هآرتس: الجنود يحبون بن غفير

هآرتس: الجنود يحبون بن غفير

شؤون آسيوية_بقلم: ياغيل ليفي – باحث

 

الجنود يحبون إيتمار بن غفير،حتى أن جدعون ليفي يدّعي أن اثنين من كل عشرة جنود صوتوا له، وهم بذلك صوتوا لنهجه أيضاً. وبسبب هذه الظاهرة وظواهر العنف التي تصدر عن الجنود عموماً، التي كان آخرها اعتداء جندي في الخليل على ناشط يساري، يمكن تبنّي وجهة النظر السائدة لدى اليسار الصهيوني، التي تصنف الجنود بصورة نمطية، بهدف تصويرهم كداعمين للكهانية، كما يطرح ليفي نفسه. وجهات نظر أكثر محافظة تلقي التهمة على وسائل التواصل الاجتماعي، كما فعل الجيش بعد قضية الجندي إليئور آزاريا. وهناك من يرى في الجيش انعكاساً للمجتمع الإسرائيلي، بحسب وجهة نظر المعهد الإسرائيلي للديمقراطية.

هذه المواقف تتجاهل الاتجاهات العميقة داخل الجيش. فكما ادّعيت بعد العاصفة التي جرت في أعقاب موت الجندي بارئيل شموئيلي على حدود غزة خلال شهر آب/أغسطس 2021، هناك احتجاجات في الجيش تقوم بها الفئات المهمشة اجتماعياً وثقافياً. هم يرسلون أبناءهم إلى الجيش ويشعرون بالإحباط من الخدمة التي تبدو أنها لا تنال التقدير: أعمال شرطة قذرة لا تمنح مَن يقوم بها أي تقدير، ولا تبني أسطورة البطولة، ولا تحقق أي إنجازات كبيرة، إنما هدفها فقط الحفاظ على الوضع القائم. لذلك، تحتج هذه الفئات ضد قواعد الثقافة العامة للجيش الرسمي، وهذا ما جرى التعبير عنه في قضية دافيد هنخلافي [الذي تم تصويره في مواجهة مع فلسطيني] وأزاريا وشموئيلي.

كل هجوم هو فشل يُلصق اليمين التهمة بالجيش وقياداته السياسية، لكن في الوقت نفسه، يتم التعامل مع كل هجوم على أنه فشل للجنود. الجنود بدورهم، والكثيرون منهم من الفئات المهمشة، يرون كيف تُفتح الطريق أمام أبناء الطبقات الميسورة اقتصادياً للوحدات التكنولوجية، التي تحولت إلى رمز جيش التكنولوجيا العالية الدقة، الذي طوّره رئيس هيئة الأركان الحالي أفيف كوخافي. وهم يلتقون ممثلي هذه المجموعات كـ”نشطاء يسار”، يراقبون عملهم.

يتم تسريح هؤلاء الجنود إلى سوق عمل قاس، من دون أن يراكموا معرفة مهنية ذات قيمة خلال خدمتهم العسكرية-خدمة تفرض عليهم المواجهة من أجل شروط ملائمة. وهم يتهمون السياسيين بتعريض حياتهم للخطر من خلال أوامر تكبل أيديهم في قواعد فتح النار، حتى لو كانت هذه القواعد متساهلة. كما أن التغطية الإعلامية الواسعة التي ترافق سقوط كل جندي خلال العمليات توضح من أين أتى هؤلاء: أغلبيتهم العظمى ليست من الفئات العلمانية الميسورة. وهكذا يتم صوغ هويتهم التي تثور ضد ثقافة الجيش.

ثم جاء بن غفير، شرقي ومتدين، يشبه الكثيرين من الجنود. لأول مرة، يرون سياسياً يتفهم أزمتهم، ويطالب بالدفاع عنهم أمام السياسيين الذين “يتركونهم وحدهم”، ويمنحهم حصانة، حتى لو أخطأوا. بن غفير يعاملهم على أنهم أبطال مخصيين، يمنعهم السياسيون من الانتصار. يتكلم معهم بلغتهم، وليس باللغة المعقدة الاستعلائية التي يتحدث فيها ضباطهم، لغة النخب الرسمية.

بن غفير يطلق على عمل الشرطة التي يقوم بها أصحاب الياقات الزرقاء-الطبقات المهمشة، اسم “مهمة قومية”، وهي بعيدة كل البعد عن بقايا لغة “معارضة الاحتلال” التي يتحدث بها اليسار الصهيوني، أو على الأقل مطالباته باحتلال أخلاقي على حساب الجنود. وفجأة، يرى الجنود أن مهمتهم لها معنى، ويرفعون رؤوسهم. استعمال العنف لم يعد يتناقض مع “قيَم الجيش”، إنما بات يعبّر عمّا يرمز إليه الجيش. إدانة الجنود ومحاولات نزع الشرعية عن بن غفير وحزبه ستعمّق شعور هؤلاء الجنود بالاغتراب.

لا يوجد دواء سحري، باستثناء إيقاف ما تقوم به الدولة منذ تأسيسها: وضع الطبقات المهمشة في المجتمع في مواجهة الفلسطينيين في الضفة، أو المواطنين الإسرائيليين. تنمية العدوانية التي كانت ضرورية، بهدف تنمية الروح القتالية بعد حرب 1948، تتحول، تدريجياً، إلى وحش ينتفض على صاحبه، لدرجة الخوف من تغيير نظام الحكم.