فنتازيا العصر الجاهلي

فنتازيا العصر الجاهلي

شجون عربية – بقلم: موسى ولد أبنو |

أسست روايتي “حج الفِجَار” نوعاً جديداً في الأدب العربي، فنتازيا العصر الجاهلي. تدور أحداث الرواية في زمن الجاهلية المتأخرة وتحديداً في السنة الثالثة والخمسين التي أعقبت عام الفيل وتتناول حياة عرب الجاهلية ومعتقداتهم وطقوس عيشهم، لتروي حكايات العصر الجاهلي التي قُصَّتْ وكُتِبَتْ فيما مضى، فتنتج كتابة مكرَّرة لهذا التاريخ. نحن اليوم أمام صورتين مختلفتين إلى درجة التناقض عن العصر الجاهلي تقدمها لنا كتب التراث، وكذلك الدراسات الحديثة: فهناك من جهة الصورة التي تبدو وكأن كل وظيفتها تبرير وصف ذلك العصر بالجاهلي. وهناك من جهة أخرى صورة عن العصر الجاهلي قوامها حياة فكرية نشطة، وأسواق للفكر والثقافة… تبعث رواية “حج الفِجَار” هذا الماضي من جديد، لأنه لا ينبغي تدميره، ويجب إحياؤه، حيث إن تدمير الماضي يؤدي إلى الصمت، كما يقول أمبرتو إيكو.
الرواية، كما يوحي عنوانها، تتركز حول موسم الحج لدى الجاهليين وما يسبقه ويكتنفه من محطات وطقوس وشعائر، فشكّل الحج مسرحاً للسرد، لأن الحج إلى مكة كان الموسم الأكثر كثافة وتنوعاً وتعبيراً عن حياة العرب وسلوكياتهم المختلفة، ولأنه الأكثر اكتظاظاً بالحشود التي تندفع من كل حدب وصوب لعرض “بضاعتها” الشعرية وللاستفادة من فرصة البيع والشراء في سوق عكاظ الشهير. وكان الحج في الجاهلية أيضاً موسماً للشعر، لأن الشعر كان مقدساً. فالسموط المذهبات وروائع الشعر الجاهلي كانت ترى النور في سوق عكاظ، أولى محطات الحج، بعرضها أمام حكماء الشعر الجاهلي (وآخرهم النابغة الذبياني)، قبل أن تعرض على أندية قريش في مكة، التي قد تجيزها للتعليق على أستار الكعبة أو جُدُرها.
حج الفِجَار، حكاية العصر الجاهلي
تتوزع الرواية على أربعة فصول تتشكل وفق محطات الحج، كما توحي بذلك عناوينها: (إحرام، وقوف، تشريق، طواف). ففي الفصل الأول نتعرف على الشاعر الجاهلي المخضرم لبيد ابن ربيعة، الذي جاء إلى عكاظ في رهط من قومه بني عامر، طمعاً في إيصال صوته إلى النابغة، الذي يحتكم إليه الشعراء جميعاً ليقول فيهم كلمته الفصل. نرى لبيداً يستقسم بالأزلام أمام الآلهة لمعرفة طالعه، وهل يتجرأ على عرض شعره أمام الحكم؛ ثم نراه يروي لنا الرؤيا التي وقعت عليه (الرواية ص 19) والتي تمثل نوعاً من الاستحضار الخيالي للمثول أمام النابغة. ثم نرى شيطانه يتغول له ليملي عليه معلقته الشهيرة، قبل أن يأخذه إلى نادي شياطين الشعراء. وتمضي الرواية لتحكي لنا قصة إنشاد القصيدة أمام النابغة، الذي أصدر حكماً بتفوق لبيد على شعراء قيس كلها. وحين تسمع المومس مهدد بحكم النابغة للبيد تلجأ إلى كاهنة جِهار لكي تساعدها على امتلاك قلب الشاعر ودفعه إلى أن يخصها بقصيدة غزل أو نسيب. وفي مطلع الفصل الثاني، وقوف، ينصرف الحجيج من عكاظ إلى محطات أخرى من بينها مجَنَّة وذي المجاز وعرفة ومزدلفة فمنى ثم مكة. وفي الفصل الثالث، تشريق، ترد بعض أشعار الجاهليين ضمن حلقات ذكر الآباء عند جمرة العقبة. أما في الفصل الأخير، طواف، فترد أشعار أخرى وتعليقات كثيرة على شعر لبيد، الذي يعرض قريضه أمام أندية قريش في مكة. وتُختم الرواية بمشهد لبيد وهو يتجول في جوف الكعبة، ينظر إلى القصائد مفاخر العرب معلقة على أركان الكعبة وقد كتبت في القُباطي بماء الذهب، فيَهُم بالاقتراع عند هبل على مآل شعره.

يطلق اصطلاح العصر الجاهلي على حال الأمم قبل الإسلام تمييزاً وتفريقاً مع العصر بعد البعثة النبوية وظهور الإسلام. فلقد كان الناس في بلاد فارس يعبدون النار، وكان أهل اليمن يعبدون النجوم والأوثان ويقدمون لها القرابين. لكن العصر الجاهلي يدل بصفة خاصة على الأطوار التاريخية للجزيرة العربية في عصورها القديمة قبل الإسلام.1 وكلمة الجاهلية التي أطلقت على هذا العصر ليست مشتقة من الجهل الذي هو ضد العلم ونقيضه، وإنما هي مشتقة من الجهل بمعنى السفه والغضب والنزق؛ فهي تقابل كلمة الإسلام التي تدل على الخضوع والطاعة لله عز وجل. يقول الطاهر بن عاشور: «الجاهلية صفة جرت على موصوف محذوف يقدر بالفئة الجاهلية أو الجماعة الجاهلية، وربما أريد به حالة الجاهلية في قولهم أهل الجاهلية، وقوله تعالى {تبرج الجاهلية الأولى} ، والظاهر أنه نسبة إلى الجاهل أي الذي لا يعلم الدين والتوحيد، فإن العرب أطلقت الجهل على ما قابل الحِلْم، قال ابن الرومي: بجهل كجهل السيف والسيف منتضى .. وحلم كحلم السيف والسيف مغمد، وأحسب أن لفظ الجاهلية من مبتكرات القرآن، وُصِفَ به أهلُ الشرك تنفيراً من الجهل، وترغيباً في العلم، ولذلك يذكره القرآن في مقامات الذم في نحو قوله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون} و{ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} و{إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية}. وقال ابن عباس: سمعت أبي في الجاهلية يقول: “اسقنا كأساً دهاقاً”، وفي حديث حكيم بن حزام أنه سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – عن أشياء كان يتحنث بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم، وقالوا: شعر الجاهلية، وأيام الجاهلية. ولم يسمع ذلك كله إلا بعد نزول القرآن وفي كلام المسلمين».2

عبادة الأصنام
حينما يُتطرق إلى العصر الجاهلي، لا بد من ذكر مكة. كانت مكة قبلَ الإسلام من أبرز الأماكن الثَّقافيَّة والتِّجاريَّة عند العرب، وأهم مدنهم قداسةً وعراقةً وعاصمةَ العرب دينياً وسياسياً واقتصادياً. هذا ما جعلني أتخذها مكاناً لرواية فنتازيا العصر الجاهلي. تقع مكة في منتصف طريق القوافل بين اليمن والشام، في وادٍ غير ذي زرع تحفه الجبال الجرداء من كل جانب، وهي تتراءى لنا في العصر الجاهلي ممسكة بزمام القوافل التجارية. كما تتراءى لنا أكبر مراكز الوثنية الجاهلية. اشتهر عرب الجاهلية بعبادة الأصنام، فاتخذت كل قبيلة لها صنماً، وعندما فتحت مكة من قبل النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) كان عدد الأصنام حول الكعبة ثلاثمائة وستين صنماً، وكان أشهر هذه الأصنام هُبَلْ، الذي كان يعد أكبر أصنام العرب وكان في جوف الكعبة.
“ركعوا وتمسَّحوا على الأصنام في جوف الكعبة، وأعظمها هُبَل المنصوب فوق الجب في الركن الشامي”، حج الفِجَار ص 105.
وجدت آلهة أخرى في مكة قبل الإسلام، من أشهرها مناة، ونسر، والعُزّى، واللات، وإساف، ونائلة… وكان الذي سلخ بأهل الجاهلية إلى عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجراً من حجارة الحرم، تعظيماً للحرم وصبابة بمكة، فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة، تيمناً منهم وصبابة بالحرم وحباً له، وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة.3
“أدخلتم عبادة الحجارة في بني إسماعيل. كان لا يظعن من مكة ظاعن منكم إلا احتمل معه حجراً من الحرم، تعظيماً للحرم وصبابة بمكة وبالكعبة، حيثما حل وضعه وطاف به كالطواف بالكعبة.” حج الفِجَار ص. 60
كانت عبادة الأصنام منتشرة بين الجاهليين انتشاراً واسعاً. كان صنم ود على صورة رجل وسُوّاع على صورة امرأة ويغوث على صورة أسد ويعوق على صورة فرس ونسر على صورة نسر من الطير. وكان أعظمها عند القرشيين هبل. وكان من عقيق أحمر على صورة إنسان مكسور اليد الى أن جعلها له قريش من ذهب.
“كان غاضرة قد خلص من تلميع ربِّه. أزال الغبار عن هيكله المبني من خرز العقيق، ومسح يده اليمنى المعمولة من ذهب”. حج الفِجَار، ص 106.
ومن أصنام قريش المشهورة إساف ونائلة. “إما أن يطوفوا بالبيت عراة، وإما أن يطوفوا بثيابهم، فإذا فرغوا من طوافهم ألقوها عند الحَطيم، بين إساف ونائلة”. حج الفِجَار، ص 84.

أيام العرب
كانت الجاهلية حروباً وأياماً مستمرة وقد تسمى بأسماء ما أحدث اشتعالها مثل حرب البسوس وحرب داحس والغبراء. من أيامهم المشهورة أيضاً يوم خزاز ويوم طخفة ويوم أوارة ويوم ظهر الدهْناء ويوم الكلاب ويوم حوزة ويوم اللوى وأيام الفِجَار… سمّوا هذه الحروب أياماً لأنهم كانوا يتقاتلون في النهار فإذا أمسوا وجاء الليل كفوا حتى يصبحوا. وكانوا لا يقتتلون في الأشهر الحرم، ومع ذلك وقعت فيها بعض المناوشات تسمى الفِجَار بين هوازن من جهة وقريش وكنانة من جهة أخرى.
“وهل نسيتَ فعلتكم في أيام الفِجار التي كانت في الأشهر الحرم؟! ففجرتم فيها عندما التقيتم مع هوازن في الحرب؟» – حج الفِجَار، ص 62.

الشعر الجاهلي

احتل الشعر مكانة مهمة في المجتمع الجاهلي، حيث شغل الشاعر دور المؤرخ والكاهن والدعاية. وكان مدح القبيلة والهجاء الذي يشوّه سمعة القبائل الأخرى من أكثر أشكال الشعر المبكر شيوعًا. فقد كانت العشيرة أو القبيلة تحتفل ابتهاجاً حينما ينبغ فيها شاعر لأنه سيخلّد ذكرها وسيذود عن أحسابها وسينال ممن أرادوا النيل منها، فالشاعر في الجاهلية هو صحيفة قومه السيارة وهو كتاب تاريخها ومعلمها وسفيرها لدى الأقوام الأخرى.
“طار اسم لبيد لما أشاد به الحَكَم من بين الشعراء الذين ازدحمت بهم قبته. تقاطر أهل الموسم على مضارب بني عامر يهنئونهم بنبوغ شاعرهم.. أتت كل القبائل فهنأت.. عُقرت البدن وصُنعت الأطعمة واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر، وتباشر الرجال بأنهم وجدوا من يحمي أعراضهم ويذب عن أحسابهم ويخلد مآثرهم ويشيد بذكرهم”، حج الفِجَار، ص 42.
كان الراوي يحفظ قصائد شاعره عن ظهر قلب. لذلك كانت رواية الشعر في العصر الجاهلي هي الوسيلة الطبيعية لنقله ونشره وإذاعته. إن ذيوع شعر الشاعر، وأخبار القبيلة، ومآثرها كان يعتمد على هذه الرواية، وعلى هؤلاء الرواة، الذين كانوا يحفظون الشعر ويتناقلونه إنشاداً في المجالس، والأسواق، ويرددونه في المحافل؛ فيشيع بين العرب، ويتناقله الركبان، ويذيعه أبناء القبيلة فيما بينهم عن طريق الرواية الشفهية والسماع.
“أنا عَنْبَسَةُ الراوي، وقد تمنيت عندما صمتَّ أثناء إنشادك أن أروي صمتك مع شعرك!”، حج الفِجَار، ص 43.

الشعر ديوان العرب

كان الشعر في الجاهلية ديوان العرب يحفظ أيامهم وأمثالهم، وحكمهم، ومآثرهم. يقول النابغة في الرواية:
“-نحن قوم نقدم الشعر على السَّجْع والخطابة بفرط حاجتنا إلى الشعر الذي يقيّد علينا مآثرنا، ويفخم شأننا، ويهوِّل على عدونا ومن غزانا، ويهيب من فرساننا ويخوِّف من كثرة عددهم.. والشعر أرفع قدراً عندنا من السجع والخطابة لأن الشعراء هم الذين هجوا فوضعوا من قدر من هجوه، ومدحوا فرفعوا من قدر من مدحوه، وهجاهم قوم فردوا عليهم فأفحموهم، وسكت عنهم بعض من هجاهم مخافة التعرض لهم وسكتوا عمن هجاهم رغبة بأنفسهم عن الرد عليهم.. والشعر أرفع قدراً عندنا من السجع والخطابة لأنه ديوان العرب.. فهو حداء الراكب، وغناء الماتح على البئر، ومبارز الأقران، ومستصرخ العشيرة، وأهزوجة المنتصر، وأغرودة العاشق، وسلوى المكروب والمحروب.. وهو متنفس العواطف ومجتلي القرائح.. فلا غرو أن كان الشعر هو الذي اشتهرت به العرب واحتفلوا بقائله.. فرفعوا الشعراء مكاناً عالياً .. والشعر أرفع قدراً عندنا من السجع والخطابة لأنه يتغنى بمناقب العرب، وبالجمال المطبوع في بلادهم.. ثم إن لغة العرب لغة غنائية والشعر صَنَّاجَتها…”، حج الفِجَار، ص 24.
الشعر الجاهلي شعر غنائي. كان مصاغاً بما يتناسب واللحن، فكان مناسباً للغناء، فاختار شعراء الشعر الجاهلي القيمة الإيقاعية التي تولّدها القافية، باعتبار أن نظامها الموسيقي الخارجي رئيسي ومهم وجوهري في موسيقى القصيدة.
“أشار إلى القينات فبدأن العزف: قرعن الطبول ونقرن الدفوف وضربن المزاهر والرباب.. انتظر لبيد قليلاً حتى طرب واستخف واتسق الإيقاع”، حج الفِجَار، ص 37.
ومن أشهر شعراء العصر الجاهلي امرؤ القيس، والمهلهل، وعنترة بن شداد، والخنساء، والأعشى، وزهير بن أبي سُلْمى، وعمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة، ولَبيد بن ربيعة، وطرفة بن العبد، والنابغة الذبياني… اشتهر أصحاب المعلقات أكثر من غيرهم من الشعراء. وأصحاب المعلقات الذين اتفق عليهم أكثر الرواة هم: امرؤ القيس، وطرفة، وزهير، ولبيد، وعمرو بن كلثوم. ولم يحدث خلاف في هؤلاء الخمسة فهم أصحاب معلقات باتفاق رواتها، أما السادس والسابع فهما عنترة والحارث بن حلزة عند أكثر رواة المعلقات، أما أبو زيد القرشي، صاحب جمهرة أشعار العرب، فقد جعل النابغة والأعشى من أصحاب السبع وأخرج عنترة والحارث بن حلزة وجعلهما من أصحاب المجمهرات، وهي قصائد أقل قيمة من المعلقات. وقد أثبت النحاس الأعشى والنابغة بعد أن انتهى من شرح القصائد السبع.
تسير الرواية على منوال المعلقة، فتبدأ في عكاظ لتكتمل في مكة. إن حضور المعلقة الجاهلية كبير في النص وهو عميق وشامل يتجاوز حد التأثر إلى النقل والاقتباس، وامتد من البنية الروائية إلى الجو العام والقيم، والشخوص، والأساطير، والرموز. وهذا يدلنا على صلاحية الشعر الجاهلي لتغذية الفن الروائي الحديث، بالرغم من اختلاف الأشكال. فبهذا النقل للشعر الجاهلي إلى إطار الرواية حاولت “حج الفِجَار” إعادة كتابة هذا الشعر وأشكال أخرى من أدب العصر الجاهلي، موظفة بذلك فنيات التناص في أقصى حدودها. إن اختلاف الأشكال الأدبية يقودنا إلى التساؤل عن العلاقات المتينة التي تربط النصوص عبر الزمن، وذلك بغض النظر عن التميز التقليدي ما بين الشعر والمسرح والرواية. تتجلى هذه العلاقة في إشكاليات التناص، لأن المبدع لا يعدو أن يكون معيداً لإنتاج سابقيه في حدود من الحرية والتصرف. تتناص الرواية في لغتها وخطابها مع آثار شعرية وسردية معروفة طبعت أسلوبها. فمما يشترط في التناص أن تكون النصوص المتحاورة ذات بنية رمزية متشابهة. هكذا قاربت الرواية العصر الجاهلي بلغة تحاكى لغة الجاهليين في وعورة مفرداتها ومصطلحاتها. ولم تنسحب هذه الخاصية فقط على النصوص المنسوبة إلى الجاهليين أنفسهم، بل تجاوزتها إلى لغة السرد في الرواية كلها، التي ضجّت بالمفردات والتراكيب التي قد تبدو صعبة، لكنها مفهومة من خلال السياق العام للسرد. ثم إن الأسلوب النثري تناسب مع أسلوب النصوص الشعرية التي وردت في الرواية ولم ترد شروح لها كيلا يفقد الحكي عفويته وتلقائيته. كما تأثر أسلوب الرواية أيضاً بلغة المأثورات السردية العربية وتناص مع آثار سردية معروفة. لكن تناص الرواية مع المعلقة الجاهلية هو الذي أسس لشاعريتها، وذلك لأن النص المحاوَر هو في النهاية الشعر نفسه. فلم تعد بين الشعر والنثر حدود فاصلة تماماً، كما لا نستطيع أن نميّز بين إيقاعاتهما، وذلك لأن النثر قد صمم بطريقة الشعر نفسها ومن المادة اللغوية الخام نفسها.

تناص حج الفِجَار مع الشعر الجاهلي
تمتح حج الفِجَار من روائع المعلقات والأهزاج وأسجاع الكهان وخطب الفصحاء وأشعار المنافرة، من دون أن تنسى مظاهر الحياة الاجتماعية، وخاصة ما يتعلق بحقل المختلقات والرقية والاستشفاء. وقد ورد نص معلقة لبيد كاملاً في متن الرواية بصيغتين مختلفتين، إذ عرض في لحظات تشكله الأولى على لسان شيطان لبيد (ص 33 – 34)، قبل أن ينشده الشاعر أمام الحكم (ص 48 – 54)، ثم في مكة أمام أندية قريش. كما وردت في الرواية تعليقات كثيرة ورؤى نقدية تناولت المعلقة. ووردت أيضاً نبذ أخرى من أشعار لبيد، مثل البيت الذي أنشده في نفسه شفقة على شحاذ عكاظ (ص.16):
لحا الله هذا الدهر إني رأيته بصيرا بما ساء ابن آدم مولعا!
كما وردت أيضاً في الرواية قصيدة المتجردة، دالية النابغة الشهيرة، التي ألقاها هَاذر، شيطانه، في جو ملْتهب أمام شياطين الشعراء المنتدين في عكاظ تحت إمرة شيخهم إبليس، قبل أن ينشدها لبيد أمام المومس مهدد. (الرواية ص.60).
أما تناص الرواية مع شعر امرئ القيس فجاء على شكلين تجلى أولهما في إيراد بيت من بائيته المشهورة، ورد في وصف حال أرق لبيد بالمحصب: «…لم يستطع لبيد الهجوع بالمحصب: طار نومه، بقي متكئاً على دقاق الحصى المتلألئ تحت ضوء القمر الباهر، ومن حوله السامرون الذين أرادوا اغتنام فرصة اللقاء قبل فراق المحصب”. (ص165). يحيل على:
فلله عينا من رأى من تفرق * أشت وأنأى من فراق المحصب
وأخذ ثانيهما شكلاً شبه تناصي في مواضع مختلفة من النص على النحو الآتي:
– “تصد وتبدي عن أسيل(…) ثم تلتفت إلي بناظرة مطفل من وحش وجرة…” (ص 19). يحيل على قول امرئ القيس:
تصد وتبدي عن أسيل وتتقي * بناظرة من وحش وجرة مطفل
-“عذارى جهار يرقصن في ملائهن المذيل…” (ص 43). يحيل على قول امرئ القيس:
فعن لنا سرب كأن نعاجه * عذارى دوار في الملاء المذيل
-“كان لبيد جالساً بفناء قبة عمه التي بثت أمامها الفرش. أقبل رجل طويل وسيم، متى ما ترقى العين فيه تسفل…” (ص 56). يحيل على قول امرئ القيس:
ورحنا وراح الطرف ينفض رأسه * متى ما ترقى العين فيه تسفل
-“لم تبكِ لأنك مظلومة وإنما بكيتِ لتقدحي في قلب مذلل منقاد…” (ص 119). يحيل على قول امرئ القيس:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي * بسهميك في أعشار قلب مقتل
-“صباح قزح لا صباحك. يمين الله مالك حيلة فيما قصدت له…” (ص 104). يحيل على قول امرئ القيس:
فقالت يمين الله مالك حيلة * وما إن أرى عنك الغواية تنجلي

أما فيما يخص عمرو بن كلثوم، فقد جاءت في الرواية إشارات تحيل على معلقته كما في:
-“ترقص بذراعي عيطل أدماء…” (ص 19). يحيل على قول عمرو:
تريك إذا دخلت على خلاء * وقد أمنت عيون الكاشحينا
ذراعي عيطل أدماء بكر * هجان اللون لم تقرأ جنينا
-“وتتحول فوق ظهر الناقة لتريني ثديا رخصا مثل حق العاج”. (ص 19). يحيل على قول عمرو:
وثديا مثل حق العاج رخصا * حصانا من أكف اللامسينا
-“توليني ظهرها لتريني متني لدنة طالت ولانت روادفها وساقي رخام أو بلنط…” (ص 19). يحيل على قوله:
ومتني لدنة طالت ولانت * روادفها تنوء بما وليـنـــا
وساريتي بلنط أو رخام * يرن خشاش حليهما رنينا

وجاء استلهام شعر طرفة على طريقة شبه التناص أيضاً. فحاورته الراوية عبر:
-“مالت إلى الخوان وهي ترنم بمطروفة لم تشدد…” (ص 159). فهو يحيل على قول طرفة:
إذا نحن قلنا أسمعينا انبرت لنا * على رسلها مطروفة لم تشدد
ووردت نماذج أخرى من الشعر الجاهلي كشعر ضرار بن الخطاب (ص 130) وعبد المطلب (ص 144) والزبير بن عبد المطلب (ص 192) وعثمان بن مظعون (ص171) …

طائفة الصعاليك

ورد أيضاً في الرواية شعر شعراء جاهليون آخرون، مثل تأبط شرًّا والشَّنْفَرَى وعروة بن الورد. وهم من الخلعاء الذين شكلوا طائفة الصعاليك المشهورة. كانوا يمضون على وجوههم في الصحراء، فيتخذون النهب وقطع الطريق سيرتهم ودأبهم… عُرفوا بعدم انتمائهم لسلطة قبائلهم وواجباتها، حيث انشقوا عنها أو طُردوا منها. ومعظم أفراد هذه الجماعة من الشعراء المجيدين وقصائدهم تعدّ من عيون الشعر العربي. يقول سليل الشنفرى في سياق حلقة ذكر الآباء عند العقبة: “كان أبي ذا أنفة يسلب ولا يطلب، كان يطيل الصبر على الجوع حتى يذهل عنه… وكان يفضل أن يستف التراب على أن يكون لإنسان عليه نعمة…” (ص 132). يحيل على قول الشنفرى:
أديم مطال الجوع حـتــــــى أميته * وأضرب عنه الذكر صفحا فأذهل
وأستف ترب الأرض كيلا يرى له * علي مــــن الطول أمــرؤ متطول

فنون النثر

انتشرت أيضاً فنون النثر في الجاهلية واشتهر خطباء العرب. وكان الخطباء يردون الأسواق، ينصحون قومهم ويرشدونهم، على نحو ما هو معروف عن قس ابن ساعدة وخطبته بسوق عكاظ. وهو الذي قال فيه الني صل الله عليه وسلم: (رأيته بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول: “أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا؛ من عاش مات ومن مات فات”.)
“رأى قوما قد تحلقوا حول خطيب على جمل له أحمر، وهو يعظهم، يشير بقوسه ويقول:
– أيها الناس اجْتَمعُوا واسمعوا وعوا.. من عاش مات.. ومن مات فات.. وكل ما هو آت آت.. إن في السماء لخبرا.. وإن في الأرض لعبرا.. نجوم تمور وبحار تغور.. وسقف مرفوع ومهاد موضوع.. أقسم قُسٌّ بالله قسما، لا حانثا فيه ولا آثما، إن لله دينا هو أرضى من دين أنتم عليه. ما لي أراهم يذهبون ولا يرجعون؟ أَرَضوا بالمقام فأقاموا؟ أم تُركوا فناموا؟ سبيل مؤتلفْ وعمل مختلفْ…”، “حج الفِجَار”، ص 19.

شياطين الشعراء
في الجاهلية، كان لكل شاعر شيطانه الذي ينفث فيه الشعر. يقول لبيد لشيطانه:
-“لم تعد شيطاني! ولم تعد رُقَاك ترضيني، بعد أن منعتني الآلهة من عرض شعري على الحَكَم.. جرى ببيننا الغراب الأبْقَعُ.. سأبحث لنفسي عن شيطان آخر.
-“أنت وذاك! إذا كنت ترفضني فالشياطين كثر: وإن كنت تريد استبدال شيطانك فالفرصة سانحة الآن، فشياطين الشعراء يقيمون موسمهم بعُكَاظ. وهم الليلة مُنْتَدون في قبة الشيخ إبْليس، عند غَبْغَبِ جِهارْ، يُوَبِّخون هَاذَر…
– هَاذَر؟
– نعم هَاذَرْ، شيطان النَّابِغة!
– وما لهم ولشيطان النَّابِغة؟
– الشيخ إبليس يتهمه بأنه حرَّف رقى الشياطين!
– شيطاني! أتوسل إليك، خذني إلى هناك!”، حج الفِجَار، ص 26.
نجد من بين شخوص حج الفِجَار الشيخ إبليس وأبناؤه (زلَمبور، داسِم، تبر، الأعور، ومِسْوطْ) وزمرة من شياطين الشعراء وثلة من الكهنة وبعض التوابع من الجن، كأم حَمَل…

سوق عكاظ
كانت مكة في الجاهلية مدينة تجارية عظيمة؛ وكانت بها الكعبة أكبر معابد العرب حينئذ. فكانوا يحجون إلى أصنامهم وأوثانهم فيها. وتقيم لهم هوازن وقريش المواسم والأسواق، كسوق عكاظ، وكانت أكبر أسواقهم. كانوا يقيمونها بالقرب من عرفات. ولم تكن سوق تجارة فحسب، بل كانت سوقاً للخطابة والشعر أيضاً. كانت تضرب للنابغة فيها قبة من أدم حمراء ويفد عليه الشعراء يعرضون شعرهم، فمن أشاد به طار اسمه. كانت العرب تقضي الـ 20 يومًا الأولى من شهر ذي القعدة في سوق عكاظ ثم تسير إلى سوق مَجَنَّة فتقضي فيه العشرة أيام الأخيرة من الشهر، ثم يسيرون إلى سوق ذي المجاز. كانت هذه الأسواق مؤتمرات كبيرة للعرب تقوم فيها المفاخرات والمنافرات. «ليالي عُكَاظ ميْسر ونِدام ومعاقرات ومفاخرات..» حج الفِجَار ص. 24

سوق مَجَنَّة

«بعد عشرين يوما في عُكاظ، انصرف أهل الموسم إلى مَجَنَّةَ، بين شَامَةَ وطَفِيلْ، الجبلين المشرفين عليها.. فأقاموا بها عشرا، أسواقهم قائمة والناس على مداعيهم وراياتهم منحازين في المنازل، تضبط كل قبيلة أشرافها وقادتها، ويدخل بعضهم في بعض، ويجتمعون في بطن السوق، متناشدين ومتبايعين. جاءوا إلى مَجَنَّة حجاجا محرمين يسوقون هديهم المُقلَّد والمُشْعَرَ. كانت مساكن الجن تكثر في مَجَنَّة، وفيها يكثر المجون.. وفي مَجَنَّة تتجسم المخاوف والأحلام، فتهتف بهم الهواتف، ويعترض لهم الجان في ضروب الصور والثياب، ذكرانا وإناثا، وأكثرهم الجنيات اللاتي تتغول لهم لتفتنهم.. فتتلوَّن لهم في صور السعالي والغيلان التي تشبه خلق الإنسان، لكن أرجلها تكون أرجل حُمر أو أعْنُزٍ؛ تسايرهم في الليل، ترفع أعناقها وتمدها. يسكن الجن القِفار والأودية والمهامِه الموحشة حول مَجَنَّة فيلقونهم في تلك الفلوات الواسعة، كما يجدونهم في الصحراء يتسكعون على الرمضاء، فاغرين أفواههم من العطش.. فينزلون فيسقونهم حتى يرتووا وينتعشوا. وفي مَجَنَّة يلتقون أصحابهم من الجن، رِئِيِّيهم ورِئِيَّاتِهم وتابعاتهم وتوابعهم، يصحبونهم ويعاشرونهم ويخالطونهم ويفدون على نيرانهم، فيرون ملامح وجوههم، ويحيونهم تحية الجن، فيقولون لهم: ”عِمُوا ظلاما!“ ويتلَوَّن لهم الجان في كل الأشكال.. ومنهم من يتقاتل معهم.. ويقولون إن الغول إذا ضُربت ضربة واحدة ماتت.. فإذا أعاد الضارب ضربة أخرى قبل أن تموت فإنها لن تموت. وتتشكل لهم في صورة حيات، فمن قتل منها حية اضطربت عليه وقتلته. ويمس بعضهم الجان الذين يخالطونهم في مَجَنَّة، فيصابون بشتى الأمراض.. وقد يكون ذلك معاقبة على قتل حية، أو يربوع أو قنفذ، أو غزال، أو أرنب، وهي مراكب الجن وأحبابهم.. فيقدمون للجن، الدية فيُشفى المريض…» حج الفِجَار ص. 47 أما في ذي المجاز فهم كانوا يجيرون الجار ويتبرؤون من الخلعاء ويفتدون الأسرى ويدفعون الديات وينظرون في خصوماتهم وكل ما يتصل بهم من شئون. ويحتكمون إلى حكمائهم. «لما دنا موعد عقيقة خُنْثَى أبي الأشهل، ارتاب: أيعطيه اسم أنثى أم ذكر. فقرر أن يستشير حكيم الموسم، عامر بن الظَّرِب العدواني. وكان أهل الموسم لا تكون بينهم نائرة ولا عضلة في قضاء إلا أسندوا ذلك إليه ثم رضوا بما قضى.» حج الفِجَار ص. 60
سوق ذي المجاز
كانوا يرحلون إلى ذي المجاز بعد فراغهم من سوق مَجَنَّة، وفيها كانوا «يتبرؤون من الخلعاء، يُشهدون على ذلك في السوق ليكونوا في حل من جناياتهم.. فلا يحملون عنهم جريرة ولا يثأرون لهم.. وكذلك يفعلون إذا أجاروا. وفي ذي المجاز يعطون لحلفائهم براءات بأنهم أجاروهم، فيدفعون إليهم السهام وقد كتبوا عليها: ”فلان جارُ فلان“ أو ”فلان جار بني فلان“ ويقولون لهم: ”قَوْقِلُوا بها في مساكننا حيث شئتم!“ وتعقد القبائل أحلافها في ذي المجاز لشن الغارات أو لدفعها، ولحماية الحمية وإباء الدنية، وسكون النفوس إلى نفيس الكثرة والعصبية، يعقدون الأحلاف على دم الذبائح لتكون العلاقة بين الحليفين علاقة الدم الذي هو أساس القرابة. يعْتُرُون عند الأصنام، ويقطعون العهود، ويحلفون ويَلْعَقون الدم.. يغمس كل فريق أيديهم في جفنة ملأى بالدم، ثم يلعق كل رجل ما علق بيده، وقد يغمسون أيديهم في الرُّبِّ أو في الطيب ويتعاقدون عليها، فيعقدون على أمورهم أحلافا مؤكدة على أن لا يتخاذلوا، ولا يسلم بعضهم بعضا، ”ما بل بحر صوفة“. وبعضهم يتحالف على النار، فيضعون عليها الكبريت والملح للتهويل، ويسمونها الـمُهوِّلة. يوّثَّـقون العهود بالتماسح بالأكف، والتعاقد على الملح وباليمين الغموس، مثل قولهم: ”ما سرى نجم وهبت ريح، وبل بحر صوفة، وخالفت جرة درة!“ فيرتج ذو المجاز وجباله بالأهْزَاج تَؤُزُّ أهل الأحلاف أزَّا: ”الدَّمْ! الدَّمْ! الهَدْمْ! الهَدْمْ! الدم! الدم! الهدم! الهدم!“» حج الفِجَار ص. 57

سَجْع الكُهّان
كانت في الجاهلية طائفة تزعم أنها تطلع على الغيب وتعرف ما يأتي به الغد بما يلقي إليها توابعها من الجن. وكان واحدها يسمى كاهناً كما يسمى تابعه الذي يوحى إليه “الرِّئِيُّ”، وهو الجِنّيُّ الذي يطلع الكاهن على ما يزعم من الغيب أو يلهم الشاعر الشعر.
«جاء رجل مضطرب الخَلْقِ أعور، غائر العينين، ناتئ الجبهة، طويل خطم الرأس، في رأسه تصويب كهيئة الإبريق، أمرد، قصير، دقيق الساقين، عليه أسمال مُلَيَّتَيْنِ. وقف على راحلته معتمدا على عصاه. أجال طرفه وأخرج لسانا كلسان الثور، ضرب بطرفه أرنبة أنفه، ورفع عقيرته بصوت دوَّى في القبة:
– والأرض والسماء! والعقاب والصَّعْقاء! واقعة ببقعاء! لقد نفر المجد بني الشعراء! للمجد والنساء…
قاطعه الحَكَم قائلا:
– مَهْ يا هذا! لا يُعرض علينا سَجْع الكهَّان!
فرد الكاهن بحدة:
– ليست لكم معاشر الشعراء الفصاحة، إنما الفصاحة لنا نحن الكهان! يا عُبَّاد! لقد نَفَّرَ القصيد بني عَبْقَر من الشعراء ومن شياطين الشعراء! واللَّوْح الْخافِق، ما أنت بأعلم مني برُقى الشياطين، وإن رِئِيِّي لأعْلَق قولا من شيطانك!» حج الفِجَار ص. 24
كان الكهنة يعمدون إلى ألفاظ غامضة مبهمة، حتى يتركوا فسحة لدى السامعين كي يؤول كل منهم ما يسمعه حسب فهمه وظروفه.

أدب الفنتازيا
“الفنتازيا” هي عبارة من أصل إنجليزي تعني الخيال وتعني نوعا أدبيا يصور ظواهر خيالية خارقة، غالبا ما ترتبط بالأسطورة وتدخل فيها ممارسة السحر. لا ينبغي الخلط بين الفانتازيا والتخيل النفسي، مرض الوهم والتخيلات؛ في الفانتازيا يتم قبول ما هو خارق للطبيعة بشكل عام ويتم استغلاله لتحديد قواعد عالم متخيل، لا يثير الشك ولا الخوف. فالفانتازيا إذا هي نوع من الأدب العجائبي. يعرّف المنظر الأدبي تزفيتان تودوروف، مؤلف كتاب مدخل إلى الأدب العجائبي (1970)4، العجائبي على أنه بين الغريب، أي الواقع الذي يتم دفع حدوده إلى الحد الأقصى، والعجيب، الذي يعتبر الخوارق عادية. فالأدب العجائبي يوظف الخوارق لتغيير قواعد العالم المألوف. تتميز الفنتازيا عن الخيال العلمي الذي يتخيل التقدم العلمي أو التقني، وعن أدب الرعب، حيث يثير اللاعقلاني الخوف والقلق. يرى جي آر آر تولكين، المؤلف الأساسي في مجال أدب الفانتازيا، أن عمله يندرج فيما أسماه « Faërie » وهي نوع من الحكايات عن السحر. العامل المشترك بين العديد من روايات الفانتازيا هو أن أحداثها تدور في ماضٍ بعيد (كالعصور القديمة أو حتى عصور ما قبل التاريخ) بمخلوقاته الخيالية، وأساطيره، وملاحمه، وسحره. هكذا تقدم فانتازيا القرون الوسطى أكوانًا أسطورية يتعايش فيها الأبطال والمحاربون والسحر والشعوذة بشكل عام، وتمزج الثقافات القديمة بعناصر خارقة للطبيعة. تتميز الفنتازيا في الغالب باستلهام العصور الماضية وتتضمن عناصر سحرية. عادة ما يكون أدب الفنتازيا مستوحى من الأساطير والفولكلور وتعود جذوره إلى التقاليد الشفوية، التي أصبحت فيما بعد أدبًا خياليًا.

نشأة أدب الفانتازيا
غالبًا ما تُعزى ولادة الفانتازيا، عن طريق الخطأ، إلى الأعمال الأدبية في العصور القديمة التي تتناول موضوعات أسطورية، مثل ملحمة جلجامش في بلاد الرافدين، والإلياذة والأوديسي في اليونان القديمة، أو حكايات ألف ليلة وليلة، أو المهابهراتا (القصائد الملحمية) في الهند القديمة، أو القصص الشعرية في شمال أوروبا… يوجد أيضا مصدر كبير آخر للعجائب القديمة في الكتب المقدسة، ولا سيما الإنجيل والقرآن والتناخ (أقسام الكتاب المقدس اليهودي). لكن العودة إلى هذه النصوص القديمة للتأريخ للفانتازيا تطرح مشكلة، لأنه في تلك الفترات لم تكن مفاهيم الأدب القصصي والتاريخ والعلاقات التي تربطهما كما هي الآن. لذلك من الأفضل التحدث عن الفانتازيا فقط من اللحظة التي كتبت فيها الروايات لغرض ترفيهي وهذا، حتى لو كانت هذه النصوص القديمة عندما تقرأ اليوم، يمكن أن تثير نفس الإحساس الذي تثيره قراءة الروايات الحديثة، وحتى لو كان كُتاب الفنتازيا يرون في الكتاب القدامى أسلافهم، ويستمدون إلهامهم من أعمالهم.
يتفق النقاد جميعًا على أن فترة ظهور الفنتازيا هي القرن التاسع عشر، مع المؤلف الأسكتلندي جورج ماكدونالد، كاهن وروائي بريطاني (1824 – 1905)؛ أو مع الكاتب والرسام الإنجليزي ويليام موريس (1834 – 1896) الذي أثر على تولكين. لكن الفنتازيا لم تصل إلى الجمهور الواسع حتى نهاية القرن التاسع عشر. ففي أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ظهرت مجلات بلب pulp في الولايات المتحدة ونشرت في حلقات عددًا لا يحصى من القصص القصيرة والروايات التي تنتمي إلى جميع أنواع أدب الخيال. يشير مصطلح “البلب”، وهو اختصار لـ “مجلات البلب”، إلى المنشورات الرخيصة ذات الطباعة الرديئة، والتي كانت شائعة جدًا في الولايات المتحدة خلال النصف الأول من القرن العشرين.

الفنتازيا القرون الوسطى
مع حلول الخمسينيات من القرن الماضي، تمتعت الفنتازيا، وهي النوع الذي أصبح شائعًا، ولكن كان لا يزال يفتقر إلى الاعتراف، بالنجاح العام والنقدي بفضل مؤلفات الكاتب البريطاني تولكين (1892 –1973) الذي اشتهر باعتباره مؤلف الأعمال الكلاسيكية الفنتازية العالمية (الهوبيت The Hobbit وسيد الخواتم The 5Lord of the Rings، الذي أصبح نموذجا لرواية القرون الوسطى الفنتازية، وهو ما يفسر الأهمية الكبرى التي أعطاه المؤلفون الذين جاءوا من بعد تولكين). نما نجاح The Lord of the Rings في الخمسينيات من القرن الماضي في المملكة المتحدة، ثم انتشر إلى الولايات المتحدة في عام 1965 (بفضل طبعة مقرصنة) و1966 (بفضل طبعة مرخصة راجعها تولكين نفسه) حيث لاقت الرواية نجاحًا كبيرًا في الأوساط الطلابية.
بعد ذلك، لم يعد بالإمكان إحصاء عدد الروايات، والقصص القصيرة، والملاحم المنشورة، ذات الجودة غير المتكافئة، لكنها تصنف في النوع الفنتازي، وبدأ هذا النوع ينمو في قارات أخرى. في تايلاند مثلا، يعد The Mermaid Apprentices (حوريات البحر المتدربات) وهو الجزء الأول من ثلاثية فنتازية ألفتها الروائية الشابة بييرتا داون Pieretta Dawn، وهي ما تزال في سن الخامسة عشرة، وتكملة هذا الكتاب، أحد الأمثلة على تأثير سلسلة هاري بوتر. في اليابان أيضا، ظهرت Guin Saga، سلسلة من القصص القصيرة تنتمي إلى نوع الفنتازيا البطولية، ألفتها اليابانية كاورو كوريموتو وكانت قد بدأتها في عام 1979 وخططت لها لتشمل 100 مجلدا، لكنها وصلت في أبريل 2009 إلى عدد 126 مجلدا. تعددت الابتكارات الشكلية والأسلوبية لتجديد الفنتازيا، لكن الشكل السائد يظل هو الرواية المنفردة أو المضمنة في مجموعة روائية.

حج الفِجَار، فنتازيا العصر الجاهلي

حج الفِجَار هي رواية فنتازيا تاريخية تستعيد العصر الجاهلي، البيئة الأصلية للإسلام وآخر معقل للوثنية السامية، لإعادة كتابته بدرجات متفاوتة من العجائبية والسحر. عالم هذا النص مأهول بمخلوقات خرافية (كائنات مشوهة، شياطين…) يتأرجح القص بين عالمين، عالم أساسي هو عالم البشر وعالم ثانوي، عالم الشياطين، بكائناته الخرافية، وشياطينه وجنياته. سواء صنفناها رواية شيطانية أو فانتازيا صحراوية، يمكن أن نقول إن “حج الفِجَار” أبدعت نوعا جديدا من الأدب العربي، فنتازيا العصر الجاهلي. “حج الفِجَار” هي الجزء الأول من ثلاثية مزدوجة باللغتين العربية والفرنسية تتناول الحج إلى مكة في الماضي والمستقبل. عند قراءة النص، يتساءل المرء عن اللغة الأولى التي تمت كتابته بها. كنت أكتب باللغتين، وأكتب النسخة الفرنسية وأنشرها أولاً في كل مرة، حتى كتابتي لمخطوطة مكة الوثنية La Mecque païenne، الأصل الفرنسي لحج الفِجَار، الذي اكتمل سنة 2003، لكنه لم يصدر إلا سنة 2016، في حين صدر تعريبه عام 2005.

الفنتازيا لا تقتصر بالضرورة على العصور الوسطى الأوروبية
توظف رواية “حج الفِجَار” الموضوعات والتقنيات التي تستند إليها قصص الفنتازيا اليوم. ذلك أن الفنتازيا لا تقتصر بالضرورة على العصور الوسطى الأوروبية. ليست العصور الوسطى الأوروبية هي المسرح الوحيد الممكن للفنتازيا. فهناك روايات فنتازية شهيرة مثل تحت الجنة 6Under Heaven للمؤلف الكندي جاي جافرييل كاي Guy Gavriel Kay، والتي تدور أحداثها في الصين في العصور الوسطى، أو سجلات السيف والرمل 7The Chronicles of the Sword and Sand للكاتب الأميركي هوارد أندرو جونز Howard Andrew Jones، والتي تدور أحداثها في شبه الجزيرة العربية القديمة. ومع ذلك، ليس هناك شك في أن فنتازيا العصور الوسطى غير الأوروبية لا تحظى بشعبية مثل تلك التي تحظى بها فنتازيا العصور الوسطى الأوروبية، وذلك لأن القراء بشكل عام أكثر دراية بالسياق الأوروبي.
الجاهلية هي فترة الوثنية في شبه الجزيرة العربية. إنه عالم يشبه عالم القرون الوسطى الأوروبية، بأسلحته البيضاء وفرسانه واقتصاده الريفي وعالمه القبَلي وخياله العجائبي. عالم يستدل فيه المرء بالنجوم. «تساءل في نفسه: «هل ضللت الطريق؟» رفع نظره إلى النجوم فتأكد ظنه..» حج الفِجَار ص. 53 وفيه تكون النباتات أساسًا للمعالجة الطبية، باستثناء السحر. في أيام الجاهلية، كان السحر والكهانة لا ينفصلان، وكان للكهنة تأثير كبير على المجتمع. الكاهن هو من يدعي معرفة الأسرار والغيب اعتماداً على أخبار الجان‏؛ وهو ساحر يضع الأرواح البشرية في علاقة مع أرواح الجن والشياطين، إلا الشعراء الذين هم أصلاً في علاقة مع عالم الجن من خلال شياطينهم. أن تكون شاعراً في الجاهلية، يعني أن تكون لك علاقة مع الشياطين. في العصر الجاهلي، كان العرب مقتنعين بأن الشياطين تلهم الشعراء شعرهم وبلاغتهم: كل شاعر كان له شيطانه المعين الذي يؤلف شعره، مثل هاذر، شيطان النابغة ولافظ بن لاحظ، شيطان امرئ القيس…
من خلال التنويع عبر الأطر الزمنية المختلفة، وكذلك عبر الثقافات، يستطيع كتاب الخيال العلمي والفنتازيا تقديم منظور جديد تمامًا لقرائهم. هذا ما جعلني أبتدع الفنتازيا العصر الجاهلي.

المراجع
شوقي ضيف، العصر الجاهلي، دار المعارف؛
الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير؛
هشام بن محمد الكلبي، كتاب الأصنام، تحقيق حمد زكى باشا؛
تزفتان تودوروف، مدخل إلى الدب العجائبي، ترجمة الصديق بوعلام، دار الكلام؛
J. R. R. Tolkien, The Lord of the Rings;
Guy Gavriel Kay, Under Heaven ;
Howard Andrew Jones, The Chronicle of Sword & Sand ;
Journal of medieval and humanistic studies. Anne Rochebouet et Anne Salamon, Les réminiscences médiévales dans la fantasy .