لهذه الأسباب لا “يفرط” الوضع في لبنان

لهذه الأسباب لا “يفرط” الوضع في لبنان

شجون عربية – بقلم: محمود بري –
بشيء من الإستغراب والضيق يتساءل كثيرون عن السرّ الكامن وراء “ثبات” حالة الستاتيكو على المستوى المحلي في البلد (يسمونها السلم الأهلي، وعكسها الحرب الأهلية)، على الرغم من القطيعة المتمادية بين الأركان وحالة الإنسداد التام وتفاقم الضغوط الحياتية بشكل غير مسبوق منذ أيام ابراهيم باشا، والحضور الناشط والمتفاقم لمختلف العوامل الأكثر من كافية لتفجير الوضع، ولا سيما مع مداهمة الاستحقاقات السياسية المفصلية، سواء ما يتصل منها بتشكيل حكومة ينبغي قيامها لإدارة فراغ يتوقعه الجميع، أو بخصوص عملية انتخاب رئيس لجمهورية لم يبقَ منها غير النعيب، وكأنّ مدة صلاحيتها قد انتهت.
على كل حال، الجميع بات على يقين من أن “تقطير” رئيس من كل هذا العنب الفاسد لن يتحقق بهذه “الكَرَكَة” التالفة، حتى إن هذه الفرضية خرجت تماماً من مربّع الأمنيات لتستقر في خانة الغيب المنطوي على توقعات سوداوية مريرة يلفّها مقدار مُحبطٌ من عدم اليقين والغموض المحشو بالمخاوف. هذا في حين أن ما يندرج تحت مسمّى “الدولة”، تكاد لا تفعل شيئاً خارج إضاعة الوقت والفُرص، سوى انتظار “الارتطام الكبير” الذي سبقت الجميع في التبشير به.
“طوابير الذلّ”، والتسمية صناعة محلية، تملأ فضاءات البنوك والأفران ومحطات الوقود والدوائر الرسمية (القليلة جداً التي تعمل)، وسلسلة التمرينات اليومية الإلزامية للمواطن على كراهية الآخر، كل آخر في نطاق وجوده، نازحاً كان أم لاجئاً أم عاملاً أسيوياً بنغالياً أم هارباً سودانياً أفريقياً أم حتى لبنانياً… أم كائناً ما كان وقد جاء ينافسه على أيّ شيء وفي أيّ مكان.
“خبراء الميديا” المحليون الذين يعرفون البواطن الخفية ولا تفوتهم معلومة ولا سرّ، يواصلون كالسعادين رقصات أكَلَة لحوم البشر في سهرات النار، إنما بالطريقة العصرية… على الشاشات وأمام طاولات الـ”توك شو”، من دون أن يتطرّق أيٌّ منهم إلى حالة السُبات الغريبة التي تلّف كل المسائل الحيوية في البلد، من الكابيتال كونترول وصولاً إلى كسرة الخبز.
ومن جهة أخرى فالمتمكنون في الشأن العام لا يتكاسلون لحظة عن صبّ الزيت على النار، في ما يشبه جُرعات الأوكسيجين لحالة التشنج السياسي والإعلامي والطائفي القائمة، أو الجرعات التذكيرية للإبقاء على شعلة انفجار الأوضاع حيّة ومُستنفرة غبّ الطلب. وبينما التنافس على أشدّه بين الارتفاع الجنوني لمعدلات الفقر ونسبة اللبنانيين الساقطين في شِباكه من جهة، والمياومة الحامية لجرائم القتل والتشليح، ثم، وهذا جديد مُستورد، ابتكارات ذبح البشر وقطع رؤوسهم، يتواصل التدهور تصاعدياً، مع تراجع ميداني ملحوظ للحضور الأمني والعسكري وسط حالة الاهتراء العامة للمعنويات والرواتب، في حين يحافظ “السلم الأهلي”، ويا للعجب (!)، على تماسكه، فلا يضيره بعض العصيّ والسكاكين التي تنفّس يومياً عن سندروم الغضب التنافسي بين ضحايا الأزمة.
هذه الحالة الغريبة العجيبة لبلد يعيش خارج المنطق، أطلقت بعض فلتات المرحلة، فانقضوا علينا بالاستنتاج الأرخميدي المقلوب ومؤداه أن الثبات العجيب للهدوء في البلد وسط كل مقوّمات العاصفة، إنما يعود إلى معجزة “الأمن الممسوك”، وهو التعبير الذي لا يخجلون من تكراره ليردّوا الفضل فيه إلى أنفسهم وسهرهم (سهراتهم…)، فيُغرقون الفضاء الإعلامي بهذا المستوى الهابط من “الرندحة” الرسمية التي لم يعد “يقبضها” أحد.
لكن بعض “المفكرجيّة” من المتبطلين المياومين في تلاوة حكايا السلطان، يذهبون مذهباً آخر، فيشيعون أن نعمة هذا الهدوء المتواصل إنما تعود إلى الخارج (الذي يقبضون منه ويعتاشون على التسويق له)، فيشرحون لنا، نحن الذين لا نعرف، أن هذا الخارج الديمقراطي الرؤوف يواصل رعاية بلدنا، بدليل أن الأمر الخارجي بالتفجير لم يصدر، ما يجعلنا نستمر في العيش بسلام… والمعنى أن هذا هو سر وسبب عدم انفجار الأوضاع في البلد.
إلا أنني وكأي لبناني ضربته ريح الـ”مش عارف حالك مع مين عم تحكي”، أرى الحقيقة في واقع آخر مختلف، وأصرّ أنني على حق وكل الآخرين على خطأ. من هنا أشرح عدم انهيار الوضع في البلد بطريقة أخرى مختلفة. فاضطراب الأوضاع بنظري يتطلّب أولاً جمهوراً أثقلت عليه الحياة حتى لم يعد لديه ما يخسره، على أن يكون جمهوراً “مؤهلاً”، بمعنى أن يكون مسلحاً أولاً وعلى مقدار ما من التكافل والتنظيم، ويعمل بتصرّف زعامة في مراتب السلطة العُليا تُشبعه وتحميه، وفي حوزته وأقرانه ما يكفي من الأعتدة والأسلحة والذخائر. وهذا كلّه أضعف الإيمان.
أما الجمهور العادي، أي الناس الآخرون من أمثالنا، فنادراً ما يكونوا مسلّحين، وإن كانوا، فذخائرهم تكون محدودة وللمناسبات فقط وغير كفؤة لتغيير الأوضاع في البلد. هذا فضلاً عن افتقاد الحماية والتنظيم والقيادات الميدانية من ذوي الخبرات بالدم وخلافه.
الصنف المطلوب من الجمهور الذي أقصد يقتصر على ناس الأحزاب وحدهم، كما أعلم وتعلمون، فهم الوحيدون المسلحون والمحظيون والمحميون. هؤلاء الشبّان (والكهول) الذين (منذ الانتهاء المزعوم للحرب) يُديرون شؤون الشارع ورأيه العام، ويُؤمّنون السيطرة على الأحياء والأمكنة والمنافع والوظائف.
وهؤلاء، بحمد الله، ليسوا مثلنا ولا يُعانون مما نُعانيه من ثقل الأوضاع ومشقّات اللقمة، ولا ينقصهم شيء من وقود للسيارة وتيار كهربائي وماء وكلأ، بفضل قياداتهم والزعماء الأفذاذ الذين يرعونهم. وبالتالي فلا دافع يضطرهم أن يتبرّموا أو يُعانوا أو يتحركوا أو يثوروا، إذ لماذا يتحركون ويثورون وهم مكفيون، ولا دافع عندهم ولا سبب.
واضح أن هكذا واقع ليس في مصلحة الآخرين…غير المتحزّبين. لكن الحقّ على هؤلاء أنفسهم، والذنب ذنبهم. فهم أساساً امتنعوا عن الإنضواء في أيّ من الأحزاب، وهذا خطأ، ولم يناضلوا، وهذه خطيئة، وبالتالي فهم لم ينتصروا ولا يحق لهم شيء من الغنائم. ثم أنه لم يعد من المسموح لهم الآن أن ينتسبوا أو أن يطلبوا النضال. فمن ضرب ضرب ومن كسِب كسِب.
هذا في رأيي هو ما يحمي “السلم الأهلي”، لا الأمن الممسوك ولا القناعة الوطنية ولا السماوات العُليا. فالقادر على تخريب الأوضاع ليس متضرراً (بل هو مستفيدٌ) منها، والمتضرر عاجز وليس قادراً على الفعل. فلا تبيعونا بالله عليكم لا من أمنكم الممسوك ولا من فضائل الخارج.
“فقد قبرنا الشيخ زِنكو سوا”.