“إسرائيل الثانية” ونتنياهو – ليس بعد الآن

“إسرائيل الثانية” ونتنياهو – ليس بعد الآن

شجون عربية- بقلم: د. دورون متسا – مستشرق إسرائيلي خبير في النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني-
تصدّعات أولية برزت في معسكر مؤيدي بنيامين نتنياهو. وهي ليست فقط أصداء تعبّر عن خيبة أمل خافتة، بل هي أشبه بفجوة تزداد اتساعاً بين الصور والتوقعات من رئيس المعارضة ورئيس الحكومة السابق، وبين السلوك الفعلي للزعيم المحبوب. لقد خيّب نتنياهو أمل مؤيديه في الفترة الأخيرة ثلاث مرات.
لقد دخل في مفاوضات مع أطراف في النيابة العامة بشأن صفقة ادّعاء في قضيته التي كانت معلّقة في المحكمة، وجنّد لمصلحته أهارون باراك الذي تعتبره أوساط شعبية معينة والد الثورة القضائية؛ وامتنع من حضور تظاهرة نظّمها مؤيدوه في وسط تل أبيب، على خلفية الاهتمام بقضية “التجسس” [قضية استخدام الشرطة برنامج بيغاسوس للتجسس على هواتف مسؤولين وموظفين وسياسيين] التي تركت تداعيات على محاكمته؛ وفي الأيام الأخيرة امتنع من دعم عضو الكنيست أمسالم في مواجهته العلنية مع رئيسة المحكمة العليا حيوت [في خطاب ألقاه في الكنيست اتهمها فيه بالفساد والتمييز ضد اليهود الشرقيين].
مَن يتابع وسائل التواصل الاجتماعي على أنواعها يمكنه ملاحظة الصعوبة التي يجدها معسكر سياسي كبير في فهم سلوك نتنياهو الذي يُتوقع أن يعبّر بوضوح عن صوت “إسرائيل الثانية”، بحسب التصنيف الذي وضعه الصحافي أفيشاي بن حاييم، وبالتالي تفسير سلوك نتنياهو كنوع من ضعف أو تراخٍ، وهو ما يعكس قوة الأطراف التي تعمل ضده ونجاحهم النسبي.
لكن هنا تكمن نقطة عمياء تكشف مفارقة كبيرة في العلاقات بين زعماء الليكود وبين جمهور مؤيديهم. بنيامين نتنياهو لم ينتمِ قط إلى “إسرائيل الثانية” مع أنه تحول إلى “ممثل حصري لهذا المعسكر، كما فعل مناحيم بيغن قبله. وضمن هذا الإطار، فإن بروفيل قيادة الليكود، بعكس طبقة قادة الحركة، بعيد جداً عن أن يكون من لحم ودم جمهور مؤيديها. نتنياهو مختلف من حيث تصنيفه الاجتماعي، فهو صاحب ثقافة أميركية غربية، ناهيك بكونه شخصاً ثرياً، وفي الواقع، إذا نظرنا إلى الأشخاص الذين يسعون للحلول مكانه في حزب السلطة السابق، مثل بركات وأدلشتاين وكاتس وآخرين – نجد بروفيلاً اجتماعياً مشابهاً ومتجانساً جداً.
بالإضافة إلى الناحية الاجتماعية، اللافت هو الناحية السياسية. هنا تكمن مفارقة كبيرة رافقت نتنياهو في العقد الأخير إن لم يكن أكثر من ذلك. الأمر الذي جعل نتنياهو ممثلاً لـ”إسرائيل الثانية” ليس المكون الاجتماعي، فلقد كانت مبادئه السياسية تنحو نحو البراغماتية والمرونة. والمقصود مبدأ ثابت طبع سياسته أعواماً طويلة، سواء في الموضوعات السياسية – الأمنية، أو في الموضوعات الاقتصادية – الاجتماعية.
بهذه الطريقة حاول نتنياهو، على سبيل المثال، الموازنة بين التوجه الاقتصادي – النيوليبرالي وبين معالجة الظواهر الاجتماعية المرافقة له، كما حاول السير بين النقاط، بين توجّه عدائي حيال أعداء إسرائيل في الشرق الأوسط، وبين الامتناع من الدخول في مغامرات عسكرية كبيرة. هذا التوجه الوسطي طبع أيضاً مقاربته السياسية والائتلافية التي كانت تميل إلى دمج أطراف من الوسط السياسي، سواء أكان المقصود حزب “يوجد مستقبل” برئاسة يائير لبيد، أو “الحركة” برئاسة تسيبي ليفني.
في مقابل نهجه البراغماتي في الموضوعات السياسية، حرص نتنياهو على المحافظة على صورة خارجية تصحيحية صارمة للغاية، جعلته يبدو كأيديولوجي من الدرجة الأولى، وعمل على تطوير هذه الصورة من خلال منظومة تعريفات سياسية ومفاهيم لغوية وتصنيفات خلقها، مثل الثنائية بين اليمين واليسار، وبين هم ونحن، والعرب واليهود، والمحافظين والليبراليين، في واقع كان هو نفسه يتحرك وسط هذه المجموعات، وكان عملياً رئيس الحكومة الأكثر يهودية في تاريخ الدولة، إذا استخدمنا كلمات مناحيم بيغن بعد “الانقلاب” في سنة 1977، عندما سُئل أي رئيس حكومة يريد أن يكون (“رئيس حكومة بأسلوب يهودي”).
تبنى نتنياهو قواعد بسيطة لثقافة سياسية تميل نحو مرونة براغماتية، تحت ظل صورته كأيديولوجي معاصر. هذه القواعد لا تزال تطبع سلوكه الآن أيضاً بعد انتهاء تولّيه رئاسة الحكومة، وذلك في كل ما يتعلق بخطواته القضائية، وبعلاقته بالسلطات القضائية. من هذه الناحية، نتنياهو سوسيولوجياً هو من لحم ودم “إسرائيل الأولى”، وهو لا ينسجم مع الصورة التي خلقها لنفسه وسط مؤيديه من “إسرائيل الثانية”. وبالتحديد أولئك الذين ينتمون إلى المعسكر عينه، ومن المفترض أنهم يحملون لواء ثقافة سياسية مرنة وبراغماتية، نراهم يرفضون التسوية والاعتدال ويريدون رؤية زعيمهم يحمل راية الحملة الصليبية ضد المعسكر المقابل. من هنا تنبع توقعاتهم بأن يمضي نتنياهو في محاكمته حتى النهاية (حتى النقطة الأخيرة من دمه)؛ ومن هنا تنبع الرغبة في رؤيته يقود الحملة ضد السلطة القضائية؛ ومن هنا أيضاً التوقعات بأن يؤيد تأييداً كبيراً ديفيد أمسالم في مواجهة أستير حيوت؛ ومن هنا خيبة الأمل والإحباط، على خلفية التوتر المتزايد الذي يظهر للمرة الأولى في مسيرة نتنياهو السياسية بين الواقع وبين صورته، عملياً، بين “ثنائية نتنياهو”: بين المعتدل والأيديولوجي.
الخلاصة من هذا كله، أن أنظمة الصور والتعريفات التي نميل بواسطتها إلى تحليل المنظومة السياسية لا تتطابق فعلاً مع الواقع بحد ذاته، وليست متزامنة معه. الدليل هو نتنياهو نفسه الذي يثبت إلى أي حد أن حركة المراوغة بين التعريفات والتصنيفات التي يجري من خلالها تحليل المنظومة السياسية هي هشة وممتلئة بالأوهام الذاتية والجماعية، والتي جزء منها لا يتطابق مع الواقع. نتنياهو يكشف إلى أي حد تحول المجال السياسي في إسرائيل إلى وسط كبير وغامض، المعارك الصعبة التي تجري فيه لا ترتكز على عقيدة أو تعريفات ثقافية، بل تقوم على مسائل القوة والسيطرة بين النخب.
المصدر: مجلة مكور ريشون الإسرائيلية عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية