الدور الحضاري العُماني البحري: رحلة السفينة سلطانة إلى نيويورك 1840 إنموذجًا

الدور الحضاري العُماني البحري: رحلة السفينة سلطانة إلى نيويورك 1840 إنموذجًا

شجون عربية – بقلم: د. صالح محروس محمد* – نشرى المقالة ضمن احتفالية تدشين صالون أحمد بن ماجد في القاهرة |

بدعوة كريمة من السفير العماني في القاهرة الدكتور عبدالله بن ناصر الرحبي “الدبلوماسي المميز المحب للعلم فهو خير من يمثل سلطنة عُمان”، وبحضور عدد كبير من رجال الفكر والسياسة والإعلام في حفل تدشين صالون أحمد بن ماجد الثقافي الخميس 25 نوفمبر الذي أعاد إلى الأذهان أمجاد عمان البحرية. وبحكم تخصصي في التاريخ العماني خاصة الشق الإفريقي منه وعاشق لعُمان وأهلها( ربع قرن في دراسة التاريخ العماني قمت بتأليف 21 كتابا حتى الان وشاركت في أكثر من عشرين مؤتمر بأوراق بحثية عن التاريخ العماني) تشرفت بإلقاء كلمتي عن الدور الحضاري العماني البحري رحلة السفينة سلطانة إلى نيويورك 1840،
ووضحت أسباب ومقومات التميز البحري العُماني وهي أولا أسباب طبيعية تتمثل في الموقع الاستراتيحي المهم لُعمان حيث تطل على بحر عُمان الملتقي مع مياه المحيط الهندي وأيضا طول السواحل العمانية وصلاحيتها لإقامة المواني مثل صحار ومسقط . وكذلك حركة الرياح الموسمية التي ساعدت على انتقال السفينة العمانية من سواحل عمان إلى سواحل شرق إفريقيا والعكس. أما الأسباب الاقتصادية تتمثل في تجارة المحيط الهندي هذه المنطقة الواسعة الغنية بمنتجاتها سواء منتجات عمان مثل التمر واللبان واللؤلؤ ومنتجات الترانزيت التي حملها العمانيون من الهند والصين مثل التوابل والأقمشة .وكذلك منتجات شرق إفريقيا مثل العاج والقرنفل وجوز الهند وغيرها . أما الأسباب البشرية تتمثل في الشخصية العُمانية حيث قدرتها على ركوب البحر منذ قديم الزمان وأيضا ما تحلت به من أخلاق كريمة خاصة التواضع وحب العلم والتسامح مما جعلهم يحققوا نجاحات كبيرة كتجار وحكام وأيضا في قدرتهم على التعايش والسلام مع من تعاملوا معهم . وكان لاهتمامات أسرة آل سعيد البحرية دورًا أيضا في تفوق عمان في البحرية حيث اهتموا بصناعة السفن وتزويدها بالمدافع واهتموا بإقامة الموانئ وحمايتها . وفي الوثيقة غير منشورة التي حصلت عليها من الأرشيف البريطاني والتي هي عبارة عن تقرير عن حكام أسرة البوسعيد وأهم ما يميزهم ويميز حكمهم الذي كتبه بترمان الذي عمل وزيراً للمالية لسلطان عًمان من 1925 1930 وضح أن حكام البوسعيديين وعرب عمان أصلهم تجار وملاك سفن وازدادت قوتهم مع نجاح أعمالهم وتحقيق الثروة التي جاءت عن طريق البحر وزادت بتحقيق اتفاقيات تجارية وسياسية مع العالم الخارجي أي أنه أكد على دور أسرة البوسعيد في النهضة الحضارية في عمان وشرق أفريقيا وأيضا حماية الامبراطورية العمانية المترامية الأطرف التي ظهرت في أقصى اتساع لها في عهد عهد السيد سعيد( 1804- 1856) وكان الرابط الذي يربط بين أجزاء هذه الامبراطورية هو التجارة التي كان قوامها السفينة العمانية والبحارة العمانيين أُسُود البحر في المحيط الهندي في القرن الثامن عشر والقوى الأُولى في المحيط الهندي في النصف الأول من القرن التاسع عشر .

انظر الخريطة السابقة توضح الامبراطورية العربية الآسيو أفريقية في عهد السيد سعيد بن سلطان أقوى حاكم عربي في النصف الأول من القرن التاسع عشر . وبالطبع كان عصره أزهى فترات ازدهار البحرية العمانية والأسطول العُماني . وبالطبع كان الأسطول العماني في عهده يتكون من عدد كبير من السفن بعضها صنع في مسقط والآخر تم صناعته في الهند وبريطانيا ، وزودت هذه السفن بحاميات عسكرية وعدد من المدافع واستخدمت لأغراض تجارية وعسكرية وسياسية .
وكانت رحلة السفينة سلطانة في نيويورك 1840 أولى رحلات الأسطول العماني لأمريكا

وأولى الرحلات التجارية العربية إلى الولايات المتحدة حتى وإن كانت دولة المغرب سبقت الدول العربية بالاعتراف بالولايات المتحدة فكانت عمان أول من أقام معها علاقات تجارية ودبلوماسية مع ذيوع أخبار هذه الرحلة .التي كان لها أهداف متنوعة سياسية واقتصادية. فكان من أهدافها إقامة علاقات ودية وصداقة مع الولايات المتحدة الامريكية حيث أرسل السيد سعيد بن سلطان رسالة سلام مع السفير أحمد بن نعمان الكعبي لتسليمها إلى الرئيس الأمريكي فون بورين وأيضا أرسل له العدد من الهدايا لا يزال بعضها موجود في العديد من المتاحف منها سجادة فارسية وجواديين أصيلين وعقد من الؤلؤ . ولقد حملت السفية 305 طنا من البضائع التي كانت غنية بها الامبراطورية العمانية بشقيها الأسيوي والأفريقي منها القرنفل والبن والأقمشة الهندية والتمر العماني .
بدأت الرحلة من زنجبار في شرق أفريقيا جنوبا بالدوران حول افريقيا منطقة كيب تون ثم المحيط الأطلسي وتوقفت في سانت هيلانة وواصلت المسير حتى الولايات المتحدة الأمريكية . ووصلت في 30 /4/1840 ولاقت ترحيب شعبي ورسمي في الولايات المتحدة الامريكية .واستغرقت في ميناء ما يقرب الأربعة الأشهر وعادت محملة بالضائع الامريكية منها الأقمشة والسكر وبعض الهدايا من الحكومة الامريكية إلى السيد سعيد ورسالة من الرئيس الامريكى تسلمها السفير أحمد بن نعمان الكعبي التى أعرب فيها الرئيس الامريكي فون بورين عن سعادته وسعادة بلاده بإقامة علاقات سلام وصداقة مع السيد سعيد ودولته المترامية الأطراف الغنية بمواردها .ونجحت رحلة السفينة سلطانة في تحقيق أهدافها التي أهمها الأهداف السياسية حيث ارتفعت مكانة السيد سعيد ونجح في الوصول بتجارته إلى بلاد لم تكن تحت نفوذه وكذلك فيما وراء البحار. وحققت أيضا الرحلة نجاحات في المجال التجاري ، وارتفعت مكانة السفير أحمد بن نعمان الكعبي .

صورة السفير أحمد بن نعمان الكعبي.
وتبقى رحلة السفينة سلطانة دليلا على ما وصلت إليه عمان من حضارة وتقدم بحري ودبلوماسي وسياسي وتجاري سبقت العديد من الدول، ودليل على نجاح الدبلوماسية العمانية في إقامة العلاقات الخاريجية في أوقات مبكرة . وفي الختام كل الشكر والتقدير لسعادة السفير الدكتور عبدالله بن ناصر الرحبي على دعوته لي للمشاركة في صالون أحمد بن ماجد وعلى كرم أخلاقة .

*أكاديمي وباحث مصري