هآرتس: الشاباك يتجهز لتدخُّل خارجي في الانتخابات، يمكن أن يكون قد بدأ

هآرتس: الشاباك يتجهز لتدخُّل خارجي في الانتخابات، يمكن أن يكون قد بدأ

شؤون آسيوية_بقلم : عاموس هرئيل – محلل عسكري

 

لم يتبقّ سوى أسبوعين ويومين للانتخابات، وجميع استطلاعات الرأي لا تزال تشير إلى سباق محتدم. معسكر نتنياهو يحصل على ما بين 59 و61 مقعداً – بما معناه، ينتقل ما بين تفوُّق بسيط وتعادُل مع “معسكر التغيير”. النتائج، لا حاجة إلى التذكير، بأنها مهمة جداً. فإذا نجح “الليكود” في الوصول إلى هدفه الأعلى تأمين 61 ضوتاً لمعسكره، فإن جميع الأدوات مسموحة للوصول إلى الهدف المقبل: محاولة وقف المسار القضائي ضد نتنياهو، بهدف ضمان البقاء.

في ظروف حدوث وضع تعادُل مفترض، يشرح المحللون السياسيون، أن كل تقلب طفيف من الممكن أن يكون مهماً جداً. نسبة تصويت منخفضة في أوساط العرب، عدم نجاح أحد أحزاب الوسط – يسار في عبور نسبة الحسم- هي سيناريوهات من شأنها حسم مصير الانتخابات. نظرياً، هذه النتيجة يمكن أن تكون نتيجة بضعة آلاف الأصوات هنا أو هناك. واحتدام السباق يشكل أرضاً خصبة لمحاولات التأثير والتلاعب. إذا كان الجمهور المستهدف للوصول إلى الحسم صغيراً نسبياً، ومعروفاً، فهذا يدفع، بنيوياً، الأحزاب إلى الاستثمار في محاولة دفعه إلى التصويت وتغيير تصويته، بحسب رغبة الحزب.

الانتخابات المحتدمة في الدول الغربية استقطبت في الأعوام الأخيرة الكثير من محاولات التدخل الخارجي من دول توتاليتارية، مثل روسيا والصين وإيران. ولم تكن هذه التدخلات دائماً جدية كما يبدو في البداية. الهلع الذي سيطر على المعسكر الديمقراطي في الولايات المتحدة، بعد انتخاب دونالد ترامب للرئاسة في سنة 2016، أدى إلى الكثير من نظريات المؤامرة، التي لم تنجح التحقيقات الفيدرالية (وعلى رأسها تقرير مولر) في تبيان حقيقتها، لكن هذا لا يقول إن مثل هذه الجهود لم تحصل. وفي كثير من الأحيان، لا تُحصَر مصلحة القوى العظمى في مساعدة مرشح معين، بل في تشجيع الاستقطاب والكراهية الداخلية في المجتمعات الغربية الديمقراطية.

رئيس الشاباك السابق نداف أرغمان حذّر في كانون الثاني/يناير 2019، عشية الانتخابات الأولى من خمس (حتى الآن)، من “تدخُّل دولة أجنبية” في الانتخابات. أرغمان لم يذكر اسمها، لكن يبدو مما أشار إليه أن الحديث يدور عن روسيا. ثلاثة مصادر على عِلم بالتفاصيل قالت لـ”هآرتس” إن نتنياهو، رئيس الحكومة حينها، غضب من أرغمان لدرجة أنه بحث في إقالته. ومؤخراً، نشر بن كسبيت في “معاريف” أن وريث أرغمان، رونين بار، حذّر نظراءه في روسيا من التدخل في الانتخابات. أما عميت سيغال، فنشر ما مفاده أن الجهاز أنهى تحضيراته لكبح أي تأثير في الانتخابات القريبة. وبحسبه، فإن مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي تشير إلى واقع متوتر، وفي “الشاباك” يتخوفون من أن يكون يوم ما بعد الانتخابات مختلفاً عما شهدناه سابقاً. ومن أسباب ذلك: في معركة محتدمة، سيكون من السهل أكثر التشكيك في النتائج.

أجرى معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، في الشهر الماضي محاكاة بشأن محاولات التأثير في الانتخابات والتشويش عليها، بمشاركة خبراء قانونيين، وفي مجالات السايبر، والأمن، والإعلام، وهيئة الإنترنت الإسرائيلية. مسؤولون كبار في الدولة، لهم علاقة بأمانة الانتخابات، شاهدوا هذه المحاكاة. محاكاة مشابهة أُخرى تم إجراؤها في جلسة مغلقة، بمشاركة “الشاباك”.

تلخيص مدير عام المعهد الجنرال تامير هايمن كئيب جداً. ولقد وزع التقرير مؤخراً على رئيس لجنة الانتخابات المركزية، والمستشارة القضائية للحكومة، ورئيس مركز الأمن القومي، ورئيس الشاباك، وآخرون، بالإضافة إلى أنه وصل إلى “هآرتس”. يكتب هايمن فيه أن التدخلات الخارجية في الانتخابات هي تحدٍّ استراتيجي. ويقول إنه “من الصعب تشخيص التدخل الخارجي بشكل قاطع – ومن الممكن أن يندمج في مسارات داخلية، هناك صعوبة، أو عدم رغبة في مراقبتها في نظام ديمقراطي. الديمقراطية تستطيع التعامل مع حالة تدخُّل خارجي منفردة، لكن عندما يدور الحديث عن محاولات كثيرة وأحداث كثيرة، فيبدو أن هناك تحدياً نظامياً لمسار الانتخابات برمته.”

وبحسب هايمن، فإن “إحدى المعضلات هي الاختيار ما بين التجاهل، وبذلك يتم حفظ حرية التعبير، وبين اتخاذ خطوات عملياتية، من شأنها التأثير في المسار الديمقراطي. التعامل مع التدخلات الخارجية في الشبكة العنكبوتية، من شأنه الكشف عن قدرات ومصادر استخباراتية. ولا يوجد أي جهة مخولة الموازنة ما بين المصالح المختلفة وحالة محددة.” ويضيف هايمن أن لجنة الانتخابات المركزية لا تملك ما يكفي من الصلاحيات القانونية، بهدف التعامل مع هذه التحديات الجديدة، وأن هذا يستوجب تغييرات قانونية. ويوصي المعهد بدفع أجهزة الأمن إلى العمل بصورة غير مباشرة مع اللجنة، وإقرار ميزانية خاصة، بهدف الاستجابة للمشكلة بشكل شامل، استخباراتياً.

ويشير المعهد إلى أهمية توسيع صلاحيات اللجنة، من أجل إصدار أوامر منع في حالات إلحاق الضرر بالخصوصية التي تؤثر، جوهرياً، في نزاهة الانتخابات (تذكّروا ما حدث في موضوع هاتف بني غانتس، فهذا ليس صدفة). ويوصي المعهد اللجنة بالعمل، بهدف تعزيز الوعي الجماهيري بمحاولات التدخل الخارجي ونشر الأكاذيب إزاء كل ما يخص مسار الانتخابات. ومن بين السيناريوهات التي تم البحث فيها: محاولات لقمع التصويت في المجتمع العربي؛ استعمال تطبيقات لفحص توجّهات التصويت لدى الناخبين؛ تشجيع التظاهرات عبر استعمال “الذباب الإلكتروني” الإيراني في شبكات التواصل الاجتماعي؛ بالإضافة إلى حملة افتراضية تنشر ادعاءات بشأن تزييف نتائج الانتخابات. جميع هذه السيناريوهات واقعية. ومن الممكن القول إن بعضها يحدث فعلاً.

خبراء إسرائيليون قالوا لـ”هآرتس” إنه يوجد عامل مشترك بين جهود التأثير الروسية في إسرائيل ودولة غربية أُخرى. الفكرة هي زرع الفوضى وخلق شعور لدى المواطن بأن كل شيء مزيف – النظام ضدك، جميعهم يكذبون، ولا يوجد إمكانية للإيمان بشيء. وفي الآونة الأخيرة، تم تشخيص جهود لتدخلات روسية في إسرائيل في سياقات أُخرى أيضاً.

موسكو تستعمل جهات واجهة، على أمل إقناع جمهور المهاجرين في إسرائيل بعدالة الحرب الأوكرانية. هكذا، تمت إقامة جمعية باسم “الجبهة ضد – النازية”، التي تقوم هنا بنشر رسائل الكرملين، في محاولة لوسم الحكومة في كييف بأنها الوريث الفكري للنازية. نقطة أُخرى مثيرة للاهتمام تتطرق إلى حملة إلكترونية تدور ضد حزب “إسرائيل بيتنا” الهدف واضح: إقناع ناخبين قدماء لأفيغدور ليبرمان بتركه والتصويت لمعسكر نتنياهو.

وعلى الرغم من ذلك، فإنه لا يزال هناك فيل في الغرفة، ومن المؤكد أنه من غير المريح للدولة التعامل معه، وبصورة خاصة أجهزة الأمن. ماذا يحدث عندما تكون الألاعيب من الداخل، من قلب أحد المعسكرات المتنافسة؟ “الشاباك” مخوّل منع التدخلات الخارجية، لكن من الصعب تخيُّله يعمل ضد حملة إلكترونية داخلية تقوم بها جهات خفية لمصلحة أحد المرشحين. على الأقل، كان هناك إشارات إلى خطوات سيئة كهذه، في الجولات السابقة أيضاً. يبدو أن النظام يفضل أن ينظر إلى روسيا على أن يركز نظره الثاقب على ما يحدث هنا من تحت بصره.