معاريف: علاقة معقدة آن الأوان كي نفهم أن تركيا اليوم ليست العشيقة

معاريف: علاقة معقدة آن الأوان كي نفهم أن تركيا اليوم ليست العشيقة

شجون عربية / أساس أوفير – خبير في التاريخ والسياسة التركية

اشتكى بن غوريون في مذكراته من أن تركيا تتعامل مع إسرائيل مثل عشيقة. وأشار إلى وجود علاقات كثيرة بين البلدين، ولقاءات حساسة وحميمة، لكن لا أحد في الخارج يعرف شيئاً عن ذلك.
أقامت تركيا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل في آذار/مارس 1949، وكانت الدولة الإسلامية الأولى والوحيدة التي اعترفت بإسرائيل خلال ثلاثة عقود حتى توقيع اتفاق السلام مع مصر.
في سنة 1980 مرت العلاقات مع تركيا بأزمة غير بسيطة بعد سن “قانون القدس” في الكنيست، حينها فكر الأتراك في قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. منذ أواسط الثمانينيات طرأ تحسن كبير على العلاقات مع تركيا وبدأ شهر عسل بين الدولتين استمر من سنة 1992 إلى سنة 2002. مؤتمر مدريد، وعملية أوسلو، ومحادثات السلام مع الدول العربية، كلها أمور أتاحت لتركيا وشعبها المسلم التقرب من إسرائيل بصورة غير مسبوقة.
بالإضافة إلى العلاقات الوثيقة على المستوى الاقتصادي والثقافي والسياحي، نشأ بين الدولتين حلف استراتيجي حقيقي. فتدرب جيشا البلدين معاً، ووُقّعت صفقات أمنية، وكانت علاقة الحب بين الدولتين والشعبين علنية ورسمية. يومها لم تكن العلاقة بتركيا كعشيقة، بل كامرأة متزوجة.
مع صعود أردوغان إلى السلطة في تشرين الثاني/نوڤمبر 2002 بدأ عدد من الديناميات المتعددة بالظهور والتأثير سلباً في العلاقات الإسرائيلية-التركية. انهيار عملية السلام مع الفلسطينيين بعد الانتفاضة الثانية وتفاقُم النزاع معهم كان لهما وزنهما الكبير في التأثير سلباً في العلاقات مع تركيا. عندما اغتيل زعيم “حماس” الشيخ أحمد ياسين في آذار/مارس 2004 ثارت ثائرة أردوغان واتهم إسرائيل بممارسة “إرهاب الدولة”.
الحساسية التركية

لقد كانت تركيا على الدوام شديدة الحساسية حيال المسألة الفلسطينية، لكن تصريحات أردوغان ومَن حوله فيما يتعلق بإسرائيل كانت بلا رادع، وأحياناً أيضاً معادية للسامية بصورة لم نشهد مثلها لدى زعماء تركيا من قبل.
دينامية ثانية تطورت وأثرت سلباً في العلاقات التركية-الإسرائيلية، ابتعاد تركيا عن المعسكر الموالي للغرب الديمقراطي، الذي شكّل طوال أعوام الخيط الذي يربط بين تركيا وإسرائيل. لم تكن تركيا يوماً دولة ديمقراطية ليبرالية بكل معنى الكلمة، لكنها كانت على مدى أعوام نموذجاً لدولة إسلامية ديمقراطية احتضنها الغرب وتبناها.
اعتُبرت تركيا دولة إسلامية ذات خصوصية، فهي الوحيدة بين الدول الإسلامية التي أصبحت عضواً في حلف الناتو وكانت مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والوحيدة التي اعترفت بإسرائيل وأقامت معها علاقات دبلوماسية كاملة. لكن تركيا، في ظل حكم أردوغان، تتنكر للغرب، ولا تعتبر نفسها ملتزمة بمؤسساته والقيم التي يمثلها.
دينامية ثالثة هي استمرار حكم أردوغان وتأثيره المستقبلي في العلاقة بإسرائيل. يحكم أردوغان تركيا منذ قرابة عشرين عاماً، وخلال حكمه لم يغير الجيش وأجهزة الدولة فحسب، بل أيضاً برامج التعليم في المدارس التي تبلور الأجيال المقبلة. وأُدخلت إلى الكتب المدرسية في تركيا مضامين إسلامية ومعادية للسامية نشأ عليها جيل المستقبل في الدولة.
بالاستناد إلى تقديرات متعددة، هناك أكثر من 30 مليون تركي مروا بنظام أردوغان التعليمي، كما أن سيطرته المطلقة على وسائل الإعلام التركية، وعلى جدول الأعمال في الدولة، ساهما كثيراً في تفاقُم الخطاب المعادي لإسرائيل وسط الجمهور.
هل تغيرت العلاقات؟

انتهت أزمة الزوجين أوكنين بأفضل طريقة ممكنة بفضل الجهد المشترك الذي بذلته وزارة الخارجية والموساد ومجلس الأمن القومي. أجرى أردوغان حساباً بسيطاً، وفهم أن الضرر الذي سيلحق به جرّاء الاستمرار في توقيف الزوجين سيكون أكبر من الفائدة التي يمكن أن يجنيها من الوضع.
المسؤولة عن سفارة إسرائيل في تركيا إيريت ليليان قالت عند إطلاق سراح الزوجين يوم الخميس إنه توجد إشارات تدل على أن الأتراك مهتمون بتحسين وضع العلاقات. وبحسب كلامها، “كلنا يعرف أننا بحاجة إلى الوصول إلى وضع تكون فيه العلاقات وثيقة بصورة كافية، وتسمح بأن تتحول إلى علاقات حقيقية في وقت الأزمة، وهذا يكون بخطوات صغيرة ومدروسة”. انهيار العلاقات بين البلدين سيشكل خسارة بالنسبة إلى جماهير واسعة في الدولتين.
في ضوء الدينامية التي نشأت في الأعوام الأخيرة، من غير المتوقع أن تتغير العلاقات المعقدة مع تركيا في المستقبل المنظور، ويبدو أن الطرفين يدركان ذلك. تركيا اليوم ليست عشيقة، وليست زوجة، بل هي أقرب من أن تكون إمرأة مطلقة. لا وجود للحب في العلاقة بين زوجين مطلّقين، هناك مصالح مشتركة تجبرهم على عدم الانفصال، أو تجعلهما لا يرغبان في الانفصال بصورة مطلقة.