بوليتيكو: كيف أضحت بريطانيا رجل أوروبا المريض؟

بوليتيكو: كيف أضحت بريطانيا رجل أوروبا المريض؟

شؤون آسيوية- كتب سيباستيان ويل وغراهام لانكتري تحقيقاً مطولاً في مجلة “بوليتيكو” تناولا فيه الوضع الاقتصادي – الاجتماعي في بريطانيا التي وصفاها بـ”رجل أوروبا المريض”.

وأشار الكاتبان إلى أن إضراب العمال في ميناء بيل في ليفربول ليس جديداً على ليفربول، وأن الحرمان ليس جديداً عليها. لكن هذا الإغلاق الأخير في رابع أكبر ميناء في بريطانيا هو جزء من شيء أكبر بكثير، من موجة كبيرة من إضرابات القطاعين العام والخاص تجري في السكك الحديدية في المملكة المتحدة، والخدمات البريدية، والمحاكم القانونية، ومجموعات عمال النظافة من بين العديد من الخدمات العامة.

وقال الكاتبان إن السبب المباشر للاستياء، كما في أي مكان آخر، هو ارتفاع تكاليف المعيشة. فقد تجاوز التضخم في المملكة المتحدة عتبة العشرة في المائة هذا العام، مع الفشل في مواكبة ارتفاع الأجور لهذا التضخم. لكن المشاكل الاقتصادية في المملكة المتحدة سبقت الأزمة الحالية بوقت طويل. لأكثر من عقد من الزمان، عانت بريطانيا من ضعف النمو الاقتصادي، ومن الإنتاجية الضعيفة، وركود استثمارات القطاعين الخاص والعام. فمنذ عام 2016، كانت قيادتها السياسية في حالة تقلب ناجم عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

بعد نصف قرن من تقييم وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر للأزمة الاقتصادية في المملكة المتحدة في سبعينيات القرن العشرين وإعلانه أن “بريطانيا مأساة”، تتجه المملكة المتحدة إلى أن تكون الرجل المريض في أوروبا مرة أخرى.

وقال بول توركينغ، عامل رصيف المرفأ في ليفربول، إن “الندوب عميقة للغاية”. وأضاف أن الناخبين البريطانيين “تم تضليلهم” بوعود السياسيين بـ”رفع مستوى” البلاد من خلال الاستثمار بكثافة في الاقتصادات الإقليمية. واشتكى من أن المحافظين “سيعدونك بالعالم ثم يسحبون البساط من تحت قدميك”.

وقال جون ديليج، وهو من قدامى العاملين في ميناء بيل منذ 15 عاماً: “لم يعد هناك طبقة وسطى”. وهو يرى أن أزمة غلاء المعيشة والركود الاقتصادي يبعدان الدرجة الوسطى من السلم الاقتصادي.

عدد المليارديرات في بريطانيا
وتساءل ديليج: “كم عدد المليارديرات لدينا؟ وكيف يمكن أن تكون بريطانيا سادس أكبر اقتصاد في العالم برقم قياسي من المليارديرات عندما يكون استخدام بنوك الطعام أعلى بنسبة 35 في المائة من مستوى ما قبل الوباء. أضاف: “العمال يعيدون الأموال إلى الاقتصاد”.

تعرض الاقتصاد البريطاني لاضطرابات خاصة خلال الأسابيع الأخيرة. ارتفعت تكلفة الاقتراض الحكومي في أعقاب الموازنة المصغرة الكارثية لرئيسة الوزراء السابقة ليز تروس في 23 أيلول / سبتمبر، حيث اضطر البنك المركزي البريطاني إلى التدخل لاستقرار أسواق السندات. وفي حين يبدو أن التنصيب السريع للمستشار السابق ريشي سوناك كرئيس للوزراء قد أعاد بعض الهدوء، فإن الخلفية الاقتصادية لا تزال قاتمة. كما نأن خفض الإنفاق والرفاهية آتٍ، والضرائب سترتفع بالتأكيد، والمشاكل الأساسية ستتعمق.

جاء نمو الإنتاجية في المملكة المتحدة منذ الأزمة المالية متخلفاً عن مثيله في الدول المقارنة مثل الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا. كما يتخلف متوسط ​​دخل الناس أيضاً عن البلدان المجاورة خلال الفترة نفسها. ومن المتوقع أن تسجل روسيا فقط نمواً اقتصادياً أسوأ (من بريطانيا) بين دول مجموعة العشرين في عام 2023.

في عام 1976، أنقذ صندوق النقد الدولي المملكة المتحدة، التي كانت تواجه الركود التضخمي وأزمة الطاقة العالمية وعجز الحساب الجاري والاضطرابات العمالية. يبدو الأمر بعيد الوقوع، لكن اليوم يحذر البعض من أنه هذا الإنقاذ قد يحدث مرة أخرى. وأشار الكاتبان إلى أن المملكة المتحدة تشق طريقها من خلال مرض تسبب جزئياً في سلسلة من الجروح الذاتية التي قوضت الركائز الأساسية لأي اقتصاد وهما الثقة والاستقرار. فالضيق السياسي والاقتصادي قد أدى إلى إجراء مقارنات غير مرغوب فيها مع البلدان التي كانت بريطانيا تراقب مصائبها من بعيد.

هل ستصبح بريطانيا مثل إيطاليا؟
وقال جوناثان بورتس، أستاذ الاقتصاد في جامعة كينغز كوليدج لندن: “الخطر الوجودي على المملكة المتحدة … لا يتمثل في أننا سنقع فجأة في منحدر اقتصادي، أو أن البلاد ستنزلق إلى حرب أهلية أو أي شيء آخر. هو أننا سنصبح مثل إيطاليا.”

لا يعني بورتس، بالمقارنة بإيطاليا، بلداً ينعم بطقس وطعام جيدين – ولكنه يعني اقتصاداً متعثراً بسبب النمو المنخفض المستمر، واقتصاداً واقعاً في حلقة سياسية مختلة تتأرجح بين “الشعبويين اليمينيين الفاسدين وغير الأكفاء والتكنوقراط “ذوي النوايا الحسنة، الذين لا يستطيعون في الواقع أن يغيّروا مسار السفينة”. وقال: “ليس هذا هو المستقبل الذي نريده في المملكة المتحدة”.

إن إحياء الاقتصاد المستقر في المملكة المتحدة لن يحدث بين عشية وضحاها. كما توضح تجربة إيطاليا، فإن تشخيص المرض شيء، والشفاء منه شيء آخر.

يتحدث الخبراء عن نموذج غير متوازن يعتمد بشكل كبير على قطاع الخدمات في بريطانيا ويعاني من انخفاض الإنتاجية، نتيجة سنوات من قلة الاستثمار وسوق العمل المرن الذي يوفر بطالة منخفضة ولكنه غالبًا عمل غير آمن ومنخفض الأجر.

وقال كبير الباحثين الاقتصاديين في معهد الدراسات المالية شياوي شي: “نحن لا نستثمر في المهارات، الشركات لا تستثمر. فليس من المستغرب أننا لا نحقق نمواً في الإنتاجية”.

ورأى الكاتبان أن أي محاولة لمعالجة الأمراض التي تعاني منها بريطانيا ستتطلب من حكامها الاقتصاديين فهم الأسباب الكامنة وراء هذه الأمراض، والتي تعود على الأقل إلى أول أزمة عالمية حقيقية في القرن الحادي والعشرين. إذ ضربت الأزمة المالية لعام 2008 الاقتصادات في جميع أنحاء العالم، ولم تكن المملكة المتحدة استثناءً. وتقلص اقتصادها بنسبة تزيد عن 6 في المائة بين الربع الأول من عام 2008 والربع الثاني من عام 2009. وقد مرت خمس سنوات قبل أن يعود الاقتصاد إلى حجمه الذي كان عليه قبل الركود.

بالنسبة إلى بريطانيا، بدأت الأزمة في الواقع في أيلول / سبتمبر 2007، أي قبل عام من انهيار بنك “ليمان براذرز”، عندما أثار التذبذب في سوق الرهن العقاري في الولايات المتحدة اندفاعاً على بنك نورثرن روك البريطاني. اكتشفت المملكة المتحدة أنها معرضة بشكل خاص لمثل هذه الصدمة. على مدار النصف الثاني من القرن العشرين، تآكلت قاعدتها التصنيعية إلى حد كبير مع توسع قطاع الخدمات، حيث كانت الخدمات المالية والمهنية والعقارات من بين الدوافع الرئيسية. كما قال بنك إنجلترا: “الترابط بين التمويل العالمي يعني أن النظام المالي في المملكة المتحدة أصبح معرضاً بشكل خطير لتداعيات سوق الرهن العقاري الثانوي في الولايات المتحدة”.

قال جون سبرينغفورد، من مركز الإصلاح الأوروبي، إن الأزمة كانت “صدمة كبيرة للنموذج الاقتصادي الواسع للمملكة المتحدة”. تعرضت الإنتاجية لضربة فورية مع انخفاض صادرات الخدمات المالية، ولم تتعافَ كلياً.

وقال جيمس ميدواي، مدير منتدى الاقتصاد التقدمي والمستشار السابق لوزير الظل السابق لحزب العمال، جون ماكدونيل: إن “الإنتاجية قبل الانهيار كانت أساساً: هل يمكننا خلق الكثير والكثير من الديون وتوليد الكثير والكثير من الدخل على خلفية ذلك؟، هل يمكننا ابتكار التزامات الديون المضمونة والمتاجرة بها بكميات هائلة؟”.

الصدمة تصل إلى النظام السياسي
الصدمة لم تقتصر على الاقتصاد. في نمط سيتكرر ويشتد في السنوات المقبلة، أرسلت الصدمة موجات مرتعشة عبر النظام السياسي للبلاد كذلك. كانت انتخابات عام 2010 تدور حول أفضل السبل لإصلاح الاقتصاد البريطاني المنهار. في عام 2009، كان لدى المملكة المتحدة ثاني أعلى عجز في الميزانية في مجموعة السبع، متخلفة عن الولايات المتحدة فقط، وفقاً للرقابة المالية التابعة لحكومة المملكة المتحدة، مكتب مسؤولية الميزانية.

أعلن بيان حزب المحافظين أن “اقتصادنا غارق في الديون”، ووعد بإغلاق عجز الميزانية المتصاعد في المملكة المتحدة في خمس سنوات مع تخفيضات حادة في القطاع العام. استجابت حكومة حزب العمال الحالية بالتعهد بخفض العجز إلى النصف بحلول عام 2014 بتخفيضات “أعمق وأكثر صرامة” في الإنفاق العام من التخفيضات الكبيرة التي أشرفت عليها رئيسة الوزراء السابقة عن حزب المحافظين مارغريت تاتشر في ثمانينيات القرن الماضي.

أمة التقشف
أعادت الانتخابات البرلمان المعلق، حيث دخل المحافظون في ائتلاف مع الديمقراطيين الأحرار، وحينذاك بدأ عصر التقشف. يصر المدافعون عن برنامج التقشف لوزير المالية آنذاك جورج أوزبورن على أنه أنقذ بريطانيا من نوع الكارثة التي يقودها السوق والتي شهدتها هذا الخريف، ووضع الاقتصاد البريطاني في حالة للتغلب على الأزمات العالمية اللاحقة مثل جائحة كورونا وتداعيات الحرب في أوكرانيا.

في إشارة إلى استجابة السوق العنيفة لخطط تروس الاقتصادية الحرة، أشاد روبرت هاريسون، أحد أقرب مستشاري وزارة الخزانة في عهد أوزبورن، بـ”حكمة” التحالف الحكومي في إعطاء الأولوية لمعالجة نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في المملكة المتحدة. وأشار إلى أنه “لا يمكنك معرفة متى ستكون عرضة لفقدان المصداقية”.

لكن منتقدي أوزبورن يجادلون بالتقشف – الذي شهد تخفيضات كبيرة في الخدمات المجتمعية مثل المكتبات والرعاية الاجتماعية للبالغين، وخدمات المحاكم والسجون، وصيانة الطرق، والشرطة وغيرها، – جردت كذلك الكثير من النسيج الاجتماعي في المملكة المتحدة، مما تسبب في أضرار اقتصادية دائمة وعميقة. زعمت دراسة حديثة أن التقشف كان مسؤولاً عن مئات الآلاف من الوفيات الزائدة.

وجدت دراسة أجريت عام 2015 أن إنتاجية المملكة المتحدة، وفقاً لإجمالي الناتج المحلي لكل ساعة عمل، كانت الآن أقل مما كانت عليه في بقية دول مجموعة السبع بنسبة هائلة بلغت 18 نقطة مئوية.

قال أوزبورن عن معضلة الإنتاجية في بريطانيا في أيار / مايو 2015: “بصراحة، لا أحد يعرف الإجابة الكاملة. لكن ما أعرفه هو أنني سأواجه تحدي الإنتاجية بدلاً من تحدي البطالة الجماعية.”

معجزة الوظائف
كانت زيادة التوظيف بالفعل إنجازاً بارزاً لسنوات التحالف الحكومي. انخفض معدل البطالة إلى أقل من 6 في المائة في جميع أنحاء المملكة المتحدة بحلول نهاية ولاية البرلمان في عام 2015، حيث حققت ألمانيا والنمسا فقط معدل بطالة أقل بين دول الاتحاد الأوروبي التي كانت آنذاك 28 دولة. ومع ذلك، فقد استغرقت الأجور نحو عقد من الزمان للتعافي إلى مستويات ما قبل الأزمة.

يزعم الاقتصاديون أن الارتفاع في التوظيف جاء بثمن، بفضل سوق العمل المرن الشهير في بريطانيا. وكشف تحقيق أجرته صحيفة “الغارديان” عام 2015 أن القوى العاملة التي يغلب على سكانها مهاجرون قد تلقت أجوراً منخفضة بشكل غير قانوني، في حين كانت ظروف العمل سيئة إلى درجة أن المنشأة أُطلق عليها اسم “غولاغ”، في إشارة إلى معكسر اعتقال وقمع في الاتحاد السوفياتي.

تم بناء المستودع في منجم سابق للفحم، ورمزية الأمر ترسم بدقة انتقال المملكة المتحدة بعيداً عن الصناعات الثقيلة التقليدية نحو توظيف أكثر خطورة في قطاع الخدمات. قال الخبير الاقتصادي جيمس ميدواي: “لم تعد وظيفة آمنة من الآن فصاعداً. بمجرد أن يكون لديك سوق عمل مرن للغاية، فإن الضغط على أرباب العمل لدفع المزيد (زيادة الرواتب) وقدرة العمال على المساومة للحصول على المزيد تنخفض إلى حد كبير.”

طوال هذه الفترة، أبقى بنك إنكلترا – البنك المركزي البريطاني – أسعار الفائدة منخفضة واتبع سياسة التيسير الكمي. قال ميدواي: “هذا يميل إلى تشويه ما يحدث في الاقتصاد”. وقال إن التيسير الكمي “طريقة جيدة لجلب الأموال إلى أيدي الأشخاص الذين لديهم بالفعل الكثير منه” و”لا تفعل الكثير للأشخاص الذين يعتمدون على الدخل من الأجور”.

وفي الوقت نفسه، أدت سياسات التقشف في المملكة المتحدة بلا شك إلى تفاقم الاتجاه المستمر منذ عقود القائم على قلة الاستثمار في المهارات والبحث والتطوير (تتخلف بريطانيا عن إيطاليا فقط في مجموعة السبع فيما يتعلق بالإنفاق على البحث والتطوير). في المدارس البريطانية، كان هناك انخفاض بنسبة 9 في المائة بالقيمة الحقيقية في الإنفاق على كل تلميذ بين عامي 2009 و2019، وفقًا للباحث شو من معهد الدراسات المالية. وأشار شو إلى أنه “مع زيادة ثراء البلدان، عادة ما تبدأ في الإنفاق أكثر على التعليم”.

وافق اثنان من كبار الوزراء في الحكومة الائتلافية – ديفيد جوك، الذي خدم في وزارة الخزانة طوال فترة أوزبورن، ووزير الأعمال الليبرالي السابق فينس كيبل – على أن الحكومة ربما ركزت أكثر على الضرائب المرتفعة وأقل على خفض الإنفاق العام. لكن كلاهما أصر على أن المملكة المتحدة كانت محقة في نهاية المطاف في إعطاء الأولوية لوضع ماليتها العامة على أسس أسلم. كان ذلك في شباط / فبراير 2018 قبل أن تحقق بريطانيا أخيراً هدف أوزبورن المتمثل في القضاء على العجز في ميزانيتها اليومية.

أخيراً، كان التقشف يقترب من نهايته. لكن أوزبورن كان قد غادر بالفعل وزارة الخزانة، قبل 18 شهراً، فقد خرج من الحكومة مع ديفيد كاميرون في أعقاب انتفاضة وطنية زلزالية.

كاميرون والبريكست
فاز كاميرون بانتخابات عام 2015، على الرغم – أو ربما بسبب – خفض الإنفاق الصارم الذي أشرفت عليه حكومته الائتلافية، والتي تم التعهد بالكثير منها في بيانه لعام 2015. كما وعد بإجراء تصويت عام على عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.

كانت أسباب التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الذي عرف بـ”البريكست”، كثيرة ومعقدة، لكن القليلين يشكون في أن سنوات من قلة الاستثمار في الأجزاء الفقيرة من المملكة المتحدة كانت من بينها. فقد أثار استفتاء الاتحاد الأوروبي لعام 2016 فترة من الاضطرابات السياسية والاضطرابات التي لم تشهدها وستمنستر (مقر البرلمان البريطاني) منذ أجيال. مع عدم وجود نموذج متفق عليه مسبقاً لما يجب أن يستتبعه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أصبحت علاقة المملكة المتحدة المستقبلية مع الاتحاد موضوع نقاش محتدم وطويل الأمد. بعد سنوات من الجدل، انسحبت بريطانيا أخيراً من التكتل في نهاية كانون الثاني / يناير 2020، وقطعت العلاقات بطريقة أكثر عمقاً مما كان يتصوره الكثيرون.

الوباء وحرب أوكرانيا
في حين أن الأزمتين المترافقتين لوباء كوفيد وحرب أوكرانيا قد شوهتا الصورة، يتفق معظم الاقتصاديين على أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان له بالفعل تأثير كبير على اقتصاد المملكة المتحدة. انخفض حجم التدفقات التجارية لبريطانيا بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل أكبر من دول مجموعة السبع الأخرى. وقد تمسك مكتب مسؤولية الميزانية بتوقعاته في آذار / مارس 2020 بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيقلل الإنتاجية والناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة بنسبة 4 في المائة. ولعل الأهم من ذلك أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد أدى إلى فترة من عدم الاستقرار السياسي. بينما يأتي رؤساء الوزراء ويذهبون (المملكة المتحدة الآن في خامس حكومة منذ عام 2016)، يتم إهمال البرامج الاقتصادية، أو يتم قلبها. ينظر المستثمرون في الخارج إلى ذلك بقلق.

قال البروفيسور ستيفن ميلارد، نائب مدير المعهد الوطني للاقتصاد والبحوث الاجتماعية: “إن الدليل على أن نتيجة الاستفتاء، ونوع عدم اليقين والتغيير في السياسة التي أوجدها، قد أديا إلى انخفاض الاستثمار وانخفاض النمو في المملكة المتحدة، أمر مقنع إلى حد ما”.

جادل بورتيس – كما يفعل العديد من المؤيدين الباقين أيضاً – أن الكثير من الضرر قد تسبب فيه قرار مغادرة السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي. وقال: “إنها الحقائق وليس عدم اليقين الذي من وجهة نظري هو المسؤول عن معظم الضرر”. لكن أنصار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يرفضون مثل هذه الادعاءات.

قال البروفيسور باتريك مينفورد، عضو مؤسس في تجمع “اقتصاديون من أجل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي”: “من الصعب إحصائياً العثور على تأثير كبير لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على أي شيء. هناك الكثير مما يحدث، الكثير من التقلبات”.

أقر مينفورد، الخبير الاقتصادي الذي تفضله رئيسة الوزراء السابقة تروس، أن “خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يؤدي إلى اضطراب على المدى القصير، لذا فمن الممكن أن تحصل على بعض الاضطراب على المدى القصير”. لكنه أضاف: “لقد كان قراراً سياسياً طويل الأجل”.

ما هو القادم؟
في سعيه لتحقيق الاستقرار بعد فترة تروس القصيرة ولكن الفوضوية، أشار وزير المالية البريطاني الجديد جيريمي هانت إلى أن فترة جديدة من التقشف في طريقها لسد أحدث فجوة في الشؤون المالية للبلاد. وقال مايكل جوف، الوزير لرفع المستوى، إنه بينما، من الناحية المثالية، لن ترغب في تقليل استثمارات رأس المال طويلة الأجل، إلا أن جوف متأكد من أن بعض الإنفاق على المشاريع الكبيرة “سيتم تقليصه”.

قد يكون هذا خبراً سيئاً للعديد من مخططات البنية التحتية في المملكة المتحدة التي طال انتظارها مثل خط السكك الحديدية عالي السرعة، والذي ظل قيد التشغيل منذ نحو 15 عاماً ويواجه بالفعل مزيجاً مألوفاً من المقاومة المحلية والمصالح المكتسبة، ونظام التخطيط المتصلب.

قال سبرينغفورد، من مركز الإصلاح الأوروبي: “لدينا مشكلة حقيقية بمعنى أن الطريقة الوحيدة لزيادة نمو الإنتاجية بشكل دائم لهذا البلد هي زيادة الاستثمارات. لكن الرياح المعاكسة لذلك كبيرة جداً”.

وختم الكاتبان مقالهما بالقول إنه بالنسبة لعمال الرصيف في ميناء بيل في ليفربول، فإن احتمال جولة جديدة من التقشف وسط أزمة ارتفاع تكلفة المعيشة أمر لا يمكن تحمّله. أصر ديليج على أن “العمال في جميع أنحاء هذا البلد بحاجة إلى الدفاع عن أنفسهم والانضمام إلى نقابة”. فبالنسبة إليه، الأمر كله يتعلق بالأولويات، وما زالت الجدالات تتردد في الانهيار الكبير الذي حدث قبل 15 عاماً. قال: “لقد أنقذوا المصرفيين في عام 2007، ولا يمكنهم إنقاذ الجياع الآن”.

نقله إلى العربية بتصرف: هيثم مزاحم
المصدر: الميادين نت