عن سفينة ثيسيوس وكنه الهوية

عن سفينة ثيسيوس وكنه الهوية

شجون عربية – بقلم: د. صلاح عثمان* |
في غضون سنوات قليلة، ستموت كل خلية في جسدك وتحل محلها خليةٌ جديدة؛ فأنت حرفيًا لست الشخص ذاته الذي كُنت عليه من قبل! خلايا المعدة تدوم تقريبًا خمسة أيام؛ وخلايا الدم الحمراء تبلى خلال فترة تتراوح بين ثلاثة وأربعة شهور بعد أن تسافر حوالي ألف ميل؛ وخلايا الكبد تعيش ما بين عشرة شهور وستة عشر شهرًا؛ وحتى الهيكل العظمي يتجدد كل عقد تقريبًا. ليس هناك خلايا جسدية خاملة تُشارك المرء في عُمره سوى خلايا عدسة العين والخلايا العصبية للقشرة المُخية. أما أفكارنا وقناعاتنا ونظرتنا العقلية للحياة فتتغير بدورها وفقًا لخبراتنا ومكتسباتنا الثقافية والتعليمية وتجاربنا الحياتية المختلفة!
إذا كان هذا هو حال خلايانا الحية التي تُشكل بنيتنا الجسدية، وحال أفكارنا ورؤانا العقلية، فأين تكمن هويتنا؟ هل سنُحاسب على أفعال جسدٍ آخر أو عقلٍ آخر؟
في الأساطير اليونانية القديمة، ثمة ملك يُدعى «ثيسيوس» Theseus، يُقال إنه أسَّس مدينة أثينا، وخاض كثرةً من المعارك البحرية التي حقق فيها انتصارات ضخمة متتالية وقتل عددًا من الوحوش الأسطورية. وبعد موته، قرَّر الأثينيون الاحتفاظ بسفينته كنُصب تذكاري تخليدًا لذكراه، وظلت السفينة قائمة في موضعها لمئات السنين، لكنها بمرور الوقت بدأت في التآكل، وتعفنت بعض ألواحها الخشبية، وهو ما استدعى استبدال ألواحٍ خشبية جديدة بتلك المتهالكة حفاظًا على السفينة. السؤال الآن: هل ما زالت سفينة «ثيسيوس» هي ذاتها؟ هذا السؤال يُعد مدخلاً نموذجيًا لواحدةٍ من أصعب مشكلات الفلسفة عبر تاريخها، ألا وهي مشكلة الهوية! ما هو الشيء المادي؟ كيف تظل الأشياء هي ذاتها بعد أن تتغير؟ وفي أية نقطة يُصبح الشيء مختلفًا عن ذي قبل؟
ماذا لو كانت السفينة تتألف من مائة لوحٍ خشبي وقمنا بتغيير لوحٍ واحد؟ ماذا لو غيرنا لوحين؟ ماذا لو غيرنا كل الألواح ما عدا واحدًا؟ وماذا لو غيرنا كل ألواحها؟ وحتى لو كان التغيير تدريجيًا، فهل ما زالت السفينة تحتفظ بهويتها الأصلية كسفينة «ثيسيوس» التي أبحر بها؟ وإلى أي مدى يجب – أو يُمكن – أن يكون التغيير تدريجيًا؟ قد يُجيب أحدهم بأن مجرد تغيير لوح واحد في السفينة يُغيّر من هويتها، إذ لن تتطابق وقتئذٍ مع سفينة «ثيسيوس»؛ وقد يرى ثانٍ أنه طالما يوجد لوحٌ واحد فقط من السفينة الأصلية فلا تزال هي الأصل، لأن هذا اللوح يحمل عبق الماضي الفعلي للسفينة؛ وقد يذهب ثالثٌ إلى أنه حتى لو تم تغيير كل ألواح السفينة فسوف تظل هي سفينة «ثيسيوس» لأنها تحمل «شكل» أو «صورة» السفينة الأصلية. والحق أن كل هذه المواقف ليست خاطئة، ومع ذلك لا يوجد سببٌ يدفعنا إلى الزعم بأنها صحيحة!
دعنا نسترسل في التأمل فنتساءل: ماذا لو أحللنا محل الألواح الخشبية القديمة ألواحًا بلاستيكية أكثر حداثة فأصبحت السفينة مصنوعة من مادة مختلفة تمامًا عن مادتها الأصلية؟ وماذا يحدث إذا ارتكب الذين يقومون باستبدال الألواح أخطاءً أدت إلى اختلافٍ طفيف في شكل السفينة؟ وماذا لو أدت هذه الأخطاء إلى فقدان السفينة لقدرتها على الإبحار، هل سنقول إنها سفينة «ثيسيوس» رغم عجزها عن أداء وظيفة السفينة الأصلية؟ بإمكاننا طرح المزيد والمزيد من التساؤلات، لكن ربما أصعبها هو السؤال التالي: ماذا لو احتفظنا بكل لوحٍ نقوم بنزعه من السفينة الأصلية حتى تجمعت لدينا في النهاية كل ألواحها، ثم قمنا بترميمها واستخدامها في تصميم سفينة تُشبه السفينة الأصلية تمامًا، أي سفينة منهما إذن سنقول إنها سفينة «ثيسيوس»: السفينة ذات الألواح الجديدة، أم تلك التي بٌنيت من الألواح القديمة؟!
التغيير لا يقتصر فقط على الأشياء المادية؛ فالشركات والمؤسسات والجامعات وغيرها هي بالمثل كيانات ديناميكية تتغير وتتطور باستمرار. تأسس البنك الأهلي المصري سنة 1898، ومنذ ذلك الحين تغير جميع المُدراء والعاملين والعملاء به، فهل ما زال هو البنك ذاته الذي أسسه الإيطالي اليهودي «روفائيل سوارس» R. Suares والبريطاني «إرنست كاسل» E. Cassel؟ وتأسس النادي الأهلي سنة 1907، وترأسه لأول مرة الملحق العسكري البريطاني في وزارة المالية المصرية «ميشيل إنس» Michael Enns، ومع مرور الزمن تغير بالتأكيد جميع اللاعبين والمدربين والمشجعين، فهل يُمكننا الزعم بأن ثمة هوية بين النادي الحالي ونُسخته الأولى؟
وأنشئت كلية الآداب في جامعة القاهرة سنة 1908، لكن روح وقلب وعقل الكلية بمثابة عناصر لم تسلم من التغيير: عُمدائها وأساتذتها وطلابها! وقس على ذلك كل شيء (إنك لا تنزل النهر مرتين). نحن لا نتحدث فقط عن التغيير، لكننا نناقش معنى أن يكون الشيء هو ذاته؛ ما الذي نعنيه حين نقول إن كيانًا نوعيًا له هويته قد تغير؟ لقد احتوت سفينة «ثيسيوس» على ألواح خشبية رآها ولمسها بيديه، لكن سفينتنا الجديدة مكوّنة من ألواح لم يرَها ولم تمسها يداه، أليس هذا تغييرًا في خصائص السفينة؟ وما هي الخصائص التي يُمكننا القول إنها تُميزها؟ لا توجد إجابات واضحة ومُشبعة!
لا شك أن المناقشة تُصبح أكثر إثارة حين تتعلق بالبشر؛ فنحن نولد ثم نمر بأطوار الصِبا والشباب والكُهولة، فما هي الخصائص التي تُميّز الواحد منا في مراحل تطوره؟ عادة ما ينتمي الفلاسفة في إجاباتهم عن هذا السؤال إلى أحد معسكرين؛ إذ يدفع بعضهم – من جهة – بفكرة أن الشخص متطابق مع جسده، فتلك هي هويته. لكن هذه الفكرة تضعنا في مواجهة تساؤلات لا إجابة لها، فأجسادنا في حالة تغيّر مستمر، وخلايانا يتم تجديدها كل عقد تقريبًا، فلماذا يظل السجين في محبسه بعد عشر سنوات؟ ألم يكن شخصًا آخر؟ وهل يجب أن يظل المرء ممتلكًا لأشياء اشتراها قبل عشر سنوات؟ وبأي معنى يكون الشخص هو نفسه بعد بتر أحد أطرافه؟ وماذا عن الاستنساخ ونقل الأعضاء والتوائم المتطابقة أو المُلتصقة؟ وعندما تنقسم الأميبا، ماذا عن الكائن الجديد الناجم عن الانقسام؟ وعندما يفقد الجسم خلاياه، ألا يمكن أن تنتقل الذرات المكوّنة لتلك الخلايا إلى آخرين وتُصبح جزءًا من هوياتهم؟ وكيف نُعد الشخص ميتًا رغم وجود جسده؟ … إلخ. ألا تؤدي كل هذه التساؤلات إلى استحالة الجزم بأن هوية المرء هي جسده؟!
من جهة أخرى، يُفضل مفكرون آخرون فكرة أن الشخص هو في الحقيقة حالته العقلية؛ فالإنسان ليس مجرد جسد مادي، لكنه في معية ذلك مُفكر، ومن ثم، فهو تيارٌ مستمر من الوعي: ذكريات وأفكار ورغبات. لكن هذا الطرح يصطدم أيضًا بتساؤلات نعجز عن الإجابة عنها، منها: من هو الشخص الحقيقي، هذا الذي يُحب شخصًا آخر بجنون، أم ذاك الذي يشعر بالملل من الشخص ذاته بعد شهرين؟ وماذا عمن يفقدون الذاكرة أو يُصابون بمرض الزهايمر، أو عمن يكابدون اضطرابات عقلية مفاجئة؟ وما طبيعة العقل – الذي يُميز الإنسان – مستقلاً عن الدماغ الذي هو جزءٌ من الجسم؟ وهل تُعد برمجيات الحاسوب بمثابة حالات عقلية؟ ولو سلَّمنا بوجود الروح، فما العلاقة بين الروح والجسد؟ وما العلاقة بين الروح وأفعال الشخص ونفسيته وشخصيته؟ وبأي معنى تختلف روح المرء عن روحٍ أخرى؟
ربما تبنى فريق ثالث وجهة النظر القائلة بأن الشخص مزيجٌ من الجسد والعقل والروح، ومع ذلك لن تتوقف تساؤلاتنا الإشكالية إزاء مُعضلة الهوية! لذا، وبدلاً من محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات من دون جدوى، دعنا نُوضح لماذا نعجز عن الإجابة عنها، ولعل أفضل وسيلة لنا في ذلك – على حد تعبير «نوسون يانوفسكي» Noson Yanofsky في كتابه «الحدود الخارجية للعقل» The Outer Limits of Reason (المنشور سنة 2013) – هي أن نفحص الطريقة التي يتعلم بها الناس كيفية التعرف على الأشياء، ومن ثم تسميتها وخلق الفوارق فيما بينها.
في البداية، يتلقى الأطفال كثرةً من المعطيات الحسية والمحفزات المختلفة، وعبر مراحل نموهم يكتسبون القدرة على معرفة الأشياء التي يحفل بها العالم وتصنيفها. على سبيل المثال، عندما يرون شيئًا فضيًا لامعًا مُغطى بسائلٍ مُلون يتم تقديمه لهم، يتعلمون أنه عصير على ملعقة، وأنه يتوجب عليهم فتح أفواههم، ومن خلال هذه العملية التحفيزية يُصبحون قادرين على التعامل مع الحياة بشكلٍ أفضل. وفي مرحلة لاحقة يتعلمون كيفية التفريق بين الأشياء وتحديد المتشابهات منها، ويُدركون أن الشيء يمكن أن يظل موجودًا حتى حين يكون بعيدًا عن أنظارهم؛ تغدو لديهم مثلاً القدرة على معرفة الأم، وأنها لا تزال الشخص نفسه حتى عندما تبدو بشكلٍ مختلف ورائحة مختلفة (عندما ترتدي ملابس مختلفة أو تستخدم مستحضرات التجميل أو تضع عطرًا). يتصرف الأطفال هنا كفلاسفة، ويتعلمون كيفية التعامل مع الأسئلة المتعلقة بمسألة الهوية، وبالتالي يفرضون النظام والبنية المتماسكة على العالم المعقد الذي ولجوا فيه. وفي مرحلة تطورية متقدمة، يتعلمون أيضًا تصنيف الكيانات المجردة؛ مثلاً، ما معنى أن تكون لهم أسرة، وما هي الأعداد، وما هو الوطن، … إلخ. وهم لا يتعلمون فقط تصنيف الأشخاص والأشياء، بل يتعلمون أيضًا تسميتها: يُدركون أنهم يعيشون في مجتمع من المُصنفين الآخرين، وبُغية التواصل معهم لا بد من اتباع مثالهم في خلع أسماءٍ بعينها على الأشياء، وباستخدام الأسماء ذاتها كالآخرين، يتوافقون مع نظام التصنيف السائد، وتغدو عملياتهم العقلية مماثلة لتلك التي يقوم بها الآخرون. وفي المقابل يكافئهم المجتمع بمنحهم الحب وتوفير الحماية التي يحتاجون إليها. على أن النقطة المهمة هنا هي أن التصنيف والتسمية مجرد مهارات مُكتسبة؛ فالأطفال لا يتعلمون التعريفات الدقيقة للأشياء لأنهم ليسوا في حاجة إليها. صحيح أن بعض الأشياء لها تعريفات دقيقة وبسيطة وواضحة في أذهانهم، لكن ثمة عديد من الأشياء الأخرى تفتقر لديهم إلى التعريفات الدقيقة!
إذا وضعنا ذلك في الاعتبار، أمكننا مناقشة وفهم مغزى التساؤلات التي طرحناها في هذا المقال حول مسألة الهوية: هل سفينة «ثيسيوس» هي ذاتها بعد تغيير بعض ألواحها الخشبية؟ الرد المُناسب هو أنه لا يوجد تعريف دقيق لسفينة «ثيسيوس» بما يكفي لتقديم إجابة عن هذا السؤال؛ لدينا فقط ما تعلمناه، أي بعض المعطيات الحسية والمحفزات التي تعلّمنا ربطها بالسفينة! وبعبارة أخرى، نستطيع القول إن سفينة «ثيسيوس» بالنسبة لنا ليست كيانًا قائمًا بذاته، وإنما مجموعة من الأحاسيس. نعم هي شيء إذا ركلناه بأقدامنا سنشعر بالألم، وإذا نظرنا إليه سنرى خشبًا بنيًا بشكلٍ مُعيّن، وإذا لعقنا هذا الخشب سنتذوق طعم الخشب القديم والماء المالح، لكن هذه جميعًا مجرد أحاسيس نتعلم ربطها بشيء نسميه سفينة «ثيسيوس». بالطبع السفينة موجودة كذرات، لكنها مجرد ذرات كأية ذرات أخرى، ونحن من جعلنا منها كيانًا يُسمى السفينة؛ نحن الذين رسمنا حدودها وقلنا إنها تنتمي إلى الجنرال الأسطوري «ثيسيوس»، كل شيء في أذهاننا، ونحن محظوظون لأننا نعيش مع آخرين تعلموا خلع الأسماء ذاتها على المثيرات ذاتها. لقد تواضعنا على التسمية … وباختصار: سفينة «ثيسيوس» مجرد رمز!
*أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة في كلية الآداب – جامعة المنوفية – مصر.