العلاقات الروسية الإيرانية بين مفاوضات فيينا وحرب أوكرانيا

العلاقات الروسية الإيرانية بين مفاوضات فيينا وحرب أوكرانيا

شجون عربية – بقلم: عاطف محمود دبل* |

مقدمة:
تلقي الحرب الأوروبية بين روسيا وأوكرانيا المدعومة من العواصم الغربية بظلالها على كثير من الملفات الدولية العالقة، يتمثل نصيب إيران من هذه الملفات في مفاوضات فيينا حول الملف النووي الإيراني، وملف العلاقات بين إيران وجيرانها ونفوذها الإقليمي والجماعات التي تدعمها. عواصم الدول الكبرى تتلاعب بهذه الملفات على خلفية الحرب، فنجد من يعرقل المفاوضات في فيينا من أجل مكاسب جديدة في الحرب، وتجد من يتغاضى عن انتهاك نفوذه ومهاجمة حلفائه، حتى لا يفتح جبهات عداء يعجز عن مجابهتها في وقت واحد.

محاولة اختبار النفوذ الأمريكي في أربيل
“إيران لن تتخلى عن وجودها الإقليمي”، بهذه الكلمات عبر المرشد الأعلى في الجمهورية الإسلامية عن نوايا إيران في الفترة المقبلة، حيث تشير الكلمات إلى سياسة تستمر فيها إيران في دعم الجماعات الموالية لها في الدول المجاورة، هذه الجماعات التي تمثل النفوذ الإيراني في المنطقة، لكن وفي خطوة غير عادية .. في فجر الأحد الثالث عشر من آذار تم قصف محيط القنصلية الأميركية في “أربيل” عاصمة إقليم كردستان بالعراق بأكثر من عشرة صواريخ باليستية قادمة من الأراضي الإيرانية.
طهران التي اعتادت تنفيذ أجنداتها في المنطقة من خلال دعم الجماعات والميليشيات المسلحة كشفت عن وجهها مرة أخرى وراحت تطلق الصواريخ من أراضيها ثم تعلن تبني الحدث عبر قوات الحرس الثوري الإيراني، في موقف تبعث فيه بلاد برسائل كثيرة.
في واحدة تعلن أن الولايات المتحدة قد أصابها العجز أن ترد على هذا الحدث المهدد لنفوذها في المنطقة، حتى لا تفتح واشنطن أكثر من جبهة مواجهة مع أعدائها فتسمح لهم بالتحالف. وأخرى تنبّه فيها الدب الروسي عن حليف الأمس الذي نجحا في تنفيذ أهدافهما من الحرب على الساحة السورية، في محاولة لدفع موسكو لتقديم عروض قوية لتحالف جديد بالأخص في ظل العقوبات التي لا تكف العواصم الغربية عن إعلان الجديد منها كل يوم على العملاق الأوروبي.
ورسالة ثالثة لإسرائيل، حيث جاء القصف فيما صورته إيران رد على مقتل قياديين من الحرس الثوري في قصف إسرائيلي للأراضي السورية مؤخرا، وجاء الرد بهذه الصواريخ على ما وصفه مسؤولو إيران بأنه “مركز استراتيجي إسرائيلي” وتوعدت طهران بردود حاسمة إذا ما تكرر الاعتداء، رسالة قوية بعثت بها طهران لعدوها الإقليمي على أراضي تمثل نفوذ الولايات المتحدة التي ينظر إليها باعتبارها الحليف الاستراتيجي لإسرائيل والأقوى على الإطلاق، حيث جاء القصف كما ذكرنا في محيط القنصلية الأميركية.

موقف طهران في قرار أممي يدين روسيا
يشهد شهر آذار / مارس الحالي أحداث كبيرة تتعلق بالحرب الأوروبية بين الدب الروسي من جانب وأوكرانيا يدعمها الحلفاء على الجانب الآخر، ومواقف أخرى على الهامش تتطلب الكثير من التحليل، العواصم الغربية بدأت تجمع الدول الصديقة وتضغط على حكومات أخرى وتلتقي المصالح مع فئة ثالثة لتبني قرار أممي لإدانة الاعتداء الروسي، واستطاعت جمع أغلبية 141 دولة من إجمالي 193 دولة عضو في الأمم المتحدة، ونجحت في استصدار قرار يطالب روسيا بالتوقف فوراً عن استخدام القوة ضد أوكرانيا، بينما عارضته خمس دول، وامتنعت 35 دولة عن التصويت من بينها إيران.
موقف يبعث بالكثير من الإشارات، إيران التي تسعى في تحركات منها لتحالف الروس، لم تنسَ الخلفية التاريخية السوداء للعلاقات معهم، روسيا التي كانت حتى سنوات قريبة من منتصف القرن العشرين تسيطر على أغلب الأجزاء الشمالية من إيران، وفي معاهدة “عهدنامه ترکمنچای” المهينة والمذلة أجبرت فيها الإمبراطورية الروسية الحكومة الإيرانية القاجارية عام 1828، على التوقيع على التنازل عن أراضيها ودفع شيء يشبه الجزية لروسيا، مما يعنى أن التحالف الذي تسعى له إيران هو تحالف ليس بالاستراتيجي وإنما مجرد التقاء مصالح تسعى لاستغلاله مجدداً.
ومن الناحية الأخرى لم تعارض القرار، على أمل توافق مصالحها مع الغرب في مفاوضات فيينا التي تقترب من الانتهاء والتوصل للاتفاق، وعليه نجد موقف طهران الذي لم تتخذ فيه عدواً ولا صديقاً لتبقي كل السيناريوهات محتملة، ويكون التحرك الإيراني فقط وفق ما تقتضيه مصالحها وبما يناسب أهدافها.

موقف موسكو من مفاوضات فيينا
بعدما كانت مفاوضات فيينا قد اقتربت من الحسم، حسبما أوضح كبار المفاوضين من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، عرقلتها روسيا على خلفية العقوبات المفروضة عليها إثر هجومها على أوكرانيا، حيث جاء المطلب الروسي بعدم خضوع العلاقات التجارية بينها وبين إيران لعقوبات مماثلة، روسيا تتلقى اليورانيوم المخصب الزائد من إيران وتوفر الوقود النووي لمحطة بوشهر الإيرانية، وكان من المقرر إحياء مثل هذا الدور في أي اتفاق نووي جديد.
يشار إلى أن روسيا لم تستخدم حقها في توقيف قرارات بفرض عقوبات جديدة على إيران، وكانت تستفيد من مثل هذه العقوبات وخاصة النفطية منها، بما يسمح لها التوسع في بيع النفط الروسي، وليس من مصلحتها امتلاك الجمهورية الإسلامية لسلاح نووي. ومن هنا ندرك كيف أن العلاقة مع إيران ليست تحالف قائم على دعم قيم مشتركة ولكنها تحالفات تكتيكية، جمعتهما مصالح مشتركة وليست أهداف استراتيجية بعيدة.
وعليه نجد إيران ترفض إدانة الاعتداء الروسي، ويتضح ذلك من خلال كلمات المرشد الأعلى للبلاد والذي ألقى باللوم كامل على الولايات المتحدة التي عبثت بالسياسات الأوكرانية ودعمت الثورات الملونة والتغيير السياسي والذي تسبب بتهديد الأمن الروسي ونتيجة له كانت الحرب الأخيرة، بل ولم تعلن إيران أن روسيا تسبب عقبة أمام إتمام الاتفاق النووي وإنما تتهم الولايات المتحدة ممثلة في إدارة بايدن بأنها غير قادرة على إصدار قرار سياسي في شأن العقوبات والمفاوضات.

خاتمة:
عرضنا لجانب من مصير مفاوضات الملف النووي الإيراني ومحاولة العواصم الغربية التوصل لاتفاق بشكل سريع، وأسلوب روسيا في فرض مطالب جديدة والضغط عبر عرقلة مسار المفاوضات، وإعلان إيران أن تأخير المفاوضات يأتي في صالحها، ثم عرضنا لأسلوب الجمهورية الإسلامية في التعدي على النفوذ الأميركي عبر صواريخها الباليستية، لإثبات عجزها عن مواجهة الجميع واستغلال ذلك لصالح موقفها في المفاوضات، وكذلك عرض لموقف إيران من قرار أممي ضد روسيا وكيف أنها وقت الحسم تفلت جميع الحبال من يديها في سبيل الحفاظ على مصالحها وتحقيق أهدافها.

*المقالة تعبّر عن رأي كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع.