هل يصمد اقتصاد سنغافورة أمام الركود العالمي؟

هل يصمد اقتصاد سنغافورة أمام الركود العالمي؟

شؤون آسيوية- بقلم رشا النقري
سنغافورة، هذه الدولة الصغيرة جنوب شرق آسيا،
كانت مستعمرة بريطانية لأكثر من مئة عام.
مساحتها لا تتجاوز 700 كيلومتر مربع، تتميز
بالتنوع العرقي الذي رافقه التنوع في الأديان.
هُزمت بريطانيا من قبل سنغافورة عام 1942 خلال
الحرب العالمية الثانية في معركة وصفها رئيس
الوزراء البريطاني وتستون تشرشل بأنها أسوأ كارثة
وأكبر استسلام في تاريخ بريطانيا.
وفي عام 1954 استعاد البريطانيون الجزيرة
وسمحوا لها بإجراء الانتخابات العامة عام 1955
ورفضوا الحكم الذاتي. حتى عام 1959 العام الذي
أتى حاملاً انتخابات فاز فيها حزب العمل الشعبي،
واستلم لي كوان يو رئاسة الوزراء وتولى مهمة
النهوض بسنغافورة بالتغيير الشامل، أدار لي البلاد
30 عاماً بدأت عام 1960 وانتهت بتخليه عن
السلطة طوعاً عام 1990.

أعلنت سنغافورة استقلالها عن بريطانيا عام 1963،
وانضمامها للاتحاد الماليزي الذي لم يدم طويلاً.
كان الوضع الذي واجهته سنغافورة عند الاستقلال
متقلباً ويتجلى خاصة في القاعدة الاقتصادية
والمشكلات الاجتماعية علاوة على البطالة وتدني
مستوى التعليم.
كانت مرحلة ستينيات القرن العشرين الأقسى في حياة
سنغافورة فهي لم تكن قادرة على إدارة ذاتها بسبب
نقص الموارد والخدمات والتعليم والصحة وانتشار
الفساد الإداري والمالي ووجود بنية تحتية مهترئة.

بناء الدولة وممارسة القيم الآسيوية
بالرغم من جميع التحديات التي واجهتها سنغافورة،
انقلبت في عقود قليلة الى دولة موحدة ذات موارد
فائضة ورؤية تنموية أبهرت العالم. فقد استطاعت
الحكومة بفضل قدرتها على توجيه سلوكيات

المواطنين وقراراتهم أن تبني دولة ومجتمعاً يحظيان
باحترام العالم.
أدركت الحكومة أن السبيل الوحيد للنهوض وضمان
النجاح هو أن تمسك بزمام الأمور لتضمن تلبية جميع
احتياجات السكان المادية.
ركزت الحكومة على مجالي التكنولوجيا والتعليم حيث
بدأ لي كوان سياسته بالاستثمار في الموارد البشرية
فهي أداة التغيير، من خلال تحسين ظروف التعليم
والصحة وتكثيف البعثات للخارج وتطوير المستوى
الإنساني والصناعي من خلال إنشاء المدارس الفنية
والاعتماد على برنامج شامل التصنيع.
تم إنشاء مجلس التدريب المهني والصناعي عام
1970 لدعم وتنويع القاعدة الصناعية للاقتصاد.
شجّع موقع سنغافورة الاستراتيجي في قلب آسيا
حكومتها على اتباع نموذج للتنمية الاقتصادية تعطي
فيه الأولية للإستثمار الأجنبي المباشر، حيث تم إنشاء
مجلس التنمية الاقتصادية الواسع لجذب الإستثمارات
الأجنبية على نطاق واسع للبلاد على الرغم من
ارتفاع تكلفة بيئة التشغيل نسبياً في سنغافورة، مع

إلزام الشركات الأجنبية بتدريب العمال السنغافوريين.
كل ذلك كان بالتزامن مع خلق بيئة آمنة خالية من
الفساد. وهذا ما زاد التدفقات الإستثمارية الأجنبية
الوافدة بشكل كبير من خلال العقود التي تلت ذلك ،
فاجتذبت حكومة سنغافورة شركات متعددة الجنسيات
التي مثلت أكثر من ثلثي المنتجات الصناعية ومبيعات
التصدير. وكانت الولايات المتحدة تتصدر حجم
الاستثمارات الأجنبية في قطاعات تصنيع
الإلكترونيات وتكرير النفط وتحزينه والصناعات
الكيمائية، وشجّعت الحكومة أيضاً الشركات على
الاستثمار خارج سنغافورة وكانت جمهورية الصين
الشعبية الوجهة الأولى.
علاوة على ذلك، إن اتصال سنغافورة الواسع
بالأسواق الإقليمية والعالمية أدى إلى تعزيز مكانتها
كمحور يربط آسيا بالعالم، حيث تم تنظيم البنية
الأساسية لميناء سنغافورة وتنمية وتطوير وتحديث
للمعدات المرتبطة به، الأمر الذي انعكس على أحجام
ونوعية السفن المترددة عليه، وبالتالي تعاظم دور
الميناء في حركة النقل والتجارة العالمية وقدرته على

توفير خدمات عالية الإنتاجية، والكفاءة في تداول
البضائع وتخزينها وتوفير قيمة مضافة اليها.

التجارة في سنغافورة
التجارة هي أهم مكونات الاقتصاد السنغافوري
العملاق. فقد قام لي بالتركيز على جودة التعليم في كل
مرحلة ونجاحه في مجال التكنولوجيا الحديثة والتقدم
العلمي باستمرار وبلا حدود ومحاولة جذب العقول
الوطنية والعالمية للاستفادة منها في مزيد من التطوير
والبحوث مع تقديم جميع التسهيلات لها وإدراك
متطلبات الحياة الحديثة المنتجة في عالم العولمة،
وتعلم اللغة الأجنبية وخاصة الإنكليزية، لأنها اللغة
الدولية للتجارة والدبلوماسية والعلوم والتكنولوجيا.
ووقعت البلاد شبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية في
السنوات الأخيرة، تضم حالياً اتفاقيات التجارة الحرة
في آسيا على أوسع قطاع مع دول مجلس التعاون
الخليجي حيث تعبر أسواق الخليج العربية أكثر جاذبية
للمستثمرين الأجانب وكذلك اتفاقات مع الاتحاد

الأوروبي، ومع النظم الاقتصادية الرئيسية، اليابان
والولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا.

السياسة النقدية لسنغافورة
تم إنشاء السلطة النقدية لجمهورية سنغافورة عام
1971. وهي تدير مختلف القوانين المتعلقة بالنقود
والمصارف والقطاع المالي بشكل عام.
تستخدم سنغافورة سعر الصرف وليس معدلات الفائدة
في مراجعاتها النصف سنوية والتي تصدر في نيسان
/ أبريل وتشرين الأول / أكتوبر من كل عام بحسب
تقرير “بلومبرغ”.
سعر الصرف يعد أسهل نسبياً التحكم به عبر
التدخلات المباشرة في السوق، كما أن سعر الصرف
لديه علاقة ثابتة وقابلة للتنبؤ مع استقرار الأسعار،

ويناسب اقتصاد سنغافورة المفتوح المعتمد على
التجارة.

انتعاش اقتصاد سنغافورة بوتيرة متسارعة
اقترن التطور السريع لاقتصاد سنغافورة باعتراف
القانون بحيادتها مطلع القرن الحادي والعشرين
لاعتمادها المقر الرئيسي لمنتدى التعاون الاقتصادي
لدول آسيا والمحيط الهادئ والمنتدى الاقتصادي
العالمي. ففي عام2021شهدت سنغافورة تعافياً قوياً
وحققت معدل نمو عالياً وسريعاً وفقاً لبيانات البنك
الدولي، وهو أسرع معدل منذ عقد في أعقاب الركود
الناجم عن جائحة كورونا، بسبب العوامل الخارجية
الإيجابية المرتبطة بالتوسع العالمي المتزامن مع
ازدهار الطلب على الأجهزة الإلكترونية.

لا شك أن هناك عوامل تساعد أي بلد على أن يصبح
مركزاً مالياً دولياً. وتشمل البنية التحتية المتطورة جداً
لعمل المؤسسات البنكية والمالية العالمية، ورأس المال
البشري، والبيئة التنظيمية غير المقيدة نسبياً،

والضرائب المنخفضة، والإستثمار الأجنبي.
وسنغافورة تمتلك خليطاً جيداً من هذه العوامل ما
جعلها وجهة جذابة للأعمال التجارية.
تعد سنغافورة إحدى أعلى الدول استقبالاً للإستثمارات
الأجنبية المباشرة في العالم وتعاني كغيرها من
الإقتصاديات في جميع أنحاء العالم من التضخم
والإنكماش. فقد تباطأ اقتصادها نتيجة الأزمة المالية
العالمية لسنة 2008.
ومع الركود المتوقع، عادةً ما تقل التحركات الدولية
لرؤوس الأموال، وسنغافورة لا تستطيع التحكم في
نسق التجارة العالمية بطبيعة الحال ولا في الإتجاهات
الرئيسية لرأس المال الأجنبي مما يجعلها مهددة
بالتراجع ما لم تتغير الظروف الدولية.

التحديات الراهنة وقدرة سنغافورة على تحمل
الأزمات الاقتصادية في العالم
في وقت لم يتعافَ فيه الاقتصاد العالمي بشكل كامل
من الإغلاقات الناتجة عن جائحة كورونا، أتت الأزمة
الجديدة مبنية على أزمة سابقة، الأزمة العالمية

المتوقعة بمدفوعات الطاقة واستمرار الحرب بين
روسيا وأوكرانيا وما ينتج عنها من قرارات وعقوبات
اقتصادية وسياسية وتجارية.
كل هذه التداعيات تؤدي الى إبطاء النمو الاقتصادي
ورفع معدلات التضخم والاختلالات في العرض
والطلب، وسنغافورة عرضة للتقلبات في الأسواق
المالية وحساسة للتغيّرات في اتجاهات الطلب العالمي
المؤثرة بشدة على النشاط الاقتصادي العالمي
والمؤثرة في اضطرابه.
لكن هيئة النقد السنغافورية على استعداد للتكيف مع
المواقف الأكثر تقييداً بشكل أسرع إذا لزم الأمر وهذه
الخطوة مهمة لتحقيق الإستقرار في توقعات التضخم
ومنع الأسعار من النزوح عن السيطرة.
وهنالك أيضاً استثمارات كبيرة في النفط والغاز
خاصة مع دول الخليج وشركات النفط كما لها رأس
مال جيد إضافة الى مساهمة القطاع السياحي
وشركات التكنولوجيا مساهمة كبيرة، وامتلاكها
لسياسات اقتصادية قوية، فهناك نسبة معينة من الأمان
لمواجه الأزمات العالمية.
كاتبة سورية بالاقتصاد والتنمية