معوّقات المشاركة السياسية للمرأة في المؤسسات الرسمية الفلسطينية

معوّقات المشاركة السياسية للمرأة في المؤسسات الرسمية الفلسطينية

شجون عربية – بقلم: ضحى عدنان عمور* |
لصبرهن تنحني الهامات، أيقونات المقاومة والكفاح، يقاومن الاحتلال تارة، ويقاومن المجتمع والظروف تارًة أخرى. فلطالما كان للمرأة الفلسطينية الدور الأعظم في معارك النضال ضد الاحتلال، تسعى جاهدًة لغرس حب الوطن في نفوس أبنائها، كيف لا؟ وهي أم الشهيد والأسير والزوجة والأخت والابنة.
بالرغم من تاريخ المرأة الفلسطينية المشرف في مجابهة الاحتلال، ابتداءً بالشهيدة دلال المغربي القائدة لفرق الإنزال في عملية “كمال عدوان” على الشواطئ الفلسطينية، مرورًا بالأسيرات الباسلات ومرابطات المسجد الأقصى، وصولًا إلى سنديانة فلسطين “لطيفة أبو حميد” أم الشهيد وأبنائها الأسرى الستة التي هُدم بيتها أربع مراتٍ وفي كل مرة تنذره فداءً لفلسطين، أيضًا مشاركة امرأتين فلسطينيتين في مؤتمر مدريد سنة 1991، وانضمامها إلى وفد منظمة التحرير الفلسطينية للمفاوضات؛ لكن كل ذلك وأكثر حال دون توليها لأي منصب من مناصب صنع القرار وبقيت مشاركتها في الأحزاب السياسية هي الأقل؛ فلماذا قوبلت الجهود لمثل تلك النساء بالتجاهل ولم يكن لهن مكانًا بارزًا في أعلى الهرم؟

أولًا: تجربة المرأة الفلسطينية في انتخابات الحكومات الفلسطينية.
تحدت المرأة الفلسطينية ضعف مشاركتها السياسية وكان حرصها على إبراز دورها السياسي أكبر من أي عائق، فيجب انخراط المرأة في الأحزاب السياسية ووصولها إلى مواقع صنع القرار لضمان تمكين سياسي أعمق.

1- دور المرأة الفلسطينية في الانتخابات الأولى عام 1996:
تمكنت المرأة الفلسطينية في هذه المرحلة من كسر قيود التبعية للرجل والنظرة المجتمعية، ونافست الرجل على المناصب العليا بمشاركتها في الانتخابات الرئاسية والمجلس التشريعي والمجالس المحلية لإثبات قدرتها على صنع القرارات في الحياة السياسية.

أ- انتخابات الرئاسة والتشكيل الوزاري:
تزامنًا مع ما عاشه الشعب الفلسطيني من ظلم الاحتلال وسلبٍ للحريات، أتت التجربة الانتخابية الأولى عام 1996 لاختيار رئيس السلطة وأعضاء المجلس التشريعي كبادرة أمل بقيام دولة قانون يسودها العدل والديموقراطية، وأول الإنجازات “قانون الانتخابات الرئاسية” واستنادًا له أجريت عملية الانتخابات.
وقانون الانتخابات العام من أهم ما أُفرِز عن هذه المرحلة؛ لأنه مهَّد الطريق للمرأة الفلسطينية للممارسة حقها في الترشح للمناصب القيادية العُليا، لقد آن الأوان للمرأة التي بذلت الغالي والنفيس أن تجني ثمرة ما قدمته وتمارس حقها السياسي. وفي حدث تاريخي غير مسبوق في المنطقة العربية والفلسطينية، تنافست السيدة سميحة خليل مع الرئيس أبو عمار على رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية في الانتخابات الرئاسية الأولى 1996م وحصدت تقريبًا 10% من الأصوات في الضفة وغزة.
أما على صعيد السلطة التنفيذية فكانت وزيرتان من بين 24 وزيرًا وتسلمن الوزارات الخدماتية مثل: وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة شؤون المرأة وقيادة جهاز الشرطة النسائي. ونلحظ مما سبق أن مشاركة المرأة السياسية انحسرت في الوظائف الخدماتية وبقي تواجدها ضئيلًا في المناصب العُليا ومواقع صنع القرار.

ب- انتخابات المجالس المحلية:
استمرَّ حال المرأة الفلسطينية في المجالس المحلية كما هو عليه في مؤسسات الرئاسة والوزارات على الرغم من مناداة المؤسسات الأهلية لتمكين المرأة سياسيًا وحقها في تقرير مصيرها ومساعي الجمعيات النسوية ودعم وزير الحكم المحلي آنذاك الراحل صائب عريقات بإصداره قراراً بمشاركة النساء في البلديات والهيئات المحلية.
لم تتمكن أي امرأة من الوصول لرئاسة أي بلدية في الضفة وغزة قبل سنة 2005، وظلَّت كل القوانين كلامًا منصوصًا لم يُطبَّق وذلك لأسباب أبرزها؛ عدم جاهزية الأحزاب للانتخابات المحلية، وعدم تمتع المرشحات بالصفات والمعايير المطلوبة للترشح، وعدم اتباع نظام الكوتا والسبب الأخير-وهو الأهم- النظرة الدونية للمرأة وعدم تقبل المجتمع منافستها للرجل لاعتبارات عشائرية والسلطة الذكورية. وبالتالي تجربة المرأة هنا فشلت لكونها خاضتها منفردة وبنسب ضئيلة في الدوائر الانتخابية وتجاهل المجتمع لإنجازاتها النضالية والاجتماعية وتقييدها لتبقى متقوقعة على ذاتها تؤدي أدوارًا محدودة.

ج-انتخابات المجلس التشريعي:
شهدت هذه المرحلة امتناع النساء المنتميات إلى الأحزاب الإسلامية واليسارية عن الترشح؛ بسبب رفضهن لاتفاق أوسلو، وبالتالي أضحى التنافس مقتصرًا بين المرشحات المؤيدات لاتفاق أوسلو وأغلبهن من حركة فتح. واستنادًا لذلك اعتُبرَ الفوز غير واقعي لاعتبارات فصائلية وليس اقتناعًا بقدرات المرشحات.
وجابهت المرأة الفلسطينية عوائقًا حالت دون مشاركتها الفاعلة في الانتخابات وتضمنت: اعتماد نظام الترشح عبر الدوائر وليس النظام النسبي الكامل، والعبء المالي مع غياب التمويل الكافي لتنظيم الحملات الانتخابية، والعائق الحاضر دائمًا وهو ثقافة المجتمع الذكوري السائدة وتهميش المرأة الذي ينجم عنه ضعف شخصية المرأة وغياب ثقتها في ذاتها.

2-دور المرأة الفلسطينية في انتخابات عام 2006
أُجريت التعديلات على قانون الانتخابات العام وتضمنت اعتماد النظام النسبي الكامل والمختلط ورفع عدد الأعضاء وتخصيص الكوتا النسائية. واجه التعديل المتضمن عملية إشراك المرأة رفضًا من أصحاب القرار لأنه يتعارض ومصالحهم. صدرت الصورة النهائية للقانون عام 2004 ورُفع عدد المقاعد من 88 إلى 132، ومع الجدل القائم والتشدد حول الكوتا والنظام النسبي، حسم الرئيس محمود عباس الأمر وقسّم المقاعد مناصفة بين النظام النسبي والدوائر مع بقاء الكوتا غير منصفة للمرأة الفلسطينية بنسبة 20% كحد أدنى.

أ-الانتخابات الرئاسية:
بعد استشهاد الرئيس ياسر عرفات سنة 2004 تمت إجراءات انتقال دستوري للسلطة بخطوات إيجابية وديموقراطية، وأسهمت الكوتا بتعزيز المرأة وكانت أداةً للتثقيف وكسب الرأي العام، وبالرغم من ذلك لم يترشح أي عنصر نسائي للانتخابات الرئاسية كما في انتخابات 1996 وهذا يُعد تراجعًا للمشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية في ظل شح البرامج الانتخابية الفاعلة.

ب-انتخابات المجالس المحلية:
أنصف القانون المرأة الفلسطينية فأوجب إشراكها في العملية الانتخابية عن طريق الكوتا مما شجع نساءً من حركة “حماس” على الترشح وفازت يمامة زين الدين في بلدة سعير، وهذا الفوز يدل على زيادة ثقة النساء بأنفسهن ودورهن، وترشحن دون خوف من أي عائق وأثبتن فعالية تمثيل النساء ورفع نسبة وجود المرأة في العملية السياسية.

ج-انتخابات المجلس التشريعي:
فازت حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي 2006، وأشعلت بفوزها فتيل الانفجار المدوّي لأركان الكيان السياسي الفلسطيني، ورسمت خط التحوّل بانتقالها من جانب المعارضة إلى الحكم. ومن باب التغيير الإيجابي لصالح المرأة ودلالة على دعم حركة حماس لها بالوصول إلى مراكز صنع القرار، خاضت تجربة الاشتراك في البرلمان، لكن تجربتها هنا منقوصة غير ناضجة؛ لحداثتها وتأثرها بالأيدولوجيات المختلفة. ومع انعدام تقبل تواجد المرأة في مراكز صنع القرار مع الرجل ووضعها في قوالب محدودة ضمن معايير لا موضوعية لم تفز أي امرأة ترشحت عبر نظام الدوائر.

3- دور المرأة الفلسطينية في الحكومة عام 2010:
كسرت المرأة الفلسطينية قيود التبعية وتغلبت على العوائق وحققت نجاحاتٍ ملموسة، فتواجدت في مراكز صنع القرار وأحرزت تطورًا ملحوظًا بوجود خمس حقائب وزارية ترأستها فلسطينيات؛ لميس العلمي وزيرة للتربية والتعليم، وماجدة المصري وزيرة الشؤون الاجتماعية، وربيحة ذياب وزيرة شؤون المرأة، وخلود دعيبس وزيرة وزارة السياحة، وسهام البرغوثي وزيرة وزارة الثقافة. وترأست عبير عودة لأول مرة هيئة سوق رأس المال وعلا عوض أول سيدة ترأست الجهاز المركزي للإحصاء، وترأست زهيرة كمال حزب الاتحاد الديموقراطي الفلسطيني (فدا)، ووصلن إلى المحاكم بواقع 20 قاضية، وترأسن بلديتين، وتم تعيين أول محافظة في الوطن.

ثانيًا: عوائق وصول المرأة الفلسطينية إلى أماكن صنع القرار
لم يكن طريق وصول المرأة ممهدًا، اصطدمت بعوائق النظرة المجتمعية والسلطة الأبوية وظلم العادات ونحتت بالصخر لتحقق الإنجازات على كافّة الأصعدة. ويمكن تلخيص أبرز هذه العوائق المتشابكة كما يلي:

1-معوقات اجتماعية وثقافية:
صارعت المرأة الفلسطينية مشاكل اجتماعية أسهمت في إضعاف مشاركتها السياسية، فمنذ طفولتها تربَّت وبدخالها أنها أنثى ومكانها المنزل تنتظر الإعالة من رب الأسرة بدورٍ مقتصر على الأمومة. وعلى الرغم من التطور الحاصل وخروج المرأة للدارسة والعمل لتُعيل أسرتها جنب الرجل، استمرت إشكالية احتكار الرجال للمناصب العليا والسياسية، واقتصر دور النساء في القطاعات الخدماتية والتعليمية والتي تفضلها لقلة ساعات الدوام وتوفر الإجازات. فالتنشئة الاجتماعية المغلوطة حدت من وعي المرأة الفلسطينية الثقافي وعززت نظرتها الدونية لنفسها وانطفأ طموحها بالتطلع إلى الأعلى.

2-معوقات ذاتية :
بدون وازع داخلي لا يُحقق أي إنجاز، والمرأة الفلسطينية تفتقر أحيانًا إلى الدافع الداخلي والإرادة القوية للتطوير من ذاتها وإبرازها؛ وذلك لما تُعايشه من ضغوطاتٍ أسريةٍ ومجتمعية تفقدها ثقتها في نفسها وتتقوقع داخل أدوارٍ نمطيةٍ مُنمقة بالأعذار المرتبطة براعية أطفالها وأسرتها وترفض التطور في العمل واستلام وظائف أعلى ذات جهود مضاعفة.
3-معوقات اقتصادية:
المُتتبع لحال النساء الفلسطينيات يدرك محدودية دخل غالبيتهن وبعضهن من الفئة المعتمدة على الرجل في إعالتها، وبالتالي عدم استقلالها المادي عقبة أمام تعزيز ثقتها في نفسها واعتمادها على ذاتها.

4-معوقات سياسية داخلية:
مشاركة المرأة في الانتخابات بكافة أشكالها والانتماء إلى الأحزاب والفصائل ووجود مؤسسات المجتمع المدني وبرامج تمكين المرأة من ضمن سياسات الدولة الداخلية، لكن يتبعها ثقافة المجتمع المتوارثة والنظرة العشائرية، فتتأثر المرأة بخيارات الرجل السياسية وتنقسم تربية الآباء شقين؛ الأول يرى ابنته ومكانها المنزل وشغلها الوحيد هو إعالة أسرتها، والثاني ينمّي ثقة ابنته في نفسها ويعطيها حق التعليم والتنقل والعمل وحرية المشاركة والسياسية والانتماء إلى الأحزاب أسوةً بأخيها الذكر.
أما برامج تمكين المرأة التابعة للمنظمات النسوية ومنظمات المجتمع المدني اهتمت بالمرأة من الناحية الاجتماعية وبحالات فردية وافتقرت إلى التعبئة السياسية الحقيقة للمرأة، وتقبل المجتمع لهذه المنظمات دفع الأحزاب السياسية لاستخدامها في سبيل تشجيع النساء على العمل السياسي. فأصبحت تلك المنظمات تابعة للأحزاب السياسية ولم تكترث بالقضايا الاجتماعية وبالمقابل أهملت الأحزاب السياسية تمويل الحركات النسوية فغابت الأجندات النسوية التي تهتم بالأمور الاجتماعية والسياسية بتوازن وتكامل.

5-معوقات سياسية خارجية:
اعترفت السلطة الوطنية الفلسطينية بالمواثيق الدولية لحقوق المرأة لتحسين أوضاعها وتحييد العثرات أمام وصولها إلى مراكز صنع القرار، الأمر الذي أحيا قضية المشاركة السياسية جنبًا إلى جنب مع التطور الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الفلسطيني وإن كان بشكل متفاوت لأن بعض القوانين لم تُطبق بحذافيرها لعدم تقبل المجتمع الفلسطيني كافة بنودها.
اتخذت المنظمات النسوية مؤتمر بكين سنة 1945 مرجعًا لها، ومن التمويل الأجنبي محركًا، فدعمت الديموقراطية ظاهريًا وباطنيًا اشترط التمويل ارتباطها بأجندات أجنبية مستحدثة بعيدة عن الحشد الوطني والسياسي. فأثارت الجدل داخل المجتمع الفلسطيني وأحدثت صدعًا بين المؤسسات النسوية بين مؤيد ومعارض بإدخالها مصطلحات جديدة على المجتمع الفلسطيني مثل مفهوم “الجندر” المرتبط بالنوع الاجتماعي وتقسيم الأدوار بين الرجال والنساء. غموض المصطلح و حداثته أجج الصراع بين الرجل والمرأة، وبالتالي السياسية الخارجية خدمت المرأة الفلسطينية في الظاهر لكن واقعيًا أعاقت دورها الحقيقي المتكامل.

6-معوقات إدارية:
تتشابك العوائق الاجتماعية والثقافية مع المعوقات الإدارية في العمل، فالثقافة السائدة حول مكانة المرأة تدفعها إلى تجنب الوصول إلى المناصب العُليا وتفضل المكوث في المواقع التقليدية حتى وإن أنصفها قانون الدولة. ونجد أن أكبر دافع للمرأة للخروج إلى العمل هو إعالة أسرتها، وتتأمل بالترقية في عملها المتبوعة بزيادة الراتب لكن أحيانًا تتفاجأ ببقائها في موقعها بسبب تفضيل الرجل عليها. وترفض بعض النساء الترقي لكي لا يزيد العبء الوظيفي عليها وهذا ما يعيق وصولها إلى أماكن صنع القرار.
إن الواقع الفلسطيني وديناميكية أحداثه وخصوصية وضعه مع الاحتلال، يضع المرأة الفلسطينية موضع المساند للرجل والمكمل له، وعليه فإن المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية واجب وطني وحق شرعي لها لما بذلته في سبيل وطنها وابتكارها لأساليب الصمود، فحقوقها السياسية لا تقل أهمية عن حقوقها الاجتماعية والاقتصادية التي تنمي ثقتها في نفسها وفي قدرتها على الوصول إلى مراكز صنع القرار.
وبالرغم من كل المعيقات الوصول ألا إن إنجازات المرأة الفلسطينية لا تتوقف ولديها على الدوام بصمات جلية تُضاف إلى تاريخها النضالي منذ بدء الاحتلال ولغاية اليوم، فأصبحت تمثل فلسطين في المحافل الدولية وتنقل الصورة الحقيقة للقضية مواجهة الإعلام المُضَلل. فالشابة المقدسية منى الكرد أوصلت معاناة حيّها حي الشيخ جراح إلى العالم ونقلت بكاميرتها الصغيرة وحسابها الشخصي عبر انستاغرام ما تعانيه وأهلها من ظلم المستوطنين وسرقتهم لبيوت الحي بتواطؤٍ من الاحتلال، فعلى الرغم من بساطة الإمكانيات لكنها حرفت بوصلة أنظار العالم حول الحي؛ والآن وبعد كل ما عايشته المرأة الفلسطينية وما قدمت وأنجزت، أما زالت تستحق التهميش؟

*باحثة في دراسات الشرق الأوسط، الجامعة العربية الأميركية، فلسطين