هآرتس: شعبي يعرف ماضيه

هآرتس: شعبي يعرف ماضيه

شجون عربية /

أيمن عودة – عضو في الكنيست ورئيس القائمة المشتركة/
في الأمس أحيوا ذكرى النكبة في حيفا، المدينة التي ولدتُ فيها وأسكن فيها اليوم. عندما أسير في شوارع حيفا لا يمكنني إلّا أن أفكر في الناس الذين عاشوا في المنازل المهجورة، ومن بينهم عمتي فتحية. في 22 نيسان/أبريل 1948 استُكمل احتلال المدينة. عشرات الآلاف من الحيفاويين أصبحوا لاجئين في لبنان ودول أُخرى، وآخرون انتشروا في شتى أنحاء البلد، من دون السماح لأي منهم بالعودة إلى منزله حتى اليوم. في هذا الصباح 23 نيسان/أبريل، ومن أصل 70.000 من السكان العرب الفلسطينيين في حيفا بقي 2900 فقط.
المقتلَعون واللاجئون من حيفا هم أبناء شعبي، بينهم جاري وأفراد عائلته، كارثتهم هي جزء من القصة التأسيسية للشعب الفلسطيني كله.
هم يتوقعون منا أن ننسى هذه الكارثة بعد 73 عاماً. حكومات إسرائيل المتعاقبة تريد منا – نحن العرب أبناء الشعب الفلسطيني، مواطنو الدولة – التخلي عن ماضينا، وعن هويتنا، وأن نحمل هوية جديدة “عرب إسرائيل”. “العربي – الإسرائيلي” المنفصل عن جذوره والهوية الخالية من المضمون، نوع من مخلوق هجين؛ من جهة، لا ينتمي إلى الشعب الفلسطيني، لكن من جهة ثانية هو ليس إسرائيلياً بالكامل في الدولة اليهودية. طبعاً لا يوجد شيء من نوع “يهودي إسرائيلي”، مواطنو إسرائيل من اليهود هم ببساطة إسرائيليون.
كتب يغآل آلون: “شعب لا يعرف ماضيه وحاضره هو شعب فقير ومستقبله يكتنفه الغموض.” يقولون لنا إن الفلسطينيين مواطنون في إسرائيل، وكي نحظى بمستقبل علينا التخلي عن الماضي، لكن الحقيقة هي أننا فقط من خلال معرفة الماضي نستطيع أن نبني لأنفسنا مستقبلاً. مستقبل نكون فيه جزءاً من الشعب الفلسطيني، وأيضاً مواطنين كاملين ومتساوين في الدولة التي ولدنا فيها.
في السنوات الأخيرة تحول الصراع على المستقبل في إسرائيل إلى صراع بين مجموعتين – المجموعة المؤيدة لنتنياهو وتلك المعارضة له. مرة أُخرى ينتظرون منا أن نضع تاريخنا وهويتنا جانباً، والانضمام بأي ثمن إلى المعسكر الذي يأمل بأن يحل محله. لكن ماذا لو أن المرشح لقيادة هذا المعسكر هو نفتالي بينت الذي ينكر النكبة من جهة، ومن جهة ثانية يدعو إلى مواصلتها – من خلال هدم منازل، وشرعنة المستوطنات، وضم المناطق المحتلة، ومصادرة أراض في بلدات عربية في النقب والجليل. كيف يمكنني أنا الذي اقتُلعَت عائلته، وعمتي تعيش اليوم منفية في مخيم للاجئين في الأردن، أن أتجاهل هذا كله؟
منتهى السخرية عندما قال ياريف ليفين في ذكرى إضاءة الشموع إن هذا العيد هو عيد كل مواطن إسرائيلي، بمن فيهم العرب. هل هناك ما هو أكثر قسوة وسخرية من هذا الكلام؟ العنصرية غير المباشرة التي تحاول التنكر في صورة اليد الممدودة للشراكة، هي عنصرية خطرة لا تقل إيذاءً من العنصرية الواضحة والمباشرة.
الشراكة الحقيقية لا يمكن أن تقوم من دون الاعتراف بمظالم الماضي والمظالم المستمرة في الحاضر. الشراكة الحقيقية لا يمكن أن تقوم مع استمرار الاحتلال، ومع استمرار سياسة التهويد المتواصلة في شتى أنحاء البلد، وما دام ليس هناك اعتراف بالقرى غير المعترَف بها في النقب، وما دامت البلدات والمدن العربية تعاني جرّاء التمييز في تخطيط البناء والبنى التحتية وفي الأراضي، وما دامت الشرطة تتعامل مع المواطنين العرب كأعداء وتتخلى عنهم في مواجهة التنظيمات الإجرامية.
شراكة حقيقية يهودية – عربية تبدأ من الاعتراف المتبادل بحق الشعبين، اليهودي والفلسطيني، في تقرير المصير. فقط انطلاقاً من هذا الاعتراف، ومن إصلاح الظلم التاريخي، يمكن أن نبني معاً مستقبلاً يسوده العدل والمساواة والديمقراطية والسلام والشراكة.

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية _ عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية