أوكرانيا: الحرب النووية مستبعدة… ولكن

أوكرانيا: الحرب النووية مستبعدة… ولكن

شجون عربية – بقلم: محمود بري* |

“… وإن الحرب مبـدؤها كــلام ”
حين قالها الشاعر الأموي نصر بن سيّار، لم يكن يفكّر فينا…في عالمنا الحالي وما يعتريه من كلام وحروب ومخاطر. لكن كلمته تصح اليوم بشكل مثالي. وهنا، في هذا المعنى مربط الفرس، ومن هذه الزاوية ينبغي النظر إلى ما يدور على الأراضي الأوكرانية. فهذه ليست معركة. إنها حرب. ليست حرب أوكرانيا تحديداً بل حرب بها… ابتدأت على أرضها. وهي ليست للدفاع عن الوطن، بل للدفاع عن “الإمبراطورية”…تلك الإمبراطورية التي يديرها سادة (الأميركيون) ويخدمها أتباع (الأوروبيون). وبصرف النظر عمّا يدور على الأرض من معارك وتقاصف، فالموضوع الأساس والأهم يكمن في الجواب الذي لا يعرفه أحد…: هل تختار “الإمبراطورية” الحرب النووية لتتجنب صعود الحلف الروسي – الصيني إلى سقف العالم ومقاسمة واشنطن السلطان؟
ليس المهم الآن من يتقدّم على الأرض… الأهم أن أحد الطرفين يصرّ على استخدام أوكرانيا “أرض جهاد” ضدّ موسكو بهدف “إعادة روسيا إلى داخل العلبة”.
من الطبيعي أن يعمل الطرف المقابل على السيطرة على أداة عدوه وتحييدها لتأمين سلامته أولاً ولتثبيت قواعده. وبين الحدّين لا بد من … الدعاء بأن يخرج العالم من عنق زجاجة الحرب النووية. فعندما “تأكل” المصالح بقايا التفكير المسؤول، لا يعود من ملاذ غير…الخوف… والدعاء.
وعلى أي حال فقبل إطلاق الأحكام، علينا الخروج أولاً برأسنا من أدخنة القصف والحرائق حيث تبدو البانوراما غير مُطمئنة. فما يجري هو بالمعنى الحرفي حرب عالمية بالوكالة… وهنا علينا العودة بالذاكرة إلى مطلع الستينات من القرن االمنصرم ومعضلة “خليج الخنازير”. ولا بد من استدراك توضيحي. في مطلع العام 1959 استولى ثوار كوبيون شيوعيون على السلطة في البلاد بزعامة فيديل كاسترو، ما أثار قلق الولايات المتحدة برئاسة دوايت أيزنهاور (1953-1961)، فرسمت للإطاحة بكاسترو قبل أن يستفحل أمره، وأرسلت قوات كوماندوز من الكوبيين اللاجئين في أميركا، بعد تدريبهم وتسليحهم، وهو ما عُرِف بـ”عملية زاباتا” أو “غزو خليج الخنازير”. وفي نيسان/أبريل 1961 انتهت العملية بفشل ذريع للمهاجمين. إثر ذلك لجأت كوبا إلى السوفيات واتفقت معهم على نشر صواريخ باليستية سوفياتية على الأراضي الكوبية، بغرض الدفاع عن النفس. لكن الأمر أثار ذعر الإدارة الأميركية فردت بفرض حصار بحري على كوبا وإطلاق عمليات استطلاع جوية لمقاتلاتها فوق مواقع منصات الصواريخ. يومها أوصى معظم مستشاري الرئيس الأميركي جون كنيدي بشن هجوم استباقي على كوبا لتدمير المنصات السوفياتية، الأمر الذي كان سيُدخل العالم في حرب عالمية ثالثة غير مسبوقة تُستخدم فيها الأسلحة النووية، بخاصة وأن واشنطن راحت تستعرض قواها، مهددة باستخدام القوة.
الأزمة بلغت خواتيمها خلال 13 يوماً بحل سلمي وسحبت موسكو صواريخها من كوبا، في مقابل سحب واشنطن صواريخ “جوبيتر” التي نصبتها في تركيا، وتعهدها بعدم غزو كوبا من جديد.
السوفياتي يومها تجاوب مع الإنذار الأميركي. ولا أزعم أنه فعل ذلك لأنه قرأ جيداً درس هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين واستوعبه جيداً… إنما من المنطق ألا نهمل هذه النقطة لأنها ليست مجرّد ملاحظة عابرة. فالأميركي صاحب تاريخ لا تصحّ الاستهانة بوحشيته المُطلقة. هذا لا يقتصر على سلوكه مع الذين “كانوا” أهل وسكان القارة الأميركية الأصليين (الهنود الحُمر)، وقد تحوّلوا اليوم إلى أقليات نادرة، مثابة “نماذج متحفية”. هناك الأهم. أعني الأكثر فظاعة ووحشية مما يبرر الاستنتاج بأن “الدولة العميقة” الأميركية لا تُقيم كبير وزن للأرواح البشرية حين تكون مصالحها “الإمبريالية” في كفة الميزان. كانت اليابان وأميركا يومها في حالة حرب (العالمية الثانية) ومواجهات دموية في أكثر من مكان في العالم… وبحكم الحرب “وما يجيزه” المتحاربون لأنفسهم، كان من المفهوم أن يُخطط كلٌ من الطرفين لمعركة يكسر فيها عدوّه. فهذه هي الحرب. اليابانيون كانوا أكثر ذكاءً وإبداعاً. رسموا وخططوا وشنّوا المعركة ( في بيرل هاربور) التي لم يكن الأميركيون ليتوقعونها لألف سبب وسبب. ألحق الياباني يومها هزيمة كاملة ومُذلّة بالعدو حيث دمّر الأسطول الأميركي برمته مُخلّفاً آلاف القتلى والجرحى … نعم. كانت جرحاً بليغاً على مستوى الخسائر البشرية والعتادية والمعنوية أيضاً. الأميركي لم يفكر بتدبير معركة مشابهة بالمقابل ليثأر لهزيمته مثلاً ويستعيد معنوياته المدمرة. اختار شيئاً جديداً وبالغ الخطورة والوحشية: القنبلة الذرية. قصف مدينة هيروشيما اليابانية بالأعجوبة النووية الجديدة يومها، فدمّر المدينة الحية عن بكرة أبيها مُبيداً بشرها وشجرها وحجرها، وتركها أرضاً قاحلة لا تصلح للحياة… حتى الآن. كل ذلك فعله الأميركي لكي… ينتقم من خسارته معركة حربية. وعلى الرغم من أنه شاهد بأم العين مدى الدمار الفظيع الذي تسببت به نوويته الأولى، لم ينكفئ ولم يعتبر ولم يندم، بل لم يتردد عن استهداف مدينة يابانية ثانية وضربها بقنبلة نووية أخرى (ناغازاكي). هذه ليست سياسة ولا حرب. هي وحشية تحت بشرية أو فوق افتراضية لم يعرف لها التاريخ مثيلاً. وإحدى العبر من كل ذلك أن الذي فعلها… مرتين، يمكن أن يفعلها من جديد. المعنى أن الحرب النووية اليوم ليست كلمة غريبة تأتي من خارج النص.
الاحتمال قائم، مهما كان ضئيلاً. وهنا علينا ألا نصدّق أنفسنا بأنّ قادة العالم من هنا وهناك لا يعرفون البديهيات التي نعرفها أنا وأنت، أو أنهم ليسوا متمسكين بحياتهم أكثر منّا. لكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يكن يمزح حين اتهم الأميركيين بأنهم هم الذين يأتون على حديث الحرب النووية. وبصرف النظر عن موقفنا منه، فهو رئيس دولة عُظمى في حالة حرب على حدودها المباشرة، بمعنى أنه لا يجوز لنا إهمال كلمته والاكتفاء باعتبارها نتيجة… كأس فودكا إضافية.
كذلك فإن وزير خارجيته سيرغي لافروف أشار في تصريح له إلى أن “الحرب العالمية الثالثة لا يمكن أن تكون إلّا نووية”. ثم أضاف مُصوِّباً: “لكنّها تدور في أذهان السياسيين الغربيين، وليس في أذهاننا”.
ولنرجع قليلاً إلى الوراء. فور انهيار الدولة السوفياتية، جرى الاتفاق بين “ميخائيل غورباتشوف” (وكيل التفليسة السوفياتية) والأميركيين المنتصرين، على تفكيك الاتحاد السوفياتي. مع تشديد على ألّا يتقدَّم حلف شمال الأطلسي شرقاً باتجاه المدى الاستراتيجي لروسيا. وهذا لم يكن بنداً سرياً، لكن الولايات المتحدة، وتحت “بخار” انتصارها الكبير، شاءت عدم الالتزام بهذا البند. ثم جاء المحافظون الجدد في واشنطن ليعتبروا أنّ التاريخ انتهى بسيطرتهم على العالم، فاختاروا أن يناصبوا “الرميم الروسي” العداء بشكل سافر، لأكثر من سبب ظاهر أو واضح، وهو ما يجب التوقف عنده ملياً. وأكثر من هذا، فقد رفضت واشنطن قبول روسيا في معادلات العالم الجديد وأصرّت على جعلها “منفية”… وقبل ذلك كانت رفضت طلب رئيس روسي قريب منها هو “بوريس يلتسين” بانضمام بلاده إلى حلف الناتو.
هذا كلّه يكشف نوعية النظرة “العدائية” التي ينظر بها الحكم الأميركي إلى روسيا والروس عموماً، أعني من دون السوفيات والشيوعية، وهي نظرة تنطوي على قدر غير محمود من العنصرية نجحت واشنطن في تعميمها على معظم أوروبا.
وهنا علينا ألا نتجاهل هنا أن تسعير واشنطن حالة العداء الغربي لموسكو، من شأنه أن يرتد عليها بنتائج إيجابية، ليس أهمها إعادة بعث الروح في حلف الناتو الذي بدا قبل الأزمة الأوكرانية كأنه “لم يعد له من ضرورة”، كما قال غير باحث أميركي. كذلك فإن اندفاع أوروبا لمحاربة الروس في أوكرانيا وبالأوكرانيين (وغداً بمرتزقة سيسمّونهم متطوعين، كما أعلن رئيس الوزراء الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حين تحدث عن تشكيل فيلق للمقاتلين الأجانب)، ومدّهم بالمال والسلاح والعتاد وشتى أنواع الدعم، ليس إلا خدمة مجانية للإمبراطورية التي تخدم مصالح واشنطن وحدها، وإغراقها كذلك في عملية طمس الهوية الأوروبية وإحلال الهوية الأطلسية مكانها، ما يُخرج القارة العجوز من ثوبها ويضعها في خدمة واشنطن من دون جميل.
أما على الجانب الأوكراني الداخلي، فالمشكلة الحقيقية تتجسّد بسلوك السلطات الأوكرانية غير المسؤول على طريقة “عليّ وعلى أعدائي”… غير آبهة بالناس. وهذا سلوك نازي متهور بكل وضوح، وإن يكان يرتدي قناع البطولة والوطنية، من شأنه وضع الأمور على صفيح أسخن. فالحرائق التي “صادف” حدوثها في أكثر من مُنشأة نووية في أوكرانيا، ليست بالبراءة التي يحاول الإعلام الغربي إضفاءها عليها. و”مصادفات” حدوثها كلّما ضاق الخناق على سلطات كييف، يفتح النافذة على منطق السلطات الروسية التي تقول إنها “حرائق مُفتعلة”. واعتماد “المقاومة” الأوكرانية للشخصية النازية الأشهر في البلاد خلال الحرب العالمية الثانية “ستيفان بانديرا” كرمز لها (وهو الذي اشتهر بلقب عدو البلاد رقم واحد) وإطلاق إسمه على العديد من المجموعات المتشددة التي تُرهب المدنيين وتُجبرهم على عدم مغادرة منازلهم بعد نصب الأسلحة المدفعية والصاروخية وسط الأحياء، كل ذلك لا يترك مجالاً لفسحة أمل. وحراك زيلينسكي الذي بات يتحدث أمام الكونغرس الأميركي عبر تطبيق “زوم” يأتي في هذا السياق.
معروف أن الإدارة الأميركية العميقة، وعلى رأسها المحافظون الجدد، تريد إسقاط دولة الاتحاد الروسي مثلما أُسقطت دولة الاتحاد السوفياتي. فهل تدفعها هذه الشهوة الجنونية إلى اعتماد الخيار النووي (المحدود)… لإدراكها أن البديل هو واقع مؤلم جداً لها، مفاده أنه مع وجود روسيا منتصرة، يكون “نظامها العالمي” قد تغيّر إلى ما لا عودة…؟
أغلب الظن أن الميكافيلية الأميركية تبقى أذكى من أن تخاطر إلى هذا الحد. لكنه مجرّد ظنّ. وفي أفضل الأحوال ستكون النتيجة إطالة المأساة.

*باحث وكاتب لبناني.