مذبحة المشترك المغاربي في علاقات الأنظمة السياسية المغاربية

مذبحة المشترك المغاربي في علاقات الأنظمة السياسية المغاربية

بقلم: عبد المجيد بن شاوية* |
كل كيان إنساني يحوز ما يختزله في علاقاته بإحداثيات وجوده، له هويته الخاصة، تاريخيا وحضاريا، تراث شاهد عليه، موروثات ورثها عن الأسلاف، فينقلها عبر الأجيال، في كل أشكالها وتلاوينها، المادية والرمزية، في رمزيتها لهوية إنسانية خاصة بأقلية أو شعب أو أمة، تسترسل في شرايين كتلة بشرية ما، حيث تساهم في تمتين الأواصر بين الأفراد والجماعات ومجموع مكونات الكتل الإنسانية في اتصال دائم بين الماضي والحاضر والمستقبل.
فالشعوب المغاربية لا تشذ عن هذه الخطاطة النظرية في علاقاتها بما يشكل كينونتها الوجودية، شعوب بدورها تتملك كل مقومات الحضارة، قديما وحديثا، مع بداية أول بذرة تجمع سكاني بجغرافيتها، بانية صروحها عبر كل محطة تاريخية، في تماس وتفاعل وتلاقح مع كل من وفد إلى ربوعها، سواء غازيا محتلا، أو فاتحا لها حاملا معه مشروع نشر دين جديد .. وما إلى ذلك في تفاعلات علاقات الشعوب والأمم ببعضها البعض.
التاريخ والتراث.
بداية، لا بد مما ليس منه بد، أن نقر بكون شعوب الدول المغاربية لها كل مقومات المشترك التراثي فيما بين أفرادها وجماعاتها وإنسياتها، تكونت عبر مراحل تاريخية ممتدة، من الماضي الغابر إلى الحاضر المسترسل، والمفروض تحيينها وإعادة بنائها من قبل جميع فعالياتها، فردية وجماعية ومؤسساتيا، نحو مستقبل له جذوره الضاربة العمق في التاريخ المغاربي، في أفق تمتين روابط اللحمة المغاربية، وتعزيز التساكن والتعايش وإحلال قيم السلام والسلم بين شعوبه ودوله، عملا بتضافر الجهود وبدل المزيد من التعاون والتآزر لأجل الرقي الحضاري على كل الأصعدة، وتحقيق كل التطلعات والآمال التاريخية المنشودة في مخيلة كينونات مكوناتها الإنسية كافة، مع العزم على تظافر كل الإرادات والعزائم لأجل بسط نفوذ الوجود الفعلي كقوة إقليمية فعلية وموطئ قدم ندا للند في علاقاتها مع الأمم الأخرى.
فاالشعوب التي تطاردها المشاعر السلبية والتخوفات الحراكية وانفعالاتها الوجدانية المرضية وتفاعلاتها غير السوية مع أوضاعها على اختلافها، وتفترق بها السبل، لا يمكنها أن تحوز درجة عالية من التقدم بين الأمم الأخرى، إذ لا يمكن الققز على جدليات التاريخ والاجتماع والثقافة والايديولوجيا والسياسة، إذا ما أردنا خلق دول قوية برجالاتها وشعوبها في مستوى تحديات كل مرحلة من مراحل التاريخ، مما يتطلب من شعوب المنطقة المغاربية التخلص من الأنماط السلبية في تعاطيها مع كل مقومات وجودها ومعطياته المتعددة بغير ما يعتمل آنيا في علاقاتها بذواتها في كل المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، والأيديولوجية.

المشترك المغاربي والجغرافيا .
الجفرافيا وطن، الجغرافيا انتماء، الجغرافيا امتداد لكل ما يشكل كل الانتماءات اللصيقة بالأفراد والشعوب والأمم، الجغرافيا حاضنة لكل بذرة من وجود الإنسان على رقعة ما، شعوب المنطقة المغاربية لها جغرافيتها الخاصة بها، تقع في شمال القارة الإفريقية، تطل على البحر الأبيض المتوسط شمالا، المحيط الأطلسي غربا، يحدها شرقا مصر، جنوبا السودان والتشاد والنيجر ومالي.
إنها بداخل جغرافية ذات ممميزات خاصة، كونها تشكل جزء مهما من جغرافية منفتحة على بعضها البعض، ألا وهي جغرافية البحر الأبيض المتوسط، تلاقحت مكوناتها عبر مراحل تاريخية ضاربة في القدم، عن طريق حضارات مرت بمراحل عديدة وغنية في كل مستوياتها، في كنف إمبراطوريات تعاقبت في حكمها عبر ربوعها الممتدة، وبسط نفوذها عليها، إلى أن استقر بها الحال على هذه الشاكلة من المعطيات التاريحية والحضارية، فكان من أقدار التاريخ أن ينفصل شمالها عن جنوبها، وشرقها عن غربها، وجزئها عن مراكزها، في شكل دول وأوطان وجغرافيات يرتبط بعضها ببعض بحسب ما أنتجته تدافعات التاريخ والصراعات التي حصلت فيما سبق من مراحل تاريخية معينة، وتشكلت معها وحدات انتماء لكل فضاء بحسب مكوناته العرقية / الإثنية الدينية والثقافية والحضارية.
فالجغرافيا لها وظائف عديدة في إصباغ كائناتها بملامح وخصوصيات مميزة، وباختلافات وتباينات يتسم بها من يستوطنها من أفراد وجماعات وشعوب عن من يستوطن بقاعا أخرى من المعمورة، وقد تعدل من جينات كائناتها الإنسانية، من خلال التفاعلات القائمة بداخلها، وتعمل على إنتاج وإعادة إنتاج معطياتها المادية والرمزية وفق علاقات بنياتها البشرية والثقافية والاجتماعية، إنها حاضنة للعمران البشري في كل أنماطه وصوره، واشتغالاته وإنتاجاته، وأعماله وتكسباته، وكذا بناءات إعماره، فلا مناص من وجود ما يميز كل إنسية عن باقي الإنسيات الأخرى انطلاقا من تواجدها في رقعة جغرافية ما، بحسب موقعها ومناخاتها وتضاريس طبيعتها، مما يفرض على كل منتم لها أن يطبع بطبائع وسمات خاصة بذاتها في كيان الإنسية المستوطنة، تتجسد في طرق العيش والعادات والتقاليد وتصوراتها وأنماط تفكيرها، ومدى تمدنها وكيفيات هندسة عماراتها ومنازلها…
كل هذا يسمح لنا بالقول إن ما توجد عليه الشعوب المغاربية هو من صميم انتماءاتها وتقاطعاتها اللصيقة بموقعها الجغرافي الخاص بها، في كل خانات حيواتها الفردية والجماعية والشعوبية، وأما التباين الممكن فرزه فيما بين مكونات إنسياتها قد ينم على علامة إعادة إنتاج شكل من الأشكال المعطاة ثقافيا وحضاريا، أو تلاقح مع نمط ما قد يكون وافدا، أو إنتاج خاص من صميم التجارب والتفاعلات المحدثة في جزء من جغرافيته.
تشترك الشعوب المغاربية في كل شيء، وتتقارب أنماطها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية إلى حد عدم الفصل بين من يقطن مراكزها المدينية عن هوامشها، وبين من يسكن مدينة أو قرية في وطن من أوطانها عن آخر في شرقها أو غربها، لذا فحري بنا القول والتسليم بما لا يخضع للشك أن كل ما يجمع شعوب الجغرافيا المغاربية أكثر بكثير مما يفرقها، وتحظى بإجماع كل المنتمين إليها، تصورا وحياة، وبقدر ما نتأمل في كل ما هو معطى بها، إلا ونزداد يقينا أن كل وحدة من وحداتها تشكل عرى وثيقة بين أفرادها وإنسياتها, وتتعدد أواصرها من الخاص إلى العام.
جدليات التاريخ والجغرافيا والمشترك المغاربي .
التاريخ ليس فقط السجل الزمني كرونولوجيا للأحداث والوقائع، بل حيز للصيرورة المتصلة بما يعتمل بداخل كل مجتمع أو أمة، أو مجموعة ساكنة ممتدة تربطها أواصر معينة، تشترك في الكثير من النواحي الهامة، في مجالات عدة، المجال الاجتماعي، المجال الاقتصادي، المجال الثقافي، المجال الديني، والسياسي، هو بالذات ما يستخلص من تاريخ كل الشعوب المغاربية، رغم بعض ما يفصل فيما بينها من فواصل تاريخية زمنية، في إطار صراعات وعلاقات بعض كياناتها بمراكز سياسية تبعية، بحسب النفوذ والغلبة السياسية لقوى معينة، شرقا أو غربا، من أبرزها مرحلة انفصال المغرب الأقصى عن الشرق الأمبراطوري العربي الإسلامي، أو ألأمبراطورية العثمانية، إلا أنها قائمة داخل جدلية تاريخية، تلك الجدلية الناتجة عن تداخل مكونات الإنسية المغاربية ومعطيات مجالاتها الغنية بمحددات وتجليات المشترك فيما بينها، بداخل رقعة جغرافية تنشط بحيوية وتشاركية، من دون فواصل حدودية قارة فيما بينها، لتنصهر تقاطعا وذوبانا في الثقافة والاجتماع والاقتصاد، بدينامية تسبح في كل ربوع أقطارها، وأنها لم تتأثر ولم تتآكل هويتها رغم ما حدث من فترات استعمارية خاصة في الحقبة التاريخية المعاصرة.
كل هذا قد اتسم بالجدلية التفاعلية فيما بين الشعوب المغاربية، سيما وأن هويتها طبعت بالاستمرارية المنسابة في أعماق الوجدانيات وفي كل مشتركاتها من عادات وتقاليد ولغة وطرق تدين وتقاطعات مذهبية ومعتقدات، وأساليب عيش وحياة، وكذا أنماط تصورات وأفكار، جعلها تحظى بمكانة خاصة بين ثقافات وحضارات جغرافية البحر الأبيض المتوسط، خاصة وأنها أرست قواعدها على حضارة امتدت عبر قرون وقرون، ولا زالت هي المتربعة على عروش كل كيان مغاربي، ألا وهي الحضارة العربية الإسلامية، في مقابل جغرافية ضفة الجنوب الأوربي من الحضارة الأوربية وكل ما له علاقة بالفضاء الأوربي، وبالحضارة الغربية عموما.
مذبحة المشترك المغاربي : مساءلة وظائف الدول القطرية ونخبها في علاقتها بالمشترك المغاربي على أمل الوحدة المغاربية.
إن أهم ما يميز المجال الجغرافي المغاربي ” انطواء بلاد المغرب على قدر كبير من التشابه في التكون التاريخي والثقافي، واشتراكها في الاكتواء بالاستعمار والتخلص منه، وعدم الاختلاف في طبيعة نتائج إعادة بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال “….. ” تداخل بين العروبة بالإسلام، ووحدة المذهب المالكي السني الأشعري ” *
إضافة إلى كونه لم يعرف فيما بين كياناته معطى الطائفية كما عرف بالشرق، التي بوصفها ” معطى تاريخيا واجتماعيا مشرقيا “. *
عند مساءلتنا لمفهوم الدولة بكل قطر مغاربي، فقد تتجاذبنا عدة أسئلة وإشكاليات بصددها، في المقام الأول، داخليا، أي وطنيا، في علاقاتها بعدة حقول، اجتماعيا، سياسيا، اقتصاديا، ثقافيا، وإيديولوجيا، وفي مقام ثان، نتساءل ونستعرض أيضا، علاقاتها بما يشكل الفضاء المغاربي, أي بوحداته الدولتية، على أساس جدليات وعلاقات الداخل بالخارج، في العلاقات الديبلوماسية والسياسية التي تقيمها الدول والأنظمة فيما بينها، باعتبار كل ما هو داخلي يعتبر متغيرا من المتغيرات المساهمة في أي قرار ممكن اتخاذه وتفعيله، سواء سلبا أو إيجابا.
بالرغم من بعض الاختلافات القائمة بين سياسات أنظمة الدول المغاربية، بحسب أيديولوجياتها المتبناة، وتوجهاتها الاقتصادية والسياسية، فقد اشتركت في عسرها في بناء مجتمع المواطنة، مما أثر في عمليات تمكين المواطنين المغاربيين من الإشراك السياسي واتخاذ القرارات ذات المرجعية الشعبية الجماهيرية، بداخل الدولة الناشئة بعد الاستقلال، فقد يتسائل البعض : ” بعد نصف قرن ( وزيادة ) على إعلان الاستقلال واسترداد السيادة الوطنية، منقسمين في شأن مصادر توزيع رزقهم، غير منخرطين في صناعة قراراتهم، غير متكافئين في تدبير خيرات مناطقهم وأقاليمهم، وموزعين بين انشقاق هويتهم وتعدد اللسان ؟ ثم كيف نفسر خيبة الأمل الوطنية التي ألمت بشرائح واسعة منهم بعد أن حملوا القادة الوطنيين على أكتافهم، راجين أن تكون الدولة الجديدة الناشئة بعد الاستقلال بيتهم المشترك وملاذهم الطبيعي، وأن تتحول إلى قوة موحدة لبث روح التلاحم والتوافق، والتمرس على قيم الوطنية والمواطنة في وعيهم الجمعي ؟ أليست ” الدولة مربية المربين “؟ بحسب تعبير عبد الله العروي. “. *
فرضية فشل الدولة القطرية في نهج سياسات تحقيق تطلعات وآمال الشعوب المغاربية نحو الأفضل، في اتجاه التقدم والرقي، تعتبر مدخلا لأزمة بناء وحدة مغاربية بين الشعوب، وانعدام القدرة على بناء صروحها، رغم الحلم العريض الذي رافق من كان وراء طرحه من الوطنيين والقادة التحريريين المنضوين تحت راية إجلاء الاستعمار وبناء الأوطان والدول، على إثر استحكام القبضة من قبل نخب النظم السياسية المغاربية لدى كل قطر مغاربي على حدة، فلم تبرح مكانها لإشراك المواطنين في عمليات اتخاذ القرارات الرشيدة في اتجاه تكريس اندماج الرؤى والتصورات الحاملة لمشروع وحدة مغاربية فعلية، دون التغني بالشعارات والإبقاء على نوسطالجيا الماضي الجامع والمتفرد، وسرعان ما انكشفت محدوديتها في تدبير المجال الداخلي وتقويض كل ما تبقى من أحلام الملهمين بالملاحم الإنسانية والحضارية الكبرى.
ومما ساهم في عمليات اغتيال تطلع الحلم الوحدوي المغاربي، ووضعه على المقصلة بإرادات داخلية، يمكننا إجماله في نقطيتين أساسيتين :
الأولى : الموروث الاستعماري في المنطقة المغاربية، الذي لم يغادر مستعمراته لشمال إفريقيا، إلا وقد سطر بنود اتفاقيات استقلالها على دفتر من ذهب، تحفيظا لمصالحه الاستراتيجية البعدية، واعيا بما جرى ومتنبئا بما قد يحدث من سيناريوهات مستقبلية في علاقات إرادات الشعوب وأنظمتها السياسية، وبناء مجتمعاتها ودولها، ومدى تطلعاتها نحو الرقي التاريخي والحضاري، سيما وأنه أبقى على خرائط جغرافية فوضوية، بأمر الواقع الاستعماري، منذ أن وطأت أقدام الاستعمار الفرنسي المنطقة المغاربية سنة 1830 عند احتلاله للجزائر، فعاث بعثرة للحدود شرقا وغربا، خاصة من جهة غرب الجزائر، مما جعل الدول المغاربية تدخل في صراعات ونزاعات فيما بينها على الحدود الجغرافية الموروثة عن الاستعمار، بعد إجلائه، علاوة على تضمين شروط التبعية وتداعياتها السارية المفعول إلى يومنا هذا، مع بقية فلول نخبه على جميع الأصعدة، نخب إقطاعية وإدارية وثقافية وسياسية، تقلدت مناصب هامة في أهرام الأنظمة السياسية، كعيون حارسة لمصالح المستعمر، وتثبيت طبقة كومباردورية خادمة للرأسمال الاجنبي، ناهينا عن عملائه المتخفين وراء أنشطة ما، وبذلك نستنتج أن استقلالاتها عن الاستعمار لم يكن استقلالا كاملا، بل منقوصا بما اشترطته قوى الاستعمار الغاشمة على كل قوى حركات التحرر الوطنية بكل الدول المغاربية.
الثانية : تتمثل في تجاذبات النظم السياسية المغاربية في علاقاتها بالايديولوجيا وطبيعة الأنظمة السياسية المعتمدة في اشتغالها على الشأن العام الوطني، فقد توزعت الأنظمة في تبنيها الأيديولوجي بين الأيديولوجية الليبرالية، وبين توجهات التيار الاشتراكي، كل هذا رهن الأنظمة في يد نخب سياسية غير قادرة على تفعيل ما كان يصبو إليه المواطن المغاربي، فيما كان مأمولا من وراء تصورات في أذهان من عمل على مشروع تكتل وحدوي مغاربي، كقاطرة لتنمية الشعوب المغاربية، ورافعة للتقدم العلمي والرقي الحضاري، في ظل رياح التكتلات والوحدات المنظماتية، التي عرفتها بعض الجهات الجغرافية في العالم، سابقا، مما ساهم في مركزية السلطة وهيمنتها على كل مفاصل المجتمع في كل قطر على حدة. وهكذا تمت عملية تنميط الثقافة السياسية بداخل كل دولة، تحت نفوذ التوجه الحزبي، فغدت الدولة رهينة الحزب، تؤتمر بأمره، وتسخر في خدمة معتنقيه ومناصريه، وتضرب بيد من حديد كل التنظيمات المختلفة وغير المتقاطعة مع جزء أو كل من أيديولوجيته، انتقاما أو إقصاء أو تهميشا، أو قصا لأجنحته، أو قصاصا من مخالفيه، مما خلق أزمة في الثقافة الديمقراطية لازالت قابعة في كل مكونات المجتمعات المغاربية وجاثمة على صدور كل مواطنيها، وحاملة أورامها الخبيثة في أذهان كل النخب والأنظمة السياسية، مع بعض من الانفراجات في الأونة الأخيرة، لكنها قوبلت بما لا يخلق فسحة الاطمئنان في علاقات أنظمة الدول المغاربية، إضافة إلى الأزمات الدستورية والسياسية التي تعرفها بعض من دول المنطقة، لتتعثر بناءات الدولة القطرية القهقرى من جديد، وتتراجع بعض من مكاسبها وإنجازاتها نحو الخلف بدل السير قدما، خاصة في ظل أوضاع القلاقل والنزاعات والصراعات على المراكز إقليما ودوليا.
ختاما، لقد تم ذبح المشترك المغاربي وأهدرت دمه على أيدي داخلية بفعل سياسات الأنظمة المغاربية، ولم يتم تفعيله كروح تضخ الحياة في جسم الإنسية المغاربية، ولاعتباره القيمي والثقافي والحضاري، يجسد كل شرايين الأمة المغاربية من شرق أوطانها إلى غربها، لم يكن محط اهتمامات النظم السياسية وجعله الأرضية الخصبة لاستنبات كل الآمال المتجددة والمتطلعة لتحقيق المراد من وراء وحدة مغاربية فعلية، تنهي مع السائد الأزماتي بين الأنظمة السياسية، وتقرب كل المسافات بين الشعوب، وتضمن استمرارية الوجود الفعلي لأمة بهذا الحجم، تتوفر فيها كل مقومات النهوض الحضاري، على أساس التكامل والتلاقح فيما بين كل إمكانياتها ومدخراتها ومواردها المتعددة المجالات، ومن باب الاستحضار التاريخي، بالرجوع إلى الحقبة الاستعمارية، فقد عجزت كل آليات البتر والقضاء على موروثات المشترك المغاربي، وفشل كل السياسات الاستعمارية في مسخها والنيل منها، وعجزها، أيضا، عن تقطيع أوصالها وفصلها عن رحمها الأم، رغم تجنيد كل أجنداتها الأيديولوجية التخريبية والتهجينية لمسخ هوية المغاربيين في كل مستعمراته بالجغرافية المغاربية، ولم تحصل لها القدرة على أن تنال من صلابة ومتانة البوتقة الهوياتية لها، مما حملها على المضي في مقاومة كل مخططاته الهادفة لجعل الإنسان المغاربي نسخة مشوهة من داخل بنيات ثقافته وأيديولوجيته.

* جدليّات الاندماج الاجتماعي وبناء الدولة والأمة في الوطن العربي، مجموعة مؤلفين، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت، 2014

**كاتب وباحث مغربي مهتم بالقضايا الفكرية والثقافية .