كيف ينظر “اليهود” إلى غيرهم؟

كيف ينظر “اليهود” إلى غيرهم؟

شجون عربية – بقلم: نهاد زكي* |
إذا كان اليهود في نصوصهم الدينية هم “شعب الله المختار”، فإن الآخرين في تلك النصوص هم “الأغيار”، وهو مصطلح يشير إلى كل من هو غير يهودي، وهناك نصوص كاملة في التلمود تشرح كيفية التعامل مع هؤلاء الأغيار.
إذ حددت نصوص التوراة والتلمود الطريقة التي يرى بها اليهودي الآخر المختلف معه في الديانة، بل نظمت أيضًا الطريقة التي يجب أن يتعامل بها اليهود مع غيرهم، لكن إذا كان ذلك الجزء خاصًّا بالمعاملات الدنيوية والاجتماعية، فماذا عن الحياة الأخرى؟ وكيف رأى اليهود مصير غير المؤمنين باليهودية؟

الاختيار المقدس.. لهذا يتعالى اليهود على باقي الأمم
تميزت الديانة اليهودية على مرِّ العصور بطبيعتها المُغلقة، فهي على عكس بقية الديانات الإبراهيمية تُعدُّ ديانةً غير تبشيرية، بمعنى أنها لا تُشجِّع الآخرين على دخولها، فمعتنقوها هم “شعب الله المختار”، ولذا يضعون عراقيل كثيرة أمام من يودُّ التهوُّد، بل يعدون “المتهودين” حملًا ثقيلًا على كاهل الشعب اليهودي.
وقد تناول الباحث في الشئون الإسرائيلية، عمر مصالحة، في كتابه “اليهودية ديانة توحيدية أم شعب مختار” هذا البعد، عبر دراسة نصوص التوراة و”التلمود” (وهو كتاب خاص بالشرائع اليهودية)، فأشار إلى أن مصطلح “شعب الله المختار” ترجمة للعبارة العبرية “هَعَم هَنبحار” والتي تعني “شعب الإرث” أو “شعب الخُلاصة”.
إذ يؤمن اليهود بأنهم شعب الله المقدس، مستشهدين في ذلك بما ورد في نصوص التوراة (سفر التثنية) الإصحاح الرابع عشر: “لأنك شعب مقدس، أنت للرب إلهك، وإياك اختار الرب إلهك لتكون له شعبًا مُسجَّلًا”، والتي تعني شعبًا خاصًّا من بين شعوب الأرض.
ولهذا يشكر الشعب اليهودي الرب في كل الصلوات لاختيارهِ وتفضيلهِ لهم على كافة الشعوب، وإعطائهم التوراة علامةً على تفرُّدهم بين باقي الأمم، وحسب عمر مصالحة، فهذه هي النظرة التي يستقي منها اليهود أحقيتهم بالتميز على باقي الخلق، ومنها يستمدون إيديولوجيتهم القومية ونظرتهم إلى أنفسهم، بل تحدد أيضًا نظرتهم إلى الآخر.
ولا يعد اليهود هذا الاختيار تفوقًا عرقيًّا فحسب، بل يُنظر إليه على أنه اختيار أخلاقي من الرب لليهود لأنهم أول شعب عَبَدَه؛ كما يجري اعتبار هذا الاختيار تكليفًا دينيًّا؛ فوفقًا للمعتقد اليهودي، فقد اختار الله الشعب اليهودي حتى يكون خادمًا له، ويكون هذا الشعب هو الوسيلة التي يُصْلح بها الرب العالم ويوحد الأمم، وهو المفهوم الديني الذي أبقت عليه اليهودية المحافظة والأرثوذكسية وعمَّقته.
وربما يفسر ذلك العراقيل الموضوعة أمام من يريد أن يتهوُّد، كما يفسر الانغلاق الذي تميزت به الديانة اليهودية عن غيرها؛ حتى بعدما تخلت بعض الحركات اليهودية التنويرية والإصلاحية عن تلك النظرة التمييزية؛ ورأت أن “الاختيار الإلهي” ليس سوى حمل الرسالة الإلهية وتشتيت اليهود في الأرضِ لنشر رسالته.
فما زال اليهودي وفقًا لتعريف المؤسسة الحاخامية، هو الشخص الذي وُلد لأم يهودية، أما من يعتنقون الديانة اليهودية من غير اليهود فهم في “الدرجة الثانية”، والذين يطلق عليهم “متجيريم”، وبذلك لا تجعل ولادة طفل، لأب يهودي وأم غير يهودية، منه يهوديًّا، كما لا يرث هذا الطفل الديانة اليهودية بالولادة، بل عليه أن يتهود فيما بعد، وعملية التهويد ليست سهلة على الإطلاق.
إذ تشترط المؤسسة الحاخامية على الذين يرغبون في التحوُّل إلى اليهودية القيام بجميع الفرائض الدينية الصغيرة قبل الكبيرة، بل تصبح المؤسسة الدينية حازمة معهم في أداء تلك الفرائض أكثر من اليهود الأصليين، بل تنتقد أيضًا اليهودية الأرثوذكسية تلك الاتجاهات الإصلاحية التي تتساهل في عملية التهويد، بل يعد الحاخامات هذه الاتجاهات بعيدة عن التعليمات الدينية الصحيحة.
وهناك شروط أساسية لمن يريد اعتناق اليهودية مثل الختان للذكور، وطقس “التغطيس” أو التطهُّر بالماء النقي والذي يقابل “التعميد” في المسيحية؛ وأثناء أداء هذا الطقس تُتلى على الشخص الفرائض الدينية ويجري إبلاغه بالمصاعب التي من الممكن أن تواجهه في اليهودية؛ فإذا قبل بها، يجري الاعتراف به في الديانة، وفي النهاية يتعهد الشخص أمام المؤسسة الدينية بتقديم أضحية لله في حال بناء الهيكل من جديد والالتزام الصارم بالفرائض الدينية.

خلقوا لخدمتنا.. هكذا ينظر اليهودي إلى الآخر
تلخصت نظرة اليهود إلى الآخر في المصطلح العبري “جوييم” والتي تعني “المغاير”؛ وقد كانت الشروح، ونبرة الفتاوى الحاخامية الأولى، بشأن هؤلاء الأغيار، حادةً وقاسية؛ فقد نظرت نصوص “التلمود” إلى الأغيار نظرة فوقية، نابعة من كون اليهود هم الشعب المختار للرب.
كما تحدثت تلك النصوص عن غير اليهود باحتقار يعود إلى ظروف العصر القديم الذي عاش فيه اليهود الأوائل بين الديانات الوثنية، ووجدوا أنفسهم مكروهين بين الفرس الكنعانيين والبابليين واليونانيين والرومان، ولهذا السبب بالذات كانت نظرة اليهودية إلى غير اليهوديين متطرفة وعدائية.
كما حفل “التلمود” بالأحكام التمييزية ضد الأغيار، وقد نادت بعض هذه الفتاوى بالاستيلاء على أموال الوثنيين وعدم تقديم أي نوع من أنواع المساعدة إلى غير اليهود، بل وصل الأمر إلى اعتبار مهمة الأغيار في الحياة هي خدمة اليهود في الأرض، إذ خُلقت الدنيا من أجل اليهود وحدهم.
كما أكدت نصوص التلمود أنه لن يدخل الجنة سوى اليهود، وورد ذلك في سفر “عبوده زاره”، كما ورد المعنى نفسه في سفر “اللاويين” الإصحاح 25؛ إذ نهى اليهود عن اتخاذ عبيدٍ لهم من إخوانهم اليهود، وحثَّهم، إن أرادوا اقتناء عبد أو أمة، أن يكون ذلك من الأقوام الأخرى، وذلك في قوله: “وإن ذلَّ أخُوك بِقربك فبِيع لك، لن يستعبد استعباد العبد، مثل الأجير أو المستجير عندك”، وفي نهاية الفقرة ورد: “ومهما يَصِرْ لك من عبدٍ أو أمةٍ فمن الأقوام الذين حولك يكونون، منهم تقتنون العبد والأمة”.
وعلى الرغمِ من ذلك، فقد جرت محاولات عديدة من طرف الحركات اليهودية الإصلاحية لإعادة صياغة نصوص التلمود، وأن تستبدل بالكلمات العامة مثل “الأغيار”، كلمات محددة مثل البابليين أو الكنعانيين، وذلك حتى لا تعد صالحة لكل زمان ومكان، وجعلها مقصورة على زمنها.
والجدير بالذكر أنه لا يوجد موقف موحد من الأغيار في اليهودية، إذ لا يجري اعتبار الأغيار كتلة واحدة في اليهودية، بل ينقسم الأغيار إلى درجات، أدناها عبادة الأصنام والأوثان، وأعلاها أولئك الذين تركوا عبادة الأصنام من المسيحيين والمسلمين، الذين يطلق عليهم “جيريم” أي الأغيار المؤمنين بالله والذين ينفذون وصايا سيدنا نوح.
ورغم ذلك لا تعترف المؤسسة الدينية بالزواج بين اليهود والأغيار، فبالنسبة إليها، فاليهود هم روح الله على الأرض، ومن ثم تدعو لعدم الاحتكاك بالأغيار أو الدخول معهم في علاقة؛ إذ يُنظر إلى الأغيار بوصفهم غير صادقين في طبيعتهم، ولا يؤخذ بشهادتهم أمام المحاكم الشرعية اليهودية، ولا يجوز الاحتفال معهم بأعيادهم، ولا يجوز للأغيار دراسة التوراة.

“وادي شؤول”.. مثوى الأرواح العاصية في اليهودية
تعد اليهودية ديانة دنيوية بشكلٍ كبير؛ إذ تكاد تخلو الأسفار الخمس الأولى من الكتاب المقدس – وهي أسفار العهد القديم التي يطلق عليها “التوراة”- من أي ذكرٍ للحياة الآخرة، إلا ربما في مواضع قليلة، فأغلب النصوص تعد اليهود بالملك في الأرض وفي الحياة الدنيا، كما أن الثواب والعقاب في أغلب النصوص دنيوي؛ حتى إن البعض وصفها بأنها ديانة خالية من “الجحيم”، لكن هذا الاعتقاد الشائع عن اليهودية ليس دقيقًا.
فالديانة اليهودية مثلها مثل بقية الديانات الإبراهيمية الثلاث، أتت على ذكر الجحيم والحياة الأخرى حتى وإن كان ذلك في مواضع معدودة، فقد احتوى العهد القديم على عقيدة البعث والجنة والنار، وفي الفكر اليهودي التقليدي جرى تناول مفهوم الجنة والنار على نطاق واسع، حتى وإن ابتعدت الحركات اليهودية المعاصرة عن هذا الموضوع مفضلين في ذلك تناول النموذج التوراتي الذي يركز على الحياة على الأرض.
ونستدل على ذلك من الإشارات الكتابية اليهودية عن مكان يسمى “وادي شؤول” أو “جهنوم”، وهي الهاوية المظلمة والعميقة التي تهبط إليها الأرواح بعد الموت، ويطلقون عليها أيضًا “أرض النسيان”، إذ تمثل العالم السفلي البعيد والمنسي لأنه في عزلة عن البشر وعن الله، وتبقي فيه الأرواح في حالةٍ شبحية من الوجود.
وبالنسبة إلى النصوص المقدسة اليهودية الأكثر تشاؤمًا، فكل الأرواح بعد الموت ستمر على “وادي شؤول”، من أجل التطهر من خطاياها في الحياة، لكن الجحيم في اليهودية مرحلة ضرورية فقط وليست أبدية؛ إذ يستمر العيش في الهاوية لإثنى عشر شهرًا فقط، بعدها تنتقل الأرواح إما إلى السماء، حيث جنة عدن، وهم أرواح الصادقين والأخيار الذين ستتاح لهم فرصة القيامة في زمن المسيح المخلص، أو تفنى بقية الأرواح إلى الأبد فلا يعود لها أثر، وهو العقاب الأخير للأشرار.
واستخدمت النصوص التوراتية لفظي “الأخيار – الصادقين” و”الأشرار” للتفريق بين البشر وبعضهم؛ إلا أن شروحات التلمود المحافظة تتناسى الفرق بين الأخيار والأشرار أثناء التعامل مع الأغيار في الحياة اليومية؛ ويظن أكثر اليهود محافظة أن جميع اليهود بلا استثناء – حتى وإن كان بعضهم شريرًا أو ارتكب المعاصي- سينضمون في النهاية إلى ملكوت السماء إلى جانب آبائهم وأجدادهم من الأنبياء، بل حصر البعض جنة عدن على اليهود، ومن ثم اعتبروا مصير الأرواح الأخرى الفناء.

رغم ذلك تسعى الحركات اليهودية الإصلاحية الأكثر تسامحًا إلى تغيير تلك النظرة العدائية إلى الأغيار، فتشير تفسيرات بعض الحاخامات المعاصرين إلى أن كل الأرواح الصادقة تنالها رحمة الرب وتنتقل في النهاية إلى جنة عدن؛ طالما أنها التزمت بالصدق، وذلك على عكس الأرواح الشريرة التي سينالها الفناء النهائي.

المصدر: ساسة بوست