واشنطن بوست: “إسرائيل” تباشر أكبر عملية طرد للفلسطينيين منذ عقود

واشنطن بوست: “إسرائيل” تباشر أكبر عملية طرد للفلسطينيين منذ عقود

شجون عربية – تناولت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية في تحقيق لها قضية هدم قوات الاحتلال الإسرائيلي منازل فلسطينيين في الضفة الغربية وتسوية قراهم، وذلك قبل زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن للكيان الإسرائيلي.

وقالت الصحيفة إن عائلة النجار اتصل بها أحد الجيران في صباح 11 أيار / مايو الجاري قائلاً إن “الجرافة قادمة”. فللمرة الثانية خلال خمسة أشهر، جاء جيش الاحتلال الإسرائيلي لهدم منزلهم. لكن هذه المرة كان هناك سبب للخوف من أن المنزل سيذهب إلى الأبد. فبعد عقود من الهدم وإعادة البناء ومعركة قانونية استمرت لأكثر من 20 عاماً، منحت أعلى محكمة إسرائيلية هذا الشهر الإذن العسكري لطرد أكثر من 1000 فلسطيني هنا بشكل دائم وإعادة تخصيص الأرض كميدان رماية لجيش الاحتلال.

وبعد أقل من أسبوع على حكم المحكمة العليا الإسرائيلية، تم هدم منزل النجار، مما يمثل بداية ما يقول النشطاء إنه من المحتمل أن يكون أكبر طرد جماعي للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة منذ احتلالها عام 1967، عندما فر مئات الآلاف من الفلسطينيين أو تم طردهم من الأراضي التي احتلتها “إسرائيل”.

وقالت الصحيفة إن المحكمة الإسرائيلية لم تتأثر بالوثائق التاريخية التي قدمها المدافعون عن الفلسطينيين، والتي تظهر ما قالوا إنه دليل على أن اقتراح إنشاء ميدان رماية، قبل عقود، كان يهدف إلى منع الفلسطينيين من المطالبة بالأرض.

وقالت يسرى النجار، التي ولدت في كهف محفور باليد في صحراء النقب قبل 60 عاماً: “كان لدينا 30 دقيقة لنخرج ما نستطيع.. لم يستغرق الأمر وقتاً وذهب منزلنا مرة أخرى”.

وأشارت الصحيفة إلى أن عمليات الهدم أثارت تعبيرات عن القلق من واشنطن قبل زيارة مقررة للرئيس بايدن إلى “إسرائيل” في حزيران / يونيو المقبل، وهي تأتي في وقت يتصاعد فيه عدم الاستقرار في الحكومة الائتلافية الإسرائيلية وتصديقها الأخير على أكثر من 4200 وحدة سكنية جديدة في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. ورداً على سؤال حول حكم المحكمة العليا الإسرائيلية، ناشد المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس، الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء لتجنب الخطوات التي تزيد من التوترات. وقال: “هذا يشمل بالتأكيد عمليات الإخلاء”.

وحض الاتحاد الأوروبي “إسرائيل” على وقف عمليات الهدم. وحذرت لجنة معنية بحقوق الإنسان تابعة للأمم المتحدة من أن “النقل القسري” للسكان قد يرقى إلى “انتهاك خطير للقوانين الدولية والإنسانية وقوانين حقوق الإنسان”.

وقال جيش الاحتلال الإسرائيلي في بيان إن عمليات الهدم تمت وفقاً لمراجعة المحكمة العليا التي استمرت لسنوات ووفق حكمها بالإجماع نيابة عن الجيش الإسرائيلي. وجاء في البيان أن “المحكمة العليا قبلت تماماً موقف دولة إسرائيل، وحكمت بأن الملتمسين ليسوا مقيمين دائمين في المنطقة”. كما أشارت المحكمة إلى أن “الملتمسين رفضوا أي محاولة حل وسط عُرضت عليهم”.

وبدأ النزاع على هذه التلال جنوب مدينة الخليل في ثمانينيات القرن العشرين، عندما طالب المسؤولون الإسرائيليون بعدة مناطق في الضفة الغربية لسبب معلن هو إنشاء مناطق تدريب عسكرية. وتم تصنيف هذه المنطقة التي تبلغ مساحتها بين 8000 و14000 فدان – المعروفة باللغة العربية باسم مسافر يطا وباللغة الإنجليزية باسم تلال جنوب الخليل – منطقة رماية 918.

وزعم جيش الاحتلال في وثائق المحكمة أن “الأهمية الحيوية لمنطقة الرماية هذه بالنسبة للجيش الإسرائيلي تنبع من الطابع الطوبوغرافي الفريد للمنطقة، والذي يسمح بأساليب تدريب خاصة بكل من الأطر الصغيرة والكبيرة، من فرقة إلى كتيبة”.

لكن نشطاء حقوق الإنسان، الفلسطينيين والإسرائيليين، يؤكدون أن الهدف الحقيقي للعديد من مناطق الرماية هو إخلاء السكان الفلسطينين وتعزيز قبضة “إسرائيل” على المزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكثيراً ما مهدت التصنيفات الطريق لتوسيع المستوطنات الإسرائيلية، التي تعتبر غير قانونية من قبل المجتمع الدولي.

وقالت الصحيفة إن الدقائق الموثقة من اجتماع عام 1981 الذي وجده أخيراً باحثون حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني تدعم هذه الفكرة. فقد تم تسجيل كلام لأرييل شارون وزير الزراعة الإسرائيلي آنذاك – رئيس الوزراء فيما بعد – يقول فيه إنه من المهم إبطاء “توسع القرويين العرب من التلال. لدينا مصلحة في توسيع مناطق الرماية هناك، للحفاظ على هذه المناطق، التي تعتبر حيوية للغاية، في أيدينا”، وذلك بحسب وثيقة نشرتها صحيفة هآرتس الإسرائيلية. وتم إدخال المستند كدليل قانوني.

وزعم المسؤولون الإسرائيليون أن سكان بين 8 و12 قرية صغيرة في المنطقة 918 – معظمهم من الرعاة الذين لا يزاولن يقضون فصل الشتاء في الكهوف المحفورة من الحجر الجيري – لا يمكنهم إثبات الملكية القانونية للأرض.

وقد تقدم سكان هذه القرى والمدافعون عنهم مراراً بطلبات للحصول على تصاريح لبناء منازل وتوصيل خطوط الكهرباء. وقد رفض المسؤولون العسكريون الإسرائيليون هذه الطلبات، قائلين إنه لم يُسمح لأحد بالعيش داخل ميدان الرماية، ثم أرسلوا بانتظام فرق هدم مسلحة لهدم المباني التي يصنفونها بأنها “غير قانونية”.

وأصدر مسؤولو سلطات الاحتلال أوامر الإخلاء الأولى في عام 1999 لكنهم امتنعوا منذ ذلك الحين عن نقل العائلات فعلياً مع استمرار التحديات القانونية. وبدلاً من ذلك، فإن عمليات الهدم المتكررة ترقى إلى مستوى المضايقات الاستراتيجية مما يعني إبعاد العائلات.

وقال درور سادوت من منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية لحقوق الإنسان التي عملت على هذه القضية: “لا أعتقد أننا سنرى صوراً لأشخاص يُرغمون على ركوب شاحنات .. ما سنراه سيكون مجرد المزيد من عمليات الهدم المتكررة، والتي ستجبر المجتمع (الفلسطيني) على المغادرة لأنهم لا يستطيعون العيش هناك بعد الآن”.

وأشارت “واشنطن بوست” إلى أنه على مر السنين، توصلت المحكمة الإسرائيلية إلى حلول وسط، بما في ذلك تسوية من شأنها أن تسمح للفلسطينيين الذين تم إجلاؤهم بالعودة إلى الحقول في الأعياد اليهودية والفترات الأخرى التي لم يكن من المحتمل إجراء تدريب عسكري فيها. ورفض السكان هذه المقترحات بشكل قاطع.

وأنهت المحكمة العليا أخيراً الطعن في 5 أيار / مايو الجاري، وحكمت بالإجماع لمصلحة جيش الاحتلال وزعمت أن العائلات الفلسطينية فشلت في إثبات أن لديها مطالبة قانونية بالأرض أو أنها عاشت هناك قبل تصنيفها كميدان للرماية.

وقال نضال يونس، رئيس مجلس قرية مسافر يطا، “هناك قانون يعمل لمصلحة اليهود، لكنه غير موجود بالنسبة لنا”، مشيراً إلى أن البؤرة الاستيطانية القريبة التي يحتفظ بها المستوطنون الإسرائيليون لا تخضع للإخلاء بموجب الأمر.

في قريتها، تهز يسرى النجار رأسها لفكرة أنها وافدة جديدة إلى الأرض حيث تقول إن أجدادها حفروا ملجأً لرعاة من الحجر الجيري في الخمسينيات من القرن الماضي وحيث ولدت عام 1961. أما الآن فقد تم إجبارها هي وعائلتها على العودة إلى ذلك الكهف، والذي، مثل العديد من العائلات، احتفظوا به على مر السنين كمطبخ ومساحة معيشة إضافية. مع ازدياد عدد المستوطنين الإسرائيليين في المنطقة، وحوادث تخريب المستوطنين والاعتداءات الجسدية، اعتبروا المنطقة ملاذاً من العنف.

وقد هُدمت جميع المنازل البسيطة ذات الأسقف الحجرية والمعدنية.

ووصفت يسرى أحدث ظهور غير معلن لجرافة الاحتلال، برفقة أكثر من عشرة جنود بأسلحة آلية. وقالت: “لم يذكروا سبب وجودهم هنا، ولم يعطونا أوراقاً. لكننا عرفنا”. وأمر الجنود رجال الأسرة بالابتعاد عن المنزل بينما كانت النساء تسابق في انتزاع الملابس والفراش… كان العديد من متعلقاتهم لا يزال في الداخل عندما طلب منهم الجنود التراجع إلى الخلف.

وقالت النجار إن الأمر استغرق أقل من ساعتين حتى قامت الجرافة بتسوية منزلين وحظيرتي أغنام في قرية مكونة من سبع عائلات. وهدم جيش الاحتلال 20 مبنى في ثلاث قرى في ذلك اليوم، بحسب باسل عدرا، الناشط الفلسطيني الذي يوثق نشاط الجيش الإسرائيلي في المنطقة.

وختمت الصحيفة أن جيش الاحتلال الإسرائيلي لم يذكر متى يخطط لتنفيذ المزيد من أوامر الهدم.

نقله إلى العربية بتصرف: هيثم مزاحم عن الميادين نت