هآرتس: المسجد الأقصى هو نقطة النهاية بالنسبة للصهيونية

هآرتس: المسجد الأقصى هو نقطة النهاية بالنسبة للصهيونية

شجون عربية / تومر برسيكو – أكاديمي إسرائيلي

اللواء في الاحتياط غرشون هكوهين سيكون سعيداً جداً بربط المسجد الأقصى ببدايات الصهيونية. ولكن عندما يعلن في استديوهات القناة 13، بإصرار، أن المسجد الأقصى كان “مصدر إلهام للمشروع الصهيوني”، أو يشرح لشيني ليتمان في “هآرتس” أن ما يقوم به من أجل المسجد الأقصى “يستند إلى ديالكتيك قيادات الحركة العمالية الرائدة، وبصورة خاصة إرث بن غوريون”، فإنه يشارك إحدى الروايات الديماغوجية المزيفة التي يغدقها علينا اليمين مؤخراً.
الحقيقة معاكسة كلياً: دافيد بن غوريون لم يكن يريد المسجد الأقصى، وكذلك بقية قيادات الصهيونية. هؤلاء رأوا أن المدينة القديمة برمتها ليست إلّا خزان إشعاعات دينية. أراد بن غوريون التخلص منها، عبر تقسيم المدينة إلى قدس شرقية وقدس غربية، وبعد أن رفض رؤساء الييشوف خطة التقسيم التي طرحتها لجنة بيل (1937)، كتب بن غوريون أن المقصود “كارثة كبرى”، يمكن أن تقسّم الاستيطان اليهودي إلى قبائل، مستقبلاً.
“كارثتنا”، تابع بن غوريون في رسالة أرسلها إلى اللجنة المركزية في حزب “مباي” في تموز/يوليو 1937 “انتصرت في القدس التوصية الوطنية، التوصية العقيمة والغبية، على التوصية الرسمية المتوازنة. والقدس اليوم ‘موحدة’ تحت سلطة النشاشيبي والخالديين، لأنه كان هناك حاجة إلى السيطرة على ‘جبل الهيكل’ [الحرم القدسي الشريف]، وعلى ‘مسجد عمر’.”
يسخر بن غوريون، بوضوح، من الرغبة في السيطرة على المسجد الأقصى، ويرى أن عدم تقسيم المدينة، المستند إلى توصيات تافهة، كارثة ستبقى على مرّ الدهور. أما حججه فكانت: “قدس يهودية، متحررة من الشراكة المقيدة مع الأفندي العربي والموظف البريطاني، مفصولة عن البلدة القديمة التي لا معنى لها، إلاّ بتحوُّلها إلى متحف ثقافي ديني لجميع الديانات، ومعزولة عن الأحياء العربية التي تبتلع جنودنا – يمكنها أن تحفّز قدرتنا الإبداعية الحضرية، وأن تتركز فيها أموالنا وذواتنا.”
أراد بن غوريون في رؤيته أن يرى يشوفاً يهودياً حديثاً ومتطوراً، يقوم على مجتمع ديناميكي حديث ديمقراطي واشتراكي. وأدرك أن ابتلاع المجتمع العربي الكبير سيقوّض السيادة اليهودية، كما أن الارتباط بالبلدة القديمة مع قيمتها الدينية، سينزع عن المشروع الصهيوني – العلماني علمانيته وقوته. السيطرة على المسجد الأقصى ستوقظ من غياهب التاريخ الشوق القديم إلى الكهنة والأضاحي، الذين كانوا بالنسبة إليه النقيض التام لليهودية العلمانية، والـ”عبرية” التي ميزت الييشوف العبري الريادي. البلدة القديمة، بحسبه، يجب أن تتحول إلى متحف.
دعم بن غوريون الإبقاء على القدس القديمة “تحت حكم دولي حتى النهاية”، كما قال حينها. شاركه وجهة النظر هذه أيضاً الرئيس الأول حاييم فايتسمان الذي قال في سنة 1937: “لم أكن لآخذ البلدة القديمة، حتى لو قدموها لي هدية.” والمعروفة أيضاً في ردة فعل موشيه ديان، عندما قال، وهو ينظر إلى البلدة القديمة في بدايات حرب الأيام الستة: ما حاجتنا إلى كل هذا الفاتيكان؟” وعملياً، يصف هرتسل البلدة القديمة في كتاب “دولة اليهود” بأنها مركز مؤتمرات دولي.
الحديث هنا لا يدور حول مشاعر سطحية ضد الدين، إنما عن معرفة بأن البلدة القديمة، كمركز ديني، تنطوي في داخلها على إلغاء الصهيونية كما رآها الذين صاغوها. الحركة الصهيونية أرادت خلق اليهودي الجديد، اليهودي القومي العلماني الذي يرتبط بالماضي من خلال أبطال جيش الشعب من جهة (الملك سليمان، الحشمونائيم، بار كوخبا)، ومن جهة أُخرى، بالأنبياء ورؤاهم بمجتمع عادل يلبّي حاجات الفقراء من خلال قيام مجتمع نموذجي في دولة الرفاه الاشتراكية.
لقد فهموا جيداً أن المسجد الأقصى بصورة خاصة هو نقطة النهاية بالنسبة إلى الصهيونية، المكان المحدد الذي ستنقلب فيه الصهيونية على أبنائها، وتتحول من حركة علمانية قومية إلى حركة دينية مسيانية. ويجب أن نتذكر أن الهيكل، ليس فقط رجالاً بقمصان بيضاء يذبحون بقرة ويحرقونها، إنما هم كهنة وملك أيضاً. وهذا قبل الحديث عن المسجد الأقصى.
هذا أيضاً ما فهمته جيداً حركتا “المزراحي” و”المفدال”. فحتى بدايات القرن الحالي، كان هناك إجماع مطلق تقريباً في أوساط حاخامات الصهيونية- الدينية على أن الدخول إلى المسجد الأقصى ممنوع، وكان دخول الزائرين الذين يراعون الفرائض ضئيلاً. نشهد في الأعوام الأخيرة تغييراً ثورياً في النظرة الدينية والفقهية إلى حرم المسجد الأقصى: بدلاً من التمسك بالامتناع من الدخول، تُعطى أذونات من الحاخامات المركزيين؛ وبدلاً من الإبقاء على الهيكل لأيام المخلص، هناك حديث مباشر عن بناء قريب للهيكل على يد دولة إسرائيل.
كما لم يكن الاستيطان يوماً خطة بديلة من الصهيونية، إنما اختراق تحت البراغماتية الحذرة والاستعداد لتقديم تنازلات على يد قيادات الحركة في الماضي، وتقلص احتمال بقاء الدولة اليهودية والديمقراطية مع كل يوم يمرّ، وكل مستوطن يُضاف، هكذا أيضاً، فإن “السيادة” الحالية في المسجد الأقصى ليست جزءاً من “توجُّه استراتيجي يتزامن مع منظومة التوترات”، كما قال غرشون هكوهين، إنما هو انجراف قومي عديم المسؤولية يزعزع أساسات الدولة.
إن مجرد القول: الحوض المقدس في يد دولة إسرائيل سيجعل يقظة الحنين إلى الحرم القدسي أمراً لا يمكن منعه. بن غوريون استطاع رؤية هذا. علاوة على ذلك، لا يمكن، ومن غير العادل إنكار العلاقة التاريخية والحساسة بين الحرم وبين شعب إسرائيل. السؤال المطروح أمامنا اليوم، هو كيفية الموازنة ما بين رغبة اليهود الصادقة في زيارة الحرم والصلاة فيه، وبين الحاجات الجيوسياسية الواقعية والوجودية بالنسبة إلى إسرائيل. لكن الطريق إلى هذا التوازن لا تمرّ عبر إعادة كتابة تاريخ الصهيونية.
نحن في فترة جديدة، ويجب اتخاذ قرارات صعبة للحؤول دون تخريب الصهيونية من خلال السيطرة على المسجد الأقصى، كما تخوف بن غوريون؛ يجب على الحكومة أن تقف أمام النشطاء الذين غطوا عيونهم وأطلقوا ألسنتهم، من أمثال هكوهين وأصدقائه، والالتزام بالقانون وصوغ استراتيجيا واضحة.