الهنود يبنون الامارات : على الهند ان لا تقلق من انتكاسة من شعوب الخليج

الهنود يبنون الامارات : على الهند ان لا تقلق من انتكاسة من  شعوب الخليج

شجون عربية

ردت دول الخليج العربي على التصريح المؤسف للمتحدثة السابقة باسم حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند نوبور شارما خلال مناظرة تلفزيونية بعنف لافت مما شكل مفارقة في تاريخ العلاقات الهندية الخليجية. يمكن القول ان العلاقات بين الهند والإمارات العربية المتحدة. تدرجت منذ قديم الزمان من العلاقات التجارية بين حضارات الهند والحضارة السومرية إلى انشاء ناطحات السحاب الرائعة اليوم.، تتميز العلاقات بين البلدين بحركية كبيرة.وقد استمرت هذه العلاقات الثنائية مدة طويلة وحافظت على متانتها وصلابتها وانطلاقا من هذه النقطة تحديدا يكمن الوضع الذي تنطلق هذه العلاقة الى الانتعاش بعد استقرار عاصفة الاحتجاجات.

مؤخرا تم تطوير العلاقات الهندية الإماراتية وتعزيزها بعد التوصل الى اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة التي وقعت في 18 فبراير 2022 بالتزامن مع احتفال دولة الامارات باليوبيل الذهبي لانشائها (
CEPA)
والجدير بالذكر ان هذه الاحتفالات تضمنت تقدير الاسهامات الكبيرة للجالية الهندية وهي أكبر جالية اجنبية في البلاد ويبلغ عددها ثلث سكان الدولة. لقد اسهم الهنود إلى حد كبير في بناء واستثمار البنية التحتية المادية والمالية والتعليمية والصحية لدولة الإمارات العربية المتحدة بصفتهم رواد أعمال ورجال اعمال وفنيين وعمال من مخنلف الاختصاصات المطلوبة.

الهجرة وإرثها

لم تقتصر اسهامات الهنود على التاريخ الحديث لدولة الإمارات العربية المتحدة ولكن الروابط التجارية و علاقات الهجرة تعود إلى قرون ماضية وقد تمخض عنها علاقات ثقافية عميقة سهلت على الهنود وعرب الخليج الانخراط في التعاون حتى اليوم. ونتيجة لذلك ازدهرت التجارة بين الهند والإمارات العربية المتحدة و بلغت 72.88 مليار دولار في عام 2021-2022 وقد تصل مع تطبيق اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة الى 100 مليار دولار.
ليست الامارات ثالث أكبر شريك تجاري للهند فحسب بل هي مورد رئيسي للنفط الخام ايضا.
توصل الشعبان الى هذا الاتصال والحركية في التبادل من خلال انتقالات باعداد كبيرة للناس من البلدين منذ ما يقارب قرنين من الزمن من اجل التجارة والاستثمار والسياحة في المشيخات الساحلية في الخليج والساحل الغربي لشبه القارة الهندية . تسارعت حركة الهجرة هذه أكثر عندما أدارت بريطانيا العظمى بموجب عدة معاهدات, العلاقات النقدية والمالية والدفاعية والخارجية لمشيخات الساحل المتصالح التسعة آنذاك من عام 1892 حتى عام 1971. وكانت مساحات شاسعة من شبه القارة الهندية لا تزال تحت الحكم الاستعماري البريطاني الذي ساعد الإدارة البريطانية الهندية وأفراد الشرطة والدفاع الذين تم إرسالهم إلى العمل في هذه المنطقة.

كانت مدينة مومباي وجهة للأعمال والتسوق لمعظم عرب الخليج لما يقارب من 150 عاما. طالما جذبتهم الأمطار الموسمية السنوية فزاروها
بأعداد كبيرة وخصوصا بين ستينيات و تسعينيات القرن الماضي حيث. كان مشهد العائلات العربية من الخليج العربي مألوفا على مارين درايف ومنتزه ابولو بندر حيث تلفح اجسادهم الرياح الموسمية.

اصبحت هذه الزيارات السنوية بمثابة هجرة سنوية ازدادت بشكل ملحوظ بعد تدفق أموال النفط والغاز التي اغرقت دول مجلس التعاون الخليجي – البحرين والكويت وعمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
في المقابل تدفق الهنود إلى الخليج بشكل كبير في زيارات عمل واستثمار وسياحة.

الأسماء الهندية الكبيرة في الإمارات اليوم هي من الذين وصلوا خلال الطفرة النفطية الأولى في 1974-1975. كان معظمهم ينتمون إلى مجتمعات على الساحل الغربي للهند مثل السند والكوتشي والغوجاراتية والمانغالورية والماليالية المنتشرة في كل مكان وكانوا من الهندوس و المسلمين و الجاينية. من بين اهم الاسماء يوسف علي من مجموعة اللؤلؤ الدولية وعائلة من شابريا تعمل في المجوهرات التي تحمل الاسم نفسه والإخوة بهاتيا ورام بوكساني, ورائد الأعمال التربوي صني فاركي من مجموعة هيرو
وموهان جاشنمال من شركة جاشنمال الوطنية و الدكتور ثوناباي مودين من كلية الخليج للطب والراحل بهاراتكومار جيه شاه.
كيف أصبح رجال الأعمال والمهنيون والعمال الهنود الذين يبلغ عددهم حاليا 3.5 مليون في الإمارات وحدها ويشكلون 30 % من سكان تلك الدولة جالية مهاجرين مفضلة؟

التبادل الثقافي بين الهند والامارات العربية المتحدة

يعتبر التالف بين شعبي الامارات والهند وخصوصا سكان الساحل الغربي لشبه القارة ومن الناحية الثقافية رابطا مهما بينهما ولا غرابة اذا بقيت الروبية الهندية عملة التعامل لغاية العام 1966 .
بدأت العلاقة بين وادي السند في الساحل الغربي والحضارة السومرية عندما بدأ التبادل التجاري بينهما وشمل الاقمشة والتوابل والعطور والخشب والتمور والخيول واللؤلؤ.وما تزال تجارة اللؤلؤ حية في الذاكرة اذ ان مومباي تحولت الى سوق مهم لهذه التجارة مع اوروبا وخصوصا مع تجار المجوهرات في لندن وباريس.
من المهم الاشارة الى ان اكبر سرير من اللؤلؤ على الساحل المتصالح كان يقع في البحر قبالة ابو ظبي. كان صيد اللؤلؤ رائجا في الخليج العربي في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. كان صيادو اللؤلؤ ينزلون الى المياه من يونية الى سبتمبر من كل عام وكان التجار يختلطون مع الممولين والوسطاء الهنود والبحارة والتجار العرب لابرام الصفقات.في القرن التاسع عشر استقر تجار اللؤلؤ مثل سعيد بن علي النعمان وحسين بن عيسى من الساحل المتصالح في مومباي. سرعان ما زاد عدد التجار العرب وبلغ نحو خمسماية في اوائل القرن العشرين بفضل بازار موتي والمكاتب والمحلات على طريق محمد علي.
في ثلاثينات القرن الماضي تعرضت تجارة اللؤلؤ الى اضرار وخسائر بسبب الركود الاقتصادي العالمي وتصنيع اللؤلؤ في اليابان وتقديمه باسعار تنافس اللؤلؤ الطبيعي المستخرج من مياه الخليج.لكن ما لبث ان تم اكتشاف احتياطات ضخمة من النفط تحت سرير قديم من اللؤلؤ في البحر قبالة مشيخة ابو ظبي.

عصر شركات النفط

منحت الشركة البريطانية لتطوير النفط اول امتياز بحري عام 1939 كما منحت شركة اخرى هي دارسي اكسبلوراشن امتيازا اخر عام 1952 . مع انطلاق صناعة النفط تم تشغيل اعداد كبيرة من الهنود من عمال ومنهندسين وفنيين على حساب الايدي العااملة المحلية بغية الحفاظ على التوازن الدقيق بين القبائل في هذه المشيخات.كان الهنود افضل تعليما من السكان المحليين وتميزوا بمهارة المحاسبة. في خمسينات القرن الماضي تم افتتاح مكاتب لشركة ارامكو وشركة النفط الانغلو فارسية في مومباي.
في سبعينيات القرن الماضي تم التعاقد مع عمال من الهند لبناء ناطحات سحاب خلابة في الإمارات العربية المتحدة وقد عملوا في ظروف درجة حرارة تجاوزت 50 درجة مئوية. ما تزال مجموعات هندية تتدفق الى الامارات قادمة من المناطق الريفية الفقيرة في الهند رغم ظروف العمل الصعبة والمعيشة البائسة.
يشكل المهنيون والعمال اليدويون الهنود من غير اصحاب المهارات هجرة مؤقتة فهم لا يستقرون في الامارات.لكن العائلات التجارية الهندية اقامت في الامارات ولاجيال على الرغم انه من المستحيل الحصول على جنسية دولة الامارات الا لقلة قليلة منتخبة.
يتذكر كثير من تجار الذهب في سوق خوردبي القديمة حيث كانوا يصدرون كميات ضخمة من الذهب الى الهند بسبب اسعاره المقبولة في الخليج.عام 1968 حظرت الحكومة الهندية واردات وصادرات الذهب فاستمر التهريب لغاية العام 1991 حين سمحت الهند بواردات الذهب.
كانت هذه العائلات الهندية قريبة من الشيخ راشد بن سعيد ال مكتوم (حكم دبي من عام 1958 لغاية 1990 ) وهذا هو جوهر واساس ولائهم والتزامهم تجاه دبي. هذه العلاقة الطويلة الامد بين الشعبين تشير الى ان التعاون المبني على التفاهم الثقافي هو وسيلة ناجعة للتوصل الى شراكة ناجحة .
نأمل ان تتمكن هذه العلاقة التاريخية القديمة بين الامارات العربية والهند على التغلب على النكسة الحالية .

مصدر وترجمة: مركز الدراسات الآسيوية الصينية