بين الهيمنة الإيرانية والإرباك الأميركي

بين الهيمنة الإيرانية والإرباك الأميركي

شجون عربية –

دان شيفتان – رئيس البرنامج الدولي للأمن القومي في جامعة حيفا ومحاضر في جامعة تل أبيب/

في اليمن البعيدة عن العين وعن القلب تدور حرب وحشية، لمسارها ونتائجها تداعيات إقليمية تستوجب اهتماماً استراتيجياً. لقد زودت إيران وكلاءها بالمال والتدريب (بواسطة حزب الله)، وبأدوات استراتيجية، للوصول إلى نتائجها تتخطى الأهداف داخل حدود اليمن: تحقيق هيمنة لإيران بسبب هشاشة الدول العربية، والمساهمة بصورة كبيرة في انهيار الدول التي تنشط فيها إيران أو وكلاؤها. بالإضافة إلى الضرر التاريخي الذي لحق بالاستقرار في المنطقة، فإن عدم فهم الولايات المتحدة وحماقة سياستها في الشرق الأوسط يفاقمان حدة المشكلة. كل هذا يجب أن يثير قلق إسرائيل.
الهيمنة لا تعني تنصيب حكام إيرانيين في عواصم المنطقة، أو وكلاء يخضعون خضوعاً مطلقاً للملالي في طهران. فلدى نصر الله اعتبارات وقيود لبنانية واضحة، وهو لا يتحرك دائماً بحسب أوامر الحرس الثوري ووفق الجدول الزمني الملائم لإيران. وعلى الرغم من أن إيران تفضل حالياً إظهار تحسُّن في العلاقات مع السعودية والإمارات، فإن الحوثيين هاجموا في الأيام الأخيرة أبو ظبي ومطارها بالصواريخ، وأصابوا صهاريج نفط، وسيطروا على سفينة ترفع علم الإمارات. هذا هو رد الحوثيين على مساهمة الإمارات من خلال تمويل 50 ألف مقاتل من الميليشيات، وإفشال جهودها للسيطرة على المحافظات الغنية بالنفط في اليمن.
الهيمنة الإيرانية تتحقق عملياً عندما يهاجم حزب الله والحوثيون والميليشيات الإيرانية في العراق وسورية، ويردعون ويستنزفون موارد، ويحرجون أعداء إيران – الولايات المتحدة، وإسرائيل، والسعودية، والإمارات، والبحرين. هؤلاء الوكلاء يتسببون بأذى استراتيجي كبير جداً لخصوم إيران في مقابل استثمار إيراني ضئيل نسبياً. تطبيق هذا النموذج من الهيمنة على دول أُخرى أساسية في المنطقة، الضئيل التكلفة والكبير الفائدة، سيكون له تداعيات بعيدة المدى على موازين القوى، ويشكل خطراً وجودياً على إسرائيل، ويدمر مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ويعرّض أوروبا لمخاطر كبيرة.
انهيار الدول العربية يتسارع بسبب التدخل الإيراني، حتى في الحالات التي لها سياقات أُخرى. حتى بعد الأزمة الصعبة خلال الحرب الأهلية في لبنان في السبعينيات، كان هذا البلد لا يزال يعج بالأمل، الآن يبدو أن هذه الآمال تلاشت. كما سبق أن عرفت اليمن حرباً أهلية، لكن حجم المعاناة والدمار هذه المرة غير مسبوق.
في ضوء التدخل العميق للدول الأجنبية، ثمة شك في أن انهيار الحكم في شمال اليمن سيؤدي إلى إنهاء الحرب بتسوية ثابتة بين الحوثيين والانفصاليين. ما يجري في العراق ليس فقط سعي الميليشيات الإيرانية لإلغاء نتائج الانتخابات من خلال محاولة اغتيال رئيس الحكومة المنتخب، بل أيضاً انقسام الميليشيات بشأن مسألة الانصياع إلى الحرس الثوري. في سورية، بالإضافة إلى تحدي إعادة إعمار سورية، هناك خطر مواجهة مدمرة مع إسرائيل بسبب التدخل الإيراني.
فوق هذا كله تحوم حماقة الولايات المتحدة وضعفها، وهي التي تحاول التصالح مع عدوها على حساب حلفائها الإقليميين، من خلال الملاحقة المثيرة للشفقة لإيران، ومن خلال إزالة الحوثيين من قائمة التنظيمات الإرهابية، ووقف المساعدة بالسلاح الهجومي للسعودية، وقبولها هجوم الميليشيات الإيرانية على قاعدة أميركية رداً على هجوم إسرائيلي. وإذا لم تتحرك الولايات المتحدة بزيادة قوات الناتو في شرق أوروبا رداً على التهديدات الروسية، فإنها ستدفع الثمن أيضاً في الشرق الأوسط بخسارة الردع الأميركي جرّاء إهانتها في أوكرانيا.
المشكلة هي أن هذا كله ناجم عن رفض أميركي وأوروبي لفهم التحدي الشرق الأوسطي خوفاً من أن يضطروا إلى العمل لمواجهته. من هنا، تجاهُل خطر الهيمنة الإيرانية وإضعاف حلفائهم – الإسرائيليون والسعوديون والإماراتيون وغيرهم – الذين يحاولون مواجهة التقدم الزاحف لهذه الهيمنة. في واشنطن، يخدعون أنفسهم بأن تجديد اتفاق 2015 سيوقف تحوُّل إيران إلى دولة نووية، بينما هو سيسمح بتمويل هذا النموذج من الهيمنة مع نتائجه المدمرة، من خلال مئات مليارات الدولارات التي ستحصل عليها إيران جرّاء رفع العقوبات.

صحيفة يسرائيل هَيوم الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية