القنبلةُ المُقبِلة

القنبلةُ المُقبِلة

شجون عربية – تقديم وترجمة رفيف رضا صيداوي |

في عددها الصادر بتاريخ 13 – 19 كانون الثاني/ يناير 2022 (العدد 1628)، خصَّصت دوريّة “كورييه أنترناسيونال” الفرنسيّة ملفّاً بعنوان “القنبلة الديموغرافيّة الآتية” نقلاً عن مجلّة “نيكي آسيا Nikkei Asia ” اليابانيّة التي يهتمّ فريق عملها اليابانيّ بأمور المنطقة الآسيويّة من خلال ريبورتاجات وتحليلات وتحقيقات تجعل من هذه الدوريّة اليابانيّة مصدراً إخباريّاً ثميناً. وبدَورها، تنقل “أفق” بتصرّف أجزاءً من هذا الملفّ الذي أعدّه فريق العمل اليابانيّ المذكور (المؤلّف من Kazuo Yansae, Yohei Matsuo, Eugene Lang, Eri Sugiura ) ونُشِر في المجلّة اليابانيّة في 22 أيلول/ سبتمبر 2021.

منذ مئتيْ عام، والنموّ الديموغرافي المُستمرّ يستهلك المَوارِد الطبيعيّة، ويُدمِّر البيئة، ويُولِّد الحروب. لكنّ البشريّة الآن على وشك استبدال القنبلة الديموغرافيّة بأخرى. صنّاع القرار السياسي والعِلمي يفتحون عيونهم على واقعٍ جديد وهو أنّ العالَم بات على وشك الهلاك وحتّى الانقراض. فسكّان العالَم اليَوم، الذين كانوا بحدود المليار نسمة، أصبحوا 7,8 مليارات، مُمارسين بذلك ضغْطاً واضحاً وبيِّناً على الكوكب. لكنّ العُلماء وصنّاع السياسات بدأوا شيئاً فشيئاً يُدركون الواقع الجديد الذي تعكسه الأرقام: في العام 2023 سيشهد النموّ الديموغرافي، الذي وصل إلى حدٍّ أقصى له بلغ 2,09% في نهاية ستّينيّات القرن الفائت، تراجُعاً إلى ما دون الـ 1%، وذلك بحسب دراسة قامت بها جامعة واشنطن نُشرت في العام 2020. وفي العام 2017 انخفضَ معدّل نموّ الفئة العمريّة 15- 64 سنة، أي فئة الأشخاص في سنّ العمل، إلى ما دون الـ 1%. فقد بدأت أعدادُ السكّان الناشطين بالتراجُع فعليّاً في حوالي ربع بلدان العالَم. وفي أُفق العام 2050، سيكون151 بلداً من بلدان الكوكب في وضعيّة النموّ الديموغرافي المُنخفض. وتُعلِن الدراسة أخيراً عن ذروةٍ في عدد السكّان سيشهدها العالَم في العام 2064 تصل إلى 9,7 مليارات نسمة، وذلك قبل انخفاضه مجدّداً.

على مدى 300000 سنة من تاريخ البشريّة، سبَّبت فتراتُ البرد والجوائح هبوطاً عابراً في النموّ السكّاني. لكنْ، بحسب مؤرِّخ الديموغرافيا شيزوكا هيروشي كيتو Hiroshi Kito، فإنّ البشريّة تستعدّ، ولأوّل مرّة في تاريخها، لحقبةٍ من التراجُع التي ستطول هذه المرّة.

خلال فترة 2015 – 2020، وبحسب تقرير “التوقّعات السكّانيّة العالَميّة 2019” الصادر عن الأُمم المُتّحدة، فإنّ شرق آسيا هي من بين المناطق الأكثر تأثُّراً بتراجُع عدد الولادات، وبخاصّة كوريا الجنوبيّة (التي بلغ مؤشّر الخصوبة الإجماليّة فيها 1,11)، وتايوان (1,15)، واليابان (1,37). يبدأ عددُ سكّانِ أيّ بلد في الانخفاض عندما تصل الخصوبة إلى ما دون معدّل الاستبدال البالغ 2.1، وما يُواكب ذلك من نقصٍ في العمالة، وأزمة في صندوق المعاشات التقاعديّة، واستمرار النماذج الاقتصاديّة القديمة.

في المقابل، تقع منطقة جنوب آسيا، التي تقود النموّ العالَميّ منذ بداية “المعجزة الآسيويّة”، على مُفترقِ طُرقٍ أيضاً. فتايلاند التي كان مؤشّر الخصوبة الإجماليّة فيها أعلى من 6، يتراجع مؤشّرها اليوم إلى 1,53، مُقتربةً بذلك من اليابان. وفي العام 2019، بدأ السكّان الناشطون بالتراجُع، وتراجَعَ معدّل النموّ الاقتصادي إلى 2,4%، فغدا أقلّ بثلاث مرّات من معدّل 7,5% الذي كان هذا البلد قد سجّله في سبعينيّات القرن المُنصرم.

في بقاء الجنس البشريّ

في العام 2017 باتت فيتنام بدَورها من المُجتمعات “الهَرِمة”، وقامت الحكومة هناك برفْع سنّ التقاعُد. لكنْ تبقى الصّين المثال الأكثر تعبيراً عن هذا الانخفاض الديموغرافي الذي سيتراجع معه عدد السكّان، بحسب جامعة واشنطن، ليُصبح 730 مليوناً في أفق العام 2100. وتُشير تقديراتُ كريستوفر موراي Christopher Murray من الجامعة نفسها إلى أنّه في هذا العام نفسه سيشهد 23 بلداً، من بينهم اليابان، انخفاضاً في عدد السكّان إلى النصف، وربّما أكثر.

تأتي دراسة جامعة واشنطن لتُصحِّح التقديرات السابقة التي توقّعت ازدياداً في سكّان العالَم؛ إذ كان تقرير “التوقّعات السكّانيّة العالَميّة 2019” قد أشارَ إلى تزايدٍ سكّانيّ يصل إلى 10,9 مليارات في العام 2100. غير أنّ تصوّراتٍ جديدة تُفيد بأنّ الولادات تتراجع بسرعةٍ أكبر من المتوقّع في البلدان السائرة في طريق النموّ. ويتوقّع كريستوفر موراي تركُّز معدّلات الخصوبة حول 1,5، بل حتّى أقلّ من ذلك في بعض البلدان، “ما يعني أنّه خلال بضعة قرون ينتهي الأمر بالبشريّة إلى الاختفاء”. كما يُلاحَظ في هذا السياق، على سبيل المثال، أنّ العدد المُتنامي للنساء المُلتحقات بالدراسات العليا يُفسّر تراجُع الخصوبة في تايلاند.

الولايات المُتّحدة وأوروبا أيضاً

لا يبدو أنّ لإنشاءِ أنظمةِ دعْمٍ مثل دُور الحضانة أو إجازة الأمومة تأثيراً على عدد الولادات. فمع أنّ في فنلندا مثلاً، أحد أفضل أنظمة المُساعدة والدّعم للنساء والأطفال، إلّا أنّ معدّل الخصوبة فيها يشهد سقوطاً حرّاً. فببلوغه 1,37 في العام 2020 بات يُلامس في العام نفسه المعدّلَ الياباني، أي 1,34. وبحسب الخبراء فإنّ الولايات المتّحدة وأوروبا تتبعان إلى حدٍّ ما طريق اليابان نفسه. فقد شهدت اليابان في ستّينيّات القرن المنصرم نموّاً اقتصاديّاً تجاوَزَ الـ 10%. لكنْ عندما بدأ عددُ السكّان الناشطين بالانخفاض في نهاية تسعينيّات القرن الفائت، حدَّد معدّلُ النموّ لنفسه زمناً لكي يستقرّ فيه على عتبة 0,5%، لكنّه لم يُعاود الإقلاع مرّة أخرى منذ ذلك الحين، وبقيَ من دون تأثُّرٍ تقريباً بعشرين سنة من سياسات إعادة إطلاق عجلة النموّ.

الديناميّة نفسها يُمكن ملاحظتها في أوروبا بدءاً من العام المُقبل: بحسب تقرير “التوقّعات السكّانيّة العالَميّة 2019″، فإنّ عدد السكّان سيبدأ بالانخفاض في العام 2022. وبحسب مؤشّر الشركة الهولنديّة المُتعدّدة الجنسيّات للخدمات المصرفيّة والماليّة ING، فإنّ علاماتٍ مُماثلة لتلك المتعلِّقة بديموغرافيّة اليابان بدأت بالظهور في منطقة اليورو منذ العام 2013.

منعطف لويس

ثمّة عددٌ من الاقتصاديّين الآسيويّين الذين اختبروا ظاهرة “مُنعطف لويس” (نسبةً إلى عالِم الاقتصاد البريطاني آرثر لويس)، والتي تنطبق على العاملين النازحين من الأرياف إلى المُدن الذين يغذّون النموّ الاقتصادي من خلال عملهم بأجورٍ متواضعة. لكنْ على المدى الطويل، يتوقّف النموّ بسبب ارتفاع الأجور ونقْص العمالة، وتكون الاستجابة، في كثيرٍ من الحالات، بهجْرة هذه العمالة إلى البلدان المتطوّرة، التي تشهد نموّاً ديمغرافيّاً بطيئاً، لكي تُسهِم في نموّها الاقتصادي. وقد سجَّلت الأُمم المتّحدة في العام 2020 نحو 281 مليون مُهاجر في العالَم، بزيادة نحو 1,6 مرّات عمّا كان عليه الحال منذ أكثر من عشرين سنة. والقيود على الحدود التي فرضتها جائحة كوفيد-19 سلَّطت الضوء على مدى اعتماد بعض البلدان على العمالة الأجنبيّة؛ فمن دون الهجرة، لم يعُد عددٌ ملحوظ من اقتصادات البلدان المتطوّرة قادراً على سدّ حاجاته من اليد العاملة. وبحسب الجمعيّة البريطانيّة لناقلات الطرق مثلاً، فإنّ بريطانيا تفتقر إلى أكثر من 100000 سائق متخصّص، فيما تقوم شركاتُ النقل مُكرهة بإعادة النّظر بالأجور في الساعة ورفْعها 30%. ثمّ إنّ تراجع الهجرة ليس ظاهرة مؤقّتة، لأنّ البلدان التي تُرسل العدد الأكبر من العاملين إلى الخارج تَلحظ تراجُعاً لديها في الفئة العمريّة الشبابيّة. وهذا هو الحال في الصين والهند والفيليبّين. فالفيليبّين تحديداً، وبوصفها أحد أكثر البلدان المصدِّرة لليد العاملة في العالَم (%10 من سكّانها يعملون في الخارج)، راحت تشهد أولى بوادر انعكاس آية الهجرة المتمثّلة بالعودة إلى الوطن للتركيز على الإنتاج المحلّي. التحويلات الخارجيّة التي كانت تدخل إلى الفيليبّين وكانت تزيد على 7% في النصف الأوّل لسنوات 2010، لم تعُد تتعدّى نسبة 3% في العام 2018.

فاتورة طفرة المواليد Baby-boom

في آسيا، يصل البيبي – بوم إلى سنّ التقاعُد، والسكّان يشيخون، والحكومات أمام ارتفاعٍ كبيرٍ في الإنفاق الاجتماعي، ولاسيّما معاشات التقاعُد والعناية الطبيّة. وفي الوقت الذي يُصبح فيه الذين تجاوزوا سنّ الـ 65 يشكّلون أكثر من 21% من السكّان، ويتخطّى فيه الناتج الإجمالي المحلّي للفرد 44000 دولار (38000 يورو)، أضحى مجتمع اليابان مجتمعاً “فائق الشيخوخة”. وحين لا يعود السكّان الناشطون والمؤسّسات أهلاً لتمويل نظام الأمن الاجتماعي، تبقى الدولة الخيار الوحيد الباقي. جيل البيبي – بوم في الصين الذي كان يُمثّل 1,5 مرّات الحجم الإجمالي للسكّان في اليابان، سيبدأ ببلوغ سنّ التقاعد – 60 سنة – العام القادم. والحِمل النّاجم عن ذلك سيقع على أكتاف مجموعة الفقراء الذين بلغوا سنّ التقاعد وشاخوا قبل أن يُصبحوا أثرياء.

أمّا عن الإصلاحات الرامية إلى تسهيل الحصول على وظيفة، بغضّ النَّظر عن العمر، فهي لا تزال تنتظر العمل عليها في آسيا. في كوريا الجنوبيّة، ثمّة 8 ملايين شخص من المولودين بين 1955 و1963 بلغوا سنّ التقاعد. ومن الملحّ رفْع هذه السنّ المحدَّدة حاليّاً بستّين سنة، لكنّ الأمر لا يزال يصطدم بطريق مسدود، علماً أنّ رفع سنّ التقاعد قد يُعيق حصول الشباب على عمل، وأنّه مرفوض من طَرَفِ المؤسّسات التي تتوجّس من ارتفاع كلفة اليد العاملة.

أمّا تايوان التي يبلغ متوسّط سنّ التقاعد فيها 56 عاماً، وحيث توقَّف أكثر من 40% من فئة الأعمار 50 – 55 عن العمل، فإنّها تشهد الآن خلْخلةً في تقسيم العمل هذا الذي لطالما كان مُلائماً للاقتصاد؛ إذ يأتي تراجُع معدّل الولادات ليُخلَّ بتقليد التقاعُد المبكّر، كما أنّ من شأن التأمين على العمل ونظام تقاعُد الموظّفين أن يتهافتا في العام 2026.

حتّى البلدان المتطوّرة التي أصبحت غنيّة قبل أن تشهد آثار شيخوخة مُجتمعاتها ليست بمنأىً عن تلك الصعوبات. أنظمة الضمان الاجتماعي لليابان وكندا والبلدان الأوروبيّة ترتكز على مبدأ الدّعم بين الأجيال، الذي وفقاً له يدعم السكّان الناشطون حاجات المُتقاعدين. ومع انخفاض معدّل الولادات، فإنّ السبيل الوحيد لاستمراريّة نظام التقاعد من دون إلقاء العبء على السكّان هو في تحسين العائدات على الاستثمار. لكنّ انخفاض عدد السكّان يضرب في المقابل احتياطات النموّ الاقتصادي، وذلك بخلْقِه دائرةً عقيمة هي في أساس السقوط التاريخي لأسعار الفائدة.

الحلّ يكون بمساندة النموّ الاقتصادي عبر زيادة الإنتاجيّة. فوحدها البلدان والمناطق التي تعمل بحسب هذا النموذج من الإصلاحات من شأنها تأمين تقاعُد كِبارها وضمانه.

نحو إيجاد إطارٍ جديد

الديموغرافيا لا تَمنح سلطةً، فعلى الرّغم من أنّ الصين مثلاً كانت من بين أكثر بلدان العالَم اكتظاظاً بالسكّان في بداية القرن العشرين، إلّا أنّها كانت عاجزة أمام أوروبا واليابان. ما يعني أنّ الديموغرافيا هي عامل ضروري لكن غير كافٍ للاستحواذ على السلطة والنفوذ. والصعود القويّ للصين، العائد بجزء كبير منه إلى وفرة اليد العاملة هناك، من شأنه أن يشهد نقطةَ تحوُّلٍ في العقود القادمة ما إن يأخذ عدد سكّان البلاد بالانخفاض.

وإذا كانت الصين، هذه القوّة الخارقة، قد تخلّت عن سياسة الولد الواحد للأسرة في العام 2015 واستبدَلَتْها بسياسةٍ تسمح بولدَيْن، إلّا أنّها تُجاهِد اليوم لإنعاش معدّل المواليد، فرَفعت الآن مجدّداً سقفَ عدد الأولاد للأسرة الواحدة إلى ثلاثة، وذلك مباشرة بعد التعداد السكّاني الوطني الذي قامت به في العام 2020. وكان هذا التعداد قد حدَّد عدد سكّان الصين بـ 1.41 مليار نسمة، في حين اعتبر مدير الأبحاث في جامعة ويسكونسن – ماديسونXi Fuxian أنّ السكّان الصينيّين في تراجُعٍ منذ العام 2018، وأنّ عددهم في الواقع هو بحدود 1,28 مليار نسمة، أي بفارق 130 مليون نسمة.

الاستراتيجيّة السياسيّة الكامنة خلف الأرقام الرسميّة لبكين واضحة. الاعتراف بتغيُّر الديموغرافيا قد يكشف عن إخفاقاتها السياسيّة. الكثير من مراكز البحوث تُرجِّح تجاوُز الدخل الإجمالي للفرد الصيني مثيله الأميركي في حوالي العام 2030. وهو ما أنكره Xi Fuxian، ولاسيّما أنّ المعطيات الصينيّة تُغالي برأيه، لأنّ عدد السكّان الذي حدّدته يفوق بنحو 100 مليون نسمة العدد الفعليّ؛ ما يعني أنّ كلّاً من الولايات المتّحدة والصين ستحتفظ بمكانها في ما يخصّ الدخل الإجمالي للفرد.

ليست الصين على كلّ حال البلد الكبير الوحيد المُهدَّد بسبب الديموغرافيا. فبحسب الأُمم المتّحدة، سيفقد السكّان الروس نحو 20 مليون نسمة في مشارف العام 2100. وستدخل الولايات المُتّحدة أيضاً مرحلةَ تراجُعٍ ديموغرافيّ سيكون لها تداعيات اقتصاديّة كبيرة. فالنموّ الأميركي يشهد تباطؤاً، وتشهد الولايات المُتّحدة أكثر من ذي قبل توزُّعاً غير عادل للثروة، ما من شأنه إطلاق مَوجة من الشعبويّة والقوميّة شعارها “أميركا أوّلاً”.

في موازاة هذا كلّه، النفوذُ العسكريُّ يتطوّر بدوره. انتهى الزمن الذي كان النفوذ العسكري والاقتصادي فيه مرتبطاً ارتباطاً مباشراً بالمدى السكّاني. وبالطريقة نفسها التي أُتيح بها للديمقراطيّة والرأسماليّة الفَوز بالحرب الباردة بفضل تفوُّق أنظمتهما، تشهد البلدان حاليّاً تنافُساً لتحقيق إطارٍ يسمح لها بحفْظِ رفاهها من دون الاعتماد بالضرورة على ديموغرافيا نشطة. فالمُستقبل سيكون للمُجتمعات التي تُحسِن، قبل فوات الأوان، إعادة هيْكَلَة نفسها في وجه التراجُع.

المصدر: مؤسّسة الفكر العربي