مصر مابعد الثورة بين غضب الإخوان وحكم الجيش

شجون عربية- أمين سمودي
يعتبر عام 2011 الحاسمة في تاريخ الدول العربية، من خلال ما عرف بـ”ثورات الربيع العربي”، والتي رأت الشعوب العربية أنها مغلوب على أمرها، حيث كانت تونس هي السباقة في بداية سقوط الأنظمة الاستبدادية رافعة شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، إلى أن سقط النظام في 14 كانون ثاني/يناير 2011، تلاها سقوط نظام الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك عقب ثورة 25 في كانون ثاني/يناير 2011، ليتم بعدها انتخاب أول رئيس مدني في تاريخ مصر ممثلًا في الرئيس الراحل محمد مرسي والمنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، إلا أنه تم الانقلاب عليه بعد عام من توليه منصبه من خلال ثورة 30 حزيران/يونيو 2013 وإسقاط نظامه، وعودة الحكم العسكري لمصر من خلال نظام عبد الفتاح السيسي.
أولًا: النظام السياسي المصري:
من أبرز المقاربات التي ناقشت النظام السياسي المصري ما يلي:
1. مقترب علاقة الدولة بالمجتمع: ومن خلاله يناقش العلاقة بين مؤسسات الدولة والنظام السياسي من جهة، والمجتمع وتفاعلاته من جهة أخرى، فالنظام السياسي معقد ومتشابك، حيث يتسع نطاقه ليشمل العديد من التنظيمات والمؤسسات والعلاقات الرسمية وكافة التفاعلات البنائية والمؤسسية بجانب شخص رئيس الدولة والمستشارين، وتطورت العلاقة بين الدول والمجتمع وفقًا لكل مرحلة مر بها النظام بدءًا من العام 1952، والتي تميزت باختراق مختلف التنظيمات الاجتماعية والسياسية والعمل على تكريس نظام سياسي واحد، بينما في العام 1977 تميز بعودة التعددية الحزبية وظهور جمعيات المجتمع المدني، وعقب فوز الرئيس الراحل محمد مرسي اتسمت المرحلة باتساع هامش الحرية والتعبير وشهدت انفتاحًا غير مسبوق في الحياة السياسية، بينما فترة حكم عبد الفتاح السيسي فقط اتسمت بالتذبذب الكبير في سلم الحريات والحد من النشاطات والتنظيمات الحزبية، واعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية.
2. مقترب الاقتصاد السياسي: شهدت مصر في عهد الرئيس الأسبق مبارك صعودًا كبيرًا لرجال الأعمال، من خلال استفادتهم بالعلاقات مع السلطة الحاكمة، وتكوين ثروة ضخمة، ما مكنهم من ممارسة ضغوط كبيرة على السلطة للحصول على صفقات ومشاريع استثمارية بمليارات الدولارات، وكان من بينهم أحمد عز وجيب ساويرس.
3. مقترب العولمة والنظام العالمي: كان هناك تفاعلًا بين العوامل الداخلية والخارجية من خلال نجاح ثورة 14 كانون ثاني/يناير 2011 التونسية، حيث ساهم تفشي الفساد والتسلط احتقان الشارع المصري والثورة على نظام مبارك والذي استمر 30 سنة إلى أن خرج الشعب بشعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، وساهمت عوامل تكنولوجيا الاتصال والإعلام الحديثة في دعم حرية الشعوب وتقرير مصيرها والتخلص من الاستبداد والتسلط، إضافة إلى ما ظهر من ضغوط دولية كبرى خاصة الولايات المتحدة الأمريكية للحفاظ على مصالحها في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وضمان نظام سياسي مصري يحفظ أمن “إسرائيل” بالدرجة الأولى، وهو ما ظهر بعد ذلك من خلال التعامل مع نظام محمد مرسي والانقلاب العسكري عليه الذي قاده وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي في 30 حزيران/يونيو 2013، بحجة إنقاذ الدولة من حكم الإخوان.
ثانيًا: طبيعة النظام السياسي المصري:
وصف أستاذ العلوم السياسية حسن نافعة النظام المصري بالنظام “شبه الشمولي”، و”شبه التسلطي” وغير الديمقراطي، حيث وضع مبررات صعوبة توصيف النظام المصري والمتمثل في: التناقض بين النصوص والممارسات، وأن النظام المصري خارج التصنيفات الأكاديمية المتعارف عليها، فيما وصفه الدكتور علي الدين هلال من خلال مروره بعدة مراحل وهي: مرحلة التعددية السياسية الأولى والممتدة ما بين العامين 1923- 1952، والتي تميزت بحصول مصر على استقلالها القانوني إلى أن انتهت باستيلاء الجيش على السلطة، وفشل الحكومات المتتالية في تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتلبية احتياجات الشعور، والمرحلة الثانية كانت المرحلة الثورية والتنظيم السياسي الواحد الممتد ما بين العامين 1952- 1976، وهي المرحلة الناصرية نسبة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حيث اتسمت بوجود تنظيم سياسي شرعي ووحيد في البلاد، وغياب التعددية السياسية، وغياب المعارضة السياسية، وأخيرًا مرحلة التعددية السياسية الثانية ما بين العامين 1977- 2010، بدءًا من الرئيس الراحل أنور السادات رافعًا شعار “سيادة القانون ودولة المؤسسات”، وقيامه بالإصلاحات السياسية والاقتصادية من خلال التحول من القطاع العام إلى الخاص من خلال ما يسمى بـ”الانفتاح الاقتصادي”، والتعددية السياسية المقيدة، والتحول من الحليف السوفيتي وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 وصولًا إلى حادثة اغتياله خلال احتفالات 6تشرين أول/ أكتوبر 1981.
إلى أن جاءت مرحلة حكم مبارك ما بين العامين 1981- 2010، ووجود الصلاحيات الواسعة للقطاع الخاص وبروز رجال أعمال يملكون ثروات ضخمة وهيمنة الحزب الوطني الديمقراطي على أغلب وزارات الدولة، إلى أن جاءت مرحلة الحكم المدني والشرعية الدستورية منذ بدء تولي الرئيس الراحل محمد مرسي مرشح جماعة الإخوان المسلمين الحكم والتي تعتبر أقصر مدة حكم لأول رئيس منتخب والذي فاز بنسبة 51.85%، والتي تميزت بمحاولة أخونة الدولة المصرية بمنح صلاحيات واسعة له وسن قوانين تمنح الأولوية للمسلمين لتولي مناصب عليا على حساب الأقليات المسيحية، ودخول مصر في حرية إعلامية في مختلف الوسائل، وصلت إلى حد الفوضى وتغييب شروط الاحترافية والمهنية خاصة بين مؤيدي الإخوان، وبروز دعوات لانتخابات مسبقة، وأخيرًا مرحلة الأمنوقراطية والتي عادت من خلالها هيمنة الجيش على الحياة السياسية عقب الإطاحة بحكم محمد مرسي والانقلاب العسكري الذي قاده عبد الفتاح السيسي.
ومن أبرز خصائص مرحلة حكم السيسي والمستمرة تمثلت بالانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان خاصة مجزرة رابعة العدوية والتي تمثلت بقتل حوالي 670 مواطنًا وإصابة حوالي 4400 لرفضه الانقلاب العسكري والمطالبة بعودة الشرعية الدستورية، والتي اعتبرتها منظمة هيومن رايتس ووتش جرائم ضد الإنسانية، إضافة إلى حل جماعة الإخوان واعتقال قياديها وعلى رأسهم الرئيس مرسي بحجة تهديد الأمن القومي المصري، إضافة إلى تنامي العمليات الإرهابية شمال سيناء، والأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
ثالثًا: النظام السياسي في ظل حكم الإخوان:
يعتبر فوز الإخوان المسلمين بعد ثورة 25 كانون ثاني/يناير 2011 بمثابة الصدمة للعلمانيين والمناصرين لنظام مبارك، إضافة إلى الترحيب من قبل حلفاء الإخوان في تركيا وقطر، إلا أنه مقابل ذلك لم يستمر النظام أكثر من عام حيث تم الانقلاب على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، وذلك من خلال ثورة 30 حزيران/يونيو 2013، وما يليه من خطاب الإطاحة في قصر الاتحادية في 3 تموز/يوليو 2013، لينتهي الأمر بسجن الرئيس مرسي ووفاته فيما بعد.
1. نشأة تنظيم الإخوان المسلمين:
نشأت الجماعة بداية في الإسكندرية عام 1928 بزعامة حسن البنا، كجمعية دينية تدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتغلغل التنظيم في المجتمع المصري من خلال المجالات الاجتماعية التربوية والخدمية، ما أكسبها تعاطف شريحة واسعة من المجتمع، إلى أن قرر رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي حل الجماعة ومصادرة أموالها وممتلكاتها واعتقال البنا في العام 1948، وكان الرد القيام باغتيال النقراشي، ومن ثم اغتيال حسن البنا عام 1949، كما شهد العام 1965 موجة أخرى من القمع ضد الإخوان والتي أدت إلى إعدام سيد قطب أحد أكبر مفكري الجماعة، وانتشار القمع ضدها حتى وفاة جمال عبد الناصر عام 1970.
وعقب تولي الرئيس محمد أنور السادات الحكم بدأت مرحلة جديدة في التعامل مع الجماعة، من خلال الإفراج عن معتقليها والسماح لها بدخول الميادين العامة وتأسيس الجمعيات الإسلامية والحق في خوض الانتخابات البرلمانية، وفي عهد حسني مبارك سنة 1981 تم السماح للقوى الإسلامية باستخدام الوسائل السلمية ونبذ العنف بالتعبير عن نفسها والدخول في الحياة السياسية، إلى أن تمكنت من الوصول إلى سدة الحكم الرئاسي بعد الثورة على حكم مبارك في 25 كانون ثاني/يناير 2011، وإسقاط حكمه، وتولي محمد مرسي الرئاسة ليكون أول رئيس مدني منتخب لمصر.
2. ومن أبرز الأسباب التي أدت إلى فوز الإخوان المسلمين في الرئاسة بمصر ما يلي:
أ‌- صعود الإسلام السياسي، عقب اندلاع ثورة 25 كانون ثاني/يناير 2011 استطاعت الجماعة من الفوز في الانتخابات الرئاسية، والتي اتسمت الانتخابات بالشفافية والنزاهة في سير العملية الانتخابية، كونها كانت التنظيم الوحيد السياسي والاجتماعي الأكثر تنظيمًا مقارنة بالأحزاب والتنظيمات السياسية الأخرى، وتبني سياسة التمترس بالمجتمع من خلال المشاركة في معظم المظاهرات والانضمام إلى الاحتجاجات، وحشد أعداد كبيرة من أتباعهم ومن غير أتباعهم، كما اعتمدت الجماعة من اتخاذ موقف عملي تصالحي مع باقي الأطراف والتآلف مع المعارضة، وعدم رفع أي من الشعارات الدينية، إضافة إلى الأسباب غير المباشرة والمتمثلة بالوقوف أمام الاستبداد والتسلط الذي جثم على الشعب المصري لعقود من الزمن، وتفشي الفساد في كافة مرافق الدولة وتحالفاته.
ب‌- خسوف الإسلام السياسي، من خلال عزل الرئيس مرسي واعتقاله وسجن أغلب قيادات الجماعة بحجة فقدانهم الشرعية وتهديد الأمن والاستقرار للنظام السياسي المصري، فكان هناك عدة أسباب تمثلت بربط جماعة الإخوان بالدولة، ووراثة النظام وضع اقتصادي متدهور، واستمرار زيادة البطالة والتضخم، وغلاء الأسعار وغلاء المعيشة، وتدني الأجور وأطفال الشوارع، إضافة إلى أخونة الدولة وهو الاتهام الذي رفعته المعارضة بالدرجة الأولى ضد الرئيس الراحل مرسي، والإعلان الدستوري والقوانين والقرارات الصادرة عن رئيس الجمهورية.
ت‌- الأسباب الخاصة والمتمثلة في حرص الجماعة على التمسك بخطاب العموميات والخلط بين العمل السياسي والنهج الدعوي، وعدم الحسم الكامل في بعض القضايا الجوهرية، إضافة إلى المبالغة في المناداة بتطبيق الشريعة الإسلامية وتوظيف الدين الإسلامي لصالحها بطرحها للشعارات التعبوية كـ”الإسلام هو الحل”، ما تم اعتباره تهديدًا للنظام.
3. ومن الأسباب التي أدت إلى سقوط نظام الإخوان ما يلي:
أ‌- الفشل في التعاطي مع مسألة السلطة والحكم بنحو فعال.
ب‌- المشاكل التنظيمية والتي أدت إلى إرباك حسابات الجماعة وقصر رؤيتها السياسية.
ت‌- تكالب الدولة العميقة ونجاحها في استدراج الجماعة إلى معارك جانبية تم استنزاف قوة الجماعة وإفشالها.
رابعًا: النظام السياسي المصري بعد 30 حزيران/يونيو 2013:
شهدت تلك الفترة انقسامًا كبيرًا، واتحدت كافة الأحزاب مع الجيش للإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي، إلى أن سقط الحكم، وانتخاب عبد الفتاح السيسي كرئيس لمصر وعودة الحكم العسكري، وفي تلك الفترة قام المعارضون للانقلاب بتنظيم مظاهرة برابعة العدوية والتي اعتصم خلالها أنصار الإخوان وتجمعت في رابعة العدوية إلا أنه نفذت بحقهم مجزرة أدت إلى مقتل المئات وإصابة الآلاف.
ولعبت شخصية عبد الفتاح السيسي دور كبير في تصدر مشهد المؤسسة العسكرية والتي أدت إلى عودة الحكم العسكري واستخدم نفس شخصية جمال عبد الناصر الثورية والشخصية الملهمة، إلى أن استلم الحكم والتي اتسمت فترة حكمه بالهيمنة والقبضة الحديدية وعودة الحكم العسكري والتراجع عن العديد من المكتسبات الديمقراطية التي حققتها ثورة كانون ثاني/يناير 2011، خاصة هامش الحرية والحق في المعارضة السياسية، من خلال القيام بحملات اعتقال ضد المعارضين وكل من يحاول الاعتراض على أي قرارات رئاسية أو حكومية، كما اتسمت فترة حكم السيسي في نشر الكراهية والانقسام داخل المجتمع المصري، والإعلان الصريح عن تعديل دستور 2014.
وفي النهاية، يتصف النظام السياسي المصري الحالي بتفكيك الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى التحديات على المستوى الداخلي والخارجي، ووجود تحولات كبيرة وتهديدات لا متناهية تواجه النظام السياسي الحالي، والذي اتسم بتكريس الحكم العسكري وتفويت الفرص على الشعب المصري في إحداث القطيعة مع الاستبداد والتسلط، رغم كافة الضغوطات من الداخل وتحديات الخارج، إلا أنه يبقى الأمل قائمًا في بناء نظام ديمقراطي فعال يؤسس لجمهورية عربية مصرية قوية تقود الأمة العربية إلى الأفضل.
مصدر: باحث في دراسات الشرق الأوسط الجامعة العربية الأمريكية فلسطين.