هآرتس: ترميم العلاقات بين السعودية وتركيا يخلق حلفاً إقليمياً غير مرتبط فقط بالولايات المتحدة

هآرتس: ترميم العلاقات بين السعودية وتركيا يخلق حلفاً إقليمياً غير مرتبط فقط بالولايات المتحدة

شجون عربية / تسفي برئيل_محلل سياسي

مرة منذ 4 سنوات من المنتظر أن تحط اليوم (الأربعاء) طائرة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مطار تركيا. بالنسبة إليه وإلى مضيفه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فإن هذه الزيارة تغلق دائرة العداء والنفور والقطيعة العميقة التي نشأت بعد القتل الوحشي للصحافي السعودي جمال الخاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول.
طوال تلك الفترة كان يبدو أن الشرخ بين الدولتين، والذي شمل أيضاً مقاطعة البضائع التركية، لا يمكن ردمه. لكن كان هذا أيضاً وضع علاقة أردوغان بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والذي رفض أردوغان الاعتراف بشرعيته منذ سنة 2013 حتى قبل عامين، ومع حكام دولة الإمارات العربية المتحدة الذين وصفوا تركيا بأنها “عدو أسوأ من إيران”، ومع الرئيس الأميركي جو بايدن الذي اعتبر أردوغان دكتاتوراً وامتنع من التحدث معه طوال أشهر، ومع رؤساء حكومات إسرائيل التي وصفها أردوغان قبل قضية الأسطول البحري [سفينة مافي مرمرة التركية التي حاولت خرق الحصار الذي فرضته إسرائيل على القطاع] بالدولة الإرهابية. فأردوغان الذي صاغ مصطلح “صفر مشكلات مع الجوار” كمبدأ مركزي في سياسته الخارجية، خلق شبكة عداوات وتوترات مع كل جيرانه تقريباً.
خلال هذه السنوات الأربع غرقت تركيا في إحدى أخطر أزماتها الاقتصادية التي لم يشهد مثلها أردوغان منذ وصوله إلى السلطة في عام 2003. فالشخص الذي كان يُعتبر عبقرياً في الاقتصاد، والذي أنقذ تركيا من الانهيار، ومن تضخم بلغت نسبته 70٪، وحقق نمواً متواصلاً بنسبة 7٪ خلال عام، هو اليوم المسؤول المباشر عن تضخم بحجم 73٪، وعن انهيار قيمة الليرة التركية، وإغلاق آلاف المعامل، والبطالة المرتفعة، وأزمة السكن الحادة.
قبل عام من الانتخابات الرئاسية، وبعد عقدين من حكمه الاحتكاري وحكم حزبه، يبحث أردوغان عن حبل نجاة اقتصادي، وتحديداً لدى الدول العربية. في البداية استأنف علاقاته مع الإمارات التي وافقت على استثمار قرابة 10 مليار دولار في تركيا، وهو يجري “محادثات تقارب” مع المصريين، ويطور علاقاته مع إسرائيل بهدف إعادتها إلى المستوى الذي كانت عليه قبل الخلاف، ويسعى إلى تسوية الأمور مع الإدارة الأميركية. ولترميم العلاقات بين أردوغان ومحمد بن سلمان أهمية كبيرة تتخطى الإطار الثنائي، إذ تنطوي على إمكان إقامة منظومة علاقات إقليمية مستقلة لا تعتمد على تقسيم ثنائي مع الأميركيين أو ضدهم، بل تستند إلى مصالح إقليمية راسخة قادرة على فرض سياسة أميركية خارجية لا الرضوخ لها فقط.
يصل بن سلمان إلى تركيا بعد زيارة قصيرة إلى مصر والأردن حيث “أغلق” الخلافات في الرأي قبيل زيارة بايدن الشهر المقبل إلى إسرائيل والسعودية. واقترح ولي العهد السعودي على الرئيس المصري أن يحذو حذوه ويمضي قدماً في استئناف العلاقات مع تركيا. كما “أغلق” موضوع نشر قوات متعددة الجنسيات في جزيرتي صنافير وتيران، الأمر الذي يتطلب تعديلاً في اتفاقات كامب ديفيد. ووعد الأردن باستمرار المساعدة السعودية، وحاول أن يطمئن الملك عبد الله ويبدد مخاوفه من أن السعودية لا تسعى إلى أن تحل مكانه كمسؤولة عن الأماكن المقدسة في القدس. وفيما يتعلق بتركيا ليس واضحاً ما هي الهدايا التي يحملها معه، لكن التوقعات أنها لن تكون أقل من المساعدة الكبيرة التي حصلت عليها تركيا من دولة الإمارات. فالمهم بالنسبة إلى محمد بن سلمان هو الظهور العلني، وأن يُبرز زعامته الإقليمية التي من المفترض أن تثير إعجاب الرئيس بايدن.
انضمت إسرائيل إلى الدائرة التركية – السعودية بصفتها محوراً مركزياً لها كما تقدم نفسها. ففي حال نشأ حلف جوي إقليمي ستكون إسرائيل هي سبب نشوئه، وإذا كانت السعودية تريد علاقات جيدة مع الأردن، من المستحسن أن يطبّع بن سلمان علاقته بالقدس، وإذا كانت تركيا تطمح إلى ترميم علاقاتها مع مصر فإن عليها أن تدفع رسوماً لإسرائيل. إذ يبدو أن الدولة الأقل استقراراً سياسياً، والتي انهارت حكومتها، قادرة على إدارة سياسة ناجحة، وعلى غرس شعور في المنطقة بأن البيت الأبيض يخضع لإملاءاتها.
يتحدث وزير الدفاع بني غانتس عن منظومة دفاع أنقذت عدة دول في المنطقة من هجمات مسيرات إيرانية، ووفقاً لتقارير، يبدو أن إسرائيل نصبت بضعة منظومات رادار في دولة الإمارات وفي البحرين، وينسب لها أيضاً تدمير مخزن للمسيرات الإيرانية في سورية، كما أن تعاونها الاستخباراتي الوثيق مع عدد من دول المنطقة لم يعد سراً. وهذا قطعاً يعكس تبدلاً في النظرة الإقليمية التي تحولت فيها إسرائيل إلى حليفة وشريكة شرعية في محاربة الإرهاب. لكن في الوقت عينه تتخوف دول المنطقة من أن يؤدي تكثيف عمليات إسرائيل ضد إيران، واغتيال العلماء، وقصف أهداف وقواعد إيرانية في سورية، والتهديد بالعمل بصورة مستقلة ضد إيران، إلى تحويلها إلى أهداف. وقد أوضحت السعودية والإمارات في كل المناسبات معارضتهما نشوب حرب إقليمية جديدة حتى لو كانت ضد إيران. وتحاول كل من السعودية وإيران فتح صفحة جديدة في العلاقات بينهما، كما تقيم الإمارات علاقات عمل وتجارة مع طهران. فمنظومة الدفاع الإسرائيلية ليست بالضرورة البديل القادر على ضمان مصالحهم الجديدة.
وينطبق هذا على تركيا أيضاً التي تشهد اليوم نوعاً من حرب جديدة تتطور فيها جبهة قتال بين إسرائيل وإيران. وتخوض تركيا منذ عشرات السنوات صراعاً مسلحاً ضد الإرهاب الكردي، كما تعمل ضد نشاط العملاء الإيرانيين الذين يحاولون الاعتداء على مواطنين إيرانيين يعيشون في تركيا. لكن أن تدور حرب على أراضيها بين دولتين إقليميتين هو تطور مثير للقلق وخطر، إذ يوجد بين تركيا وإيران توترات سياسية على خلفية نوايا تركيا توسيع غزوها للأراضي السورية، لكنهما يحاولان حل هذا الخلاف بالطرق الدبلوماسية.
يبلغ حجم التجارة بين تركيا وإيران حوالي خمسة مليارات دولار سنوياً، ويزور تركيا قرابة مليوني سائح إيراني، بالإضافة إلى بضعة آلاف من المواطنين الإيرانيين المقيمين بتركيا. فمن شأن وقوع هجوم إيراني ضد مواطنين إسرائيليين أن يؤدي إلى حالة “هلع” على صعيد السياحة الدولية لا على صعيد السياحة الإسرائيلية فحسب، وهذا ما سيلحق الضرر بأحد مصادر الدخل الأساسية في تركيا، والذي من المنتظر أن يُدخل سنوياً حوالي 40 مليار دولار. وبالتالي كل تعاون استخباراتي بين تركيا وإسرائيل ضد عمليات إيرانية يضع أنقرة في وضع غير مريح أبداً. لقد كان أردوغان مستعداً للتخلي بسهولة عن الثناء الذي تغدقه إسرائيل على التعاون الاستخباراتي والعملاني التركي، وعن سبب حدوث هذا كله.
في ضوء التطورات السياسية الأخيرة في إسرائيل ليس واضحاً ما إذا كان وزير الخارجية يائير لبيد سيزور تركيا غداً كما كان مقرراً كي يلتقي نظيره التركي. وفي حال جرى الاجتماع فسيسمع منه مرة أُخرى شكره لإسرائيل، لكنه سيوضح للبيد الثمن الذي يمكن أن تدفعه تركيا لقاء هذا التعاون.