مشاركة المرأة الفلسطينية في السياسة العامة

مشاركة المرأة الفلسطينية في السياسة العامة

شجون عربية – بقلم: عمر عبد الجبار القاسم * |

إنّ المرأة الفلسطينيّة ومنذ القدم ملازمة للرّجل في شتّى ظروف الحياة ومجالاتها؛ نظراً لما لها من أهميّة كونها نصف المجتمع، ولما لها من دور كبير في حياة الفلسطينيّين؛ فقد كانت المربية والمدافعة والمواجهة والمعيلة وصولاً إلى كونها الأسيرة والجريحة والشهيدة أيضاً، فتحمّلت الصّعاب مع الرّجل، وعانت معه قسوة الحياة وظلم واقعها، وشهدت الاحتلالات الّتي تعاقبت على أرض فلسطين، كما أنّ أدوارها وانجازاتها لا تعدّ؛ فعملت في كل محطات الحياة بدءاً بمساعدة زوجها ودفاعها عن أرضها ودخولها الحياة السّياسيّة والمشاركة فيها، وعلى الرّغم من الالتزام بالبيت وقوة العادات والتّقاليد، إلا أنّها أبدعت بأعمالها وتميزت بأدوارها. وللمرأة الفلسطينيّة تاريخ طويل وكم كبير من الإنجازات في مختلف مدن الضّفة والقطاع والدّول الأخرى، فكل ما تسعى إليه صنع جيل قادر على الصّمود والإنجاز وأن يحمل همّ فلسطين. فمن هنا لا بدّ من الإجابة على عدّة تساؤلات خاصّة في تلك المقال ومنها: هل كان للمرأة الفلسطينيّة دور في أماكن صنع القرار؟، وإلى أيّ مدى أنصفت المرأة في مؤسّسات السّلطة الفلسطينيّة؟، وهل منح القانون والدّستور الفلسطينيّ المرأة حقوقها؟

أولاً: مراحل تطوّر دور المرأة الفلسطينيّة في صنع القرار في الحياة السياسيّة:
1- المرحلة الواقعة ما قبل نشأة (م.ت.ف)، عام (1964):
أعتبرت مرحلة الالتزام والمحافظة من قبل الشّعب الفلسطيني أجمع، وباتت المرأة الفلسطينيّة في منزلها المربية والقائمة بأعمال بيتها، والتزمت بالعادات والتّقاليد المعروفة ولم تعمل خارج المنزل. وبالرّغم من كلّ ذلك كان لها الدور الكبير في مواجهة الانتداب بكل ما أتيح لها من طرق، بالإضافة إلى دورها في تشكيل الجمعيات النّسويّة الّتي كان أولها عام 1903 في مدينة عكا الفلسطينيّة؛ وذلك بهدف النّهوض بالمرأة الفلسطينيّة سياسيّاً. وبرز في ذلك الوقت العديد من النّساء الفلسطينيّات، أمثال: (زليخة الشّهابيّ وزهية النّشاشيبيّ) وغيرهما من صاحبات الرّأي والموقف. وأبدت الحركات النّسويّة دوراً كبيراً في عام 1929، حيث شاركت بالثّورة المسلّحة، وساهمت في نشر القضية على الصّعيدين العربيّ والدّوليّ. فشاركت المرأة الفلسطينيّة في التظاهرات، وبدا دورها أكبر من الرّجل، ورحلت الشّهيدات في تلك المظاهرات، مثل: (جميلة الأشقر وعايشة أبو حسن). بالإضافة إلى ذلك جمعت التّبرّعات لصالح المجاهدين، وقامت بشراء السّلاح، وناضلت واستشهدت في المعارك مع الاحتلال، أمثال الشّهيدة فاطمة غزال في معركة واد عزون. واستمر تأسيس الجمعيّات النّسويّة في شتّى مدن فلسطين، ونشرت العلم والثّقافة، وبرز دورها الاجتماعي وعانت ألم التّهجير والتّشريد.

2- دور المرأة الفلسطينية في المرحلة الواقعة بين عام 1964 إلى 1987:
تشكّلت في هذه المرحلة منظّمة التّحرير الفلسطينيّة عام 1964، الأمر الّذي عزّز من دور المرأة ودفعها إلى المشاركة في الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة، وبرز دورها بالانضمام إلى الأحزاب السّياسيّة والتّنظيمات كحركة فتح وغيرها. وحملت السّلاح وشاركت في الحروب، ودافعت عن الأرض أيضاً في حرب سنة 1967 بالاضرابات وغيرها، وكل ما حصل من أحداث دفع المرأة الفلسطينيّة للعمل خارج المنزل، ونجحت في دور المعيل الأوّل للأسرة؛ بسبب الأسر أو استشهاد ربّ الأسرة، وفي عام 1978 شكّلت المرأة الأطر النّسويّة وزاد عددها وسارت بنهج (م.ت.ف) وفكرها. وكان لها الدور في المجلس الوطنيّ عقب تشكيله ولكنه ضعيف، على الرّغم من القرار بإشراك المرأة في كلّ المجالات. حيث كان دورها النّضالي بارزا،ً إلا أنّها لم تكن في مواقع صنع القرار كالرّجل، ولم تحصل على عضوية اللّجنة التّنفيذيّة.

3- دور المرأة في المرحلة الواقعة بين عام 1987 إلى 1991:
شاركت في انتفاضة عام 1987، وكان دورها لامعاً كسابق عادتها، ولم ينحصر دورها على فئه معينة من النّساء، وعاشت كل أحداث المرحلة ومجرياتها، ومارست عملها كالرجل بالمقاومة وحماية الفدائيين، وبلغت أقصى درجات الصّبر لدرجة أنها أصبحت تودّع أبناءها بالزّغاريد. وزادت جهود اللجان النّسويّة لتصل إلى العضوية في اللّجنة الدّوليّة للسّلام برئاسة حنان عواد. ونجحت في تجاوز العادات والتّقاليد المتشدّدة دون الخروج عن تعاليم الدين، وأثبتت نفسها وطوّرت لجانها النّسويّة ودعمت القيادة، وعزّزت مكانتها بإدخال مفاهيم ثوريّة ووظيفيّة إيجابيّة. ونجحت في دور القيادة في الفصائل الفلسطينيّة، وكان ذلك بدواعي الحاجة إلى قيادي بالدّاخل المحتلّ كالجبهة الديمقراطية أو بدواعي الأسر كحركة فتح.

4- المرحلة الواقعة بين سنة 1991 إلى 1995، اتفاق أوسلو:
تعتبر مرحلة المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وكان دور المرأة في تشكيل طواقم شؤون المرأة؛ لوضع الخطط في المجالات المختلفة، وشاركت ست نساء من بين ثلاثمائة مشارك، وبذلت أقصى الجهود لتصل إلى ست وستين مشاركة. وجاء دورها –أيضاً- في الموافقة أو المعارضة على اتفاق أوسلو، حيث وافقت القيادية في حزب فدا (زهيرة كمال) التي كانت أحد لجانها، بينما عارضت نساء كل من حماس والجهاد الإسلامي؛ على اعتبار أن القادة الرجال عارضوا، وكذلك عارض الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية الاتفاق؛ الأمر الذي دفع (م.ت.ف) لقطع المساعدات المقدمة له، وكان دورها – أيضاً- في اللجان الفنية فقط؛ فلم تفاوض ولم تصنع قراراً.
ثانياً: الإطار الدستوري والقانوني للوظيفة العامة:

1- المرأة في وثيقة إعلان الاستقلال:
كفلت وثيقة الاستقلال كامل حقوق المرأة، ودعت إلى إنصافها كما الرجل دون تمييز، حيث شكلت هذه الوثيقة صمّام الأمان والمرجع الأساسي لحقوق المرأة.

2- المرأة في القانون الأساسي الفلسطيني:
ضمن القانون الأساسي الفلسطيني الصادر بتاريخ (29/5/2002)، مكامل حقوق المرأة، وأكد على المساواة بين الجنسين دون تمييز، وأيّ تمييز ضد المرأة يعتــبر لاغياً وباطلاً. وكفل القانون الأساسي فرص عملها الحكومية وحقها في العمل والمزاولة، ونصت المادة(26) من الباب الثاني على “تقلد المناصب والوظائف العامة على قاعدة تكافؤ الفرص وليس على أي أساس آخر”.

3- دور المرأة في قانون الانتخابات الفلسطيني رقم (13 لسنة 1995):
أكّد قانون الانتخابات الفلسطيني على حقّ المرأة الفلسطينيّة في ممارسة الانتخاب والترشيح كحق لها دون التمييز، ودعمت المادة (6) التي نصّت على: ( أنّ الانتخابات حق لكل فلسطيني في فلسطين توفرت فيه الشروط، بغض النظر عن الدين أو الرأي أو الانتماء السياسي أو المكانة الاجتماعية أو الاقتصادية أو العلمية)، وعلى الرغم من كل ذلك إلا أن العملية الانتخابية تتأثر بعوامل، مثل: العائلية، والسلطة الذكورية، والعادات والتقاليد، وكل مثل هذه المؤثرات كفيلة أن تقف أمامها دون الوصول إلى أماكن صنع القرار.

4- دور المرأة الفلسطينية في التمثيل لدى المجالس والهيئات المحلية حسب قانون انتخاب المجالس والهيئات المحلية:
صدر القانون رقم 5 عام 1996، الذي جاء لينظم سير العملية الانتخابية المحلية، حيث لم يضع أيّ عائق أمام المرأة الفلسطينية سواء بالانتخاب أو الترشيح والمشاركة، مع العلم أن بعض القوانين وضعت شروطاً للترشيح والانتخاب، إلا أنها لم تستثنِ المرأة ولم تضع تمييزاً، وأعطى القانون انصافاً للمرأة كنظام الكوتة النسوية.

5- دور المرأة الفلسطينية في قانون الخدمة المدنية:
أعطى قانون الخدمة المدنية كل ما للمرأة من حقوق دون تمييز بين الجنسين، سواء في عملية التوظيف أو في التقييم والترقيات، وأيضاً في العلاوات والحوافز، وهذا يعني أنه قانون منصف، لا يفرق سوى على أساس الجدية والاتقان في العمل، أي للمراة كل ما تستحق كما كفلها القانون.

6- توزيع النساء في الوظائف الحكومية الفلسطينية:
تعمل المرأة في فلسطين في كل المجالات ودورها لا يحصر في مجال أو وظيفة معينة، حيث بلغت نسبة النساء العاملات كفني متخصص(54.2%) مقابل (19.2%) رجال، وبلغت نسبة النساء العاملات في التشريع والإدارة العليا (3.7% ) والرجال (5.8%)، أما على صعيد العمل بالقطاع العام فبلغت نسبة النساء (37.%)، كما وبلغت نسبة النساء في المجلس التشريعي عام (2006) (13%) مقابل (87%) رجال، وفيما يتعلق بالعمل بالقضاء بلغت نسبة النساء (11.7%) مقابل (88.3%) رجال، وفي الحديث عن نسبة النساء في الفئة العليا (10%)، والفئة الأولى (17.1%) مقارنة بالرجال في الفئة العليا (89.1%) والفئة الأولى (83.9%)، ومن الجدير بالذكر أن نسبة النساء في أماكن صنع القرار في الضفة أعلى من غزة؛ وذلك بسبب المجتمع التقليدي، بالإضافة لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية.
وعليه، في ضوء ما سبق نجد أن المرأة الفلسطينية صاحبة تاريخ حافل على جميع الأصعدة، وكان لها المشاركات في كل مناحي الحياة؛ حيث مثلت نفسها بكل جدارة، وأثبتت أنها صاحبة قدرة وجرأة وانجازات يمكن مقارنتها بالرجل؛ فأبدعت بمواجهة العدو وانضمت للأحزاب السياسية، وعاشت مرارة الحياة ولوعات الفراق ومر الأيام، وبالرغم من مشاركتها القليلة والضعيفة بالحياة السياسية إلا أنها استطاعت أن تثبت نفسها وتقود وتكون خير سلف، ولا سيما أن العادات والتقاليد كانت بعض الوقت ضدها، إلا أنها بالفكر ودون البعد عن الدين تجاوزت كل ما يحد من قدراتها وعملها؛ فشاركت بالانتخابات وحصلت على فرص العمل في السياسة والأمن، وكان لها البصمة بالعمل الخارجي والسفارات، وأبدعت وأبدت دورها بفعالية رغم غطرسة الاحتلال، وكفلها القانون كل ما يتيح لها من حقوق، وأنصفها ولم يتجاوزها في أي ميدان من ميادين العمل؛ فأصبحت المرأة الفلسطينية أنموذجاً يحتذى به وأيقونات نضال تدرس في مختلف دول العالم؛ ولكن على الرغم من كل ذلك مازال دور المرأة الفلسطينية في مؤسسات السلطة الفلسطينية محدود جدًا ومهمش.

*باحث في دراسات الشرق الأوسط، الجامعة العربية الأميركية فلسطين.