار طلب اللجوء وموعد فكّ الجبس، وكأنّ تحرير ذراعه من الجبس أشبه بتحريره من السجن الفكري الذي اختار أن يهرب منه بغير رجوع، على عكس أخيه الذي اختار أن يبقى ليكمل حرباً لا رجاء فيها ولا مكسب.

يتعرّض عمر لصدمة كبيرة تحوّل شخصيته بشكل جذري. بينما يساعد أساتذته موظفي الدولة في البحث عن الأغنام المفقودة خلال عاصفة ثلجية تضرب البلدة، يجد رفيقه اللاجىء واصف الذي حلم يوماً ما بأن يصبح لاعب كرة قدم شهير وهو الذي تخطّى عمره أحلامه واختار التحايل على الغرب ليهرب من واقعه المرير–يجده عمر ميتاً متجمداً في مشهد حزين برع المخرج فيه بإظهار القسوة التي تكسر الأرواح التائهة في Limbo اللجوء.

يدفن عمر رفيقه سرّاً، فهو ما زال محافظاً على ضميره الإنساني الذي يعادله في الغرب، أو كما يحاول المخرج أن يقول، checklist من النقاط العملية والبراغماتية التي يصبح من خلالها الفرد مشروع مواطن لا أكثر.

ومع ذلك يتحرّر عمر من خوفه وحيرته ويختار أن يعزف العود مرة أخرى لجمهور مترقّب لا يهتم كثيراً بالمعاناة الجمعية لهذا الجزء من الكون ولكن يحرص أن ينصت إليه عندما يقرّر هذا العالم أن يُسمَع.

يكرّر عمر مقولة أبيه الذي تعلّم منه عزف العود أنّ الموسيقي الذي لا يعزف الموسيقى هو ميت. ولأنّ عمر آثر خوض التجربة واكتشاف نفسه بدون التخلّي عن مبادئه وأحلامه، نجح في تمكين قدراته والوصول إلى بداية جديدة في فهم نفسه أوّلاً وبالتالي فهم العالم الجديد الذي قرّر أن ينتمي إليه.

المشهد الأخير في Limbo يصوّر لنا عمر وهو يمشي وحده مكملاً طريقه بخطى ثابتة ولكن باتجاه تخيّم عليه الضبابية. لا نعلم إن حصل على قبول اللجوء كصديقه الأفغاني فرهاد الذي يعده أن يكون مدير أعماله في المستقبل، ولكن نكتفي بالتصفيق الذي سبق ذلك بعد عزف عمر العود أمام أهل البلدة، لنشعر وكأنّ عقدة اللجوء لم تعد مهمة، فهذي الروح التائهة قد وصلت أخيراً إلى مقرّها، إلى حريتها التي تؤهلها أن تبدع في أي مكان حلّت.

*إعلامية وكاتبة لبنانية.