أفول المكانة الإقليمية والدولية للقضية الفلسطينية

أفول المكانة الإقليمية والدولية للقضية الفلسطينية

شجون عربية- د.عقل صلاح
لقد أثرت العديد من العوامل والأحداث على القضية الفلسطينية مما أدى إلى تراجع الاهتمام بها، فأصبحت قضية ثانوية؛ فاندلاع مايسمى في الثورات العربية أدى إلى التأثير المباشر والجوهري على القضية الفلسطينية وأصبحت قضية هامشية لانشغال الدول العربية والعالم في الحروب والدمار الذي حل في منطقة الوطن العربي، وبدأ الاهتمام ينصب نحو التغيير في المنطقة، وكل دولة أصبحت منهمكة وتفتش في الخلاص من أزمتها أو الكارثة التي حلت بها جراء الاقتتال والدمار، وكان المستفيد الأكبر من ذلك إسرائيل التي استغلت ذلك في الانقضاض على ماتبقى من القضية الفلسطينية. فقد استفردت إسرائيل في الشعب الفلسطيني وشنت العديد من الحروب ضد غزة مستغلة الوضع في المنطقة وحالة عدم الاكتراث في القضية الفلسطينية من قبل العرب لتتحول القضية الفلسطينية من القضية الأولى إلى القضية المنسية وهذا يعد العامل الأول.
وينصرف العامل الثاني، في إهمال واستهداف القضية الفلسطينية بعد انتخاب الرئيس الأمريكي المتصهين دونالد ترامب في 20كانون الثاني/يناير 2017 – 20كانون الثاني/ 2021، الذي قام باتخاذ العديد من القرارات تجاه القضية الفلسطينية منها، الإعلان في 6كانون الأول/ديسمبر2017، عن أن مدينة القدس عاصمة لدولة الاحتلال، وفي 14أيار/مايو 2018، نقلت السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وفي 2آب/أغسطس2018، تم وقف المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية، وفي 3آب/أغسطس2018، تم قطع كامل المساعدات عن الأونروا، وفي 10أيلول/سبتمبر 2018، أغلق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وفي 18تشرين الثاني/نوفمبر2019، تم شرعنة المستوطنات القائمة على أراضي الضفة الغربية، وأعلنت الإدارة الأمريكية موافقتها على ضم وفرض سيادة إسرائيل على الأغوار والبحر الميت وتوسيع المستوطنات في الضفة، لضم 33% من الضفة الغربية مما يؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية وإنهاء حق العودة وحلم إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967؛ وهذا ما أعلن عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو بشعار “السلام مقابل السلام” وهذا ماحصل بعد قيام دولة الإمارات العربية والعديد من الدول العربية بالتطبيع الوقح مع إسرائيل في ظل استهداف القضية الفلسطينية، فلابد من تعريف هذه الخطوة بأنها خطوة لفتح البوابة العربية لمزيد من التطبيع المجاني مع إسرائيل، بدون حل جذري للقضية الفلسطينية والتنصل من مبادرة السلام العربية التي أطلقت في قمة بيروت سنة 2002، مما ينهي القضية الفلسطينية كقضية العرب المركزية لتصبح قضية الفلسطينيين المحاصرين والمنقسمين.
ويتمثل العامل الثالث، في انشغال العالم في الوباء، مما أثر على جميع الصعد والمستويات حيث انشغلت الدول في كيفية مواجهة الخطر الوبائي والانهيار الاقتصادي، ومن ثم الحرب الروسية الأوكرانية والدعم العالمي اللامحدود لأوكرانيا والكيل بمكيالين تجاه قضية أوكرانيا والقضية الفلسطينية التي تعاني منذ سبعة عقود من وحشية الاحتلال المستمر؛ بظل انشغال إسرائيل في التوسع الاستيطاني والقتل والحروب والاعتقال والهدم بدون لفت حتى أنظار العالم لسياسات إسرائيل، وتكلل ذلك بالإعلان عن ضم الضفة الغربية، ورفض رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت المنتخب في 13حزيران/يونيو2021، التفاوض مع السلطة الفلسطينية، ورفض الجلوس مع الرئيس الفلسطيني، وهذا ما أعلن عنه بينت في 14أيلول/سبتمبر2021، كما رفضت وزيرة الداخلية أيليت شكد في 3تشرين الأول/أكتوبر2021، دعوة الرئيس عباس للجلوس معها.
وتعرضت القضية الفلسطينية ومازالت تتعرض إلى إهمال من قبل المجتمع الدولي، والانحياز والدعم اللامتناهي من قبل الإدارات الأمريكية والبريطانية لإسرائيل، وضعف الهيئات والمنظمات والمؤسسات الدولية وعدم قدرتها على تنفيذ القرارات الدولية، حتى وصل مستوى الضعف لعدم قدرتها على إدانة الاستيطان في الضفة الغربية وكل ذلك نتاج هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية من خلال الفيتو على هذه المؤسسات الحقوقية، وانشغال دول العالم في الوضع الاقتصادي المتدهور والصراع الروسي الأوكراني، إضافة إلى ابتعاد العرب عن القضية الفلسطينية والتفتيش عن مصالح الحكام العرب بالبقاء على كراسي الحكم من خلال إرضاء أمريكيا وتنفيذ مايطلب منهم وبالأخص التقرب من إسرائيل حتى وصل الحد إلى مرحلة التحالف الاستراتيجي والتعاون الأمني بكل تفاصيله.
أما العوامل الذاتية فهي عديدة ومتنوعة ومتداخلة ومترابطة مع بعضها البعض، فالانقسام والفساد الإداري والمالي والتنسيق الأمني وانعدام الحريات والفقر المدقع والبطالة المرتفعة وانعدام الأمل بالتغيير والاعتقال السياسي ومقتل الناشط الشعبي نزار بنات وتفاقم مستوى الجريمة بظل غياب وتغيب القانون الرادع، وفقدان الأمل وانعدام الثقة السياسية في القيادة السياسية، وعدم إجراء الانتخابات العامة، وتمسك القيادة السياسية المتنفذة في الكراسي حتى غدت كل المؤسسات
الفلسطينية يقودها جيل أصغرهم 70 سنة، وعدم امتلاك أو وضع برامج وخطط تهدف لدعم صمود المواطنيين.
بالإضافة إلى ضعف الموقف وعجز القيادة الفلسطينية، التي مازالت لاتؤمن بغير المفاوضات لإنهاء الاحتلال وتحارب المقاومة وتراهن على الموقف والراعي الأمريكي للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المتوقفة، والمتبقي منها ومن اتفاق أوسلو فقط التنسيق الأمني المقدس، مما زاد من تهميش وتغييب القضية الفلسطينية دوليًا وعربيًا، بالإضافة إلى الاستهداف الأمريكي والإسرائيلي والبريطاني للقضية الفلسطينية، ولعل القرار البريطاني الأخير باعتبار حركة حماس منظمة إرهابية وخارجة عن القانون يصب في معاقبة الشعب الفلسطيني ودعم وقح للاحتلال، والتطبيع العربي. والأهم من ذلك السياسات الفلسطينية التي لم تستطع الخروج من دائرة المفاوضات، وعدم التفتيش وطرح خطط تجبر العالم على الاهتمام في القضية الفلسطينية، كما فعل الرئيس الشهيد ياسر عرفات عندما عاد من كامب ديفيد سنة 2000 ليعلن عن اندلاع انتفاضة ثانية استطاعت إعادة الحياة السياسية وغيرها للقضية الفلسطينية، وليقلب الطاولة على الجميع ومن هنا استطاع إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية وأعاد الملف الفلسطيني ليحتل الموقف والرأي العام العربي والدولي، والكل أصبح يفتش عن حلول من أجل وضع حد للانتفاضة المشتعلة.
أما على مستوى السياسة الداخلية الفلسطينية في إطار العلاقات الوطنية؛ فالتنظيمات الفلسطينية موقفها لا يرتق لحجم مخطط تصفية القضية؛ فالسياسة الفلسطينية الداخلية من نكسة إلى أخرى، وتتفاقم حدة الخلافات السياسية الداخلية مما يؤثر بدوره على مستوى التعاطف والتضامن العربي والدولي مع القضية الفلسطينية، كل ذلك ينعكس على الساحة الفلسطينية المحلية التي تعاني من الانقسام وعدم إتمام الانتخابات، فالشعب الفلسطيني في غزة يعاني ويلات الانقسام والحصار والحروب والحياة الغزاوية مدمرة على جميع الصعد، وفي الضفة حالة الفوضى والفلتان الأمني والبطالة والفقر والفساد تضرب بكل قوة حياة الشعب.
فالحالة الفلسطينية فريدة من نوعها، فالانتخابات الفلسطينية حدثت في عام 1996 وبعدها لم تحدث إلا بعد استشهاد الرئيس ياسر عرفات، حيث تم انتخاب الرئيس محمود عباس في عام 2005، ولا يمكن إجراء الانتخابات الرئاسية إلا بعد وفاة الرئيس عباس أمد الله في عمره، وعندها يتم التغيير الجذري في الحالة الفلسطينية؛ ولكن لايعني ذلك السكون فالقضية الفلسطينية يحكمها قاعدة مفادها “أن المتغير اللحظي هو الثابت الوحيد”.
القيادة الفلسطينية الحالية الرسمية تتحمل كل المسؤولية عن ما وصلت له القضية الفلسطينية لذلك يتطلب منها ومن الفصائل والكل الوطني القيام بالخطوات التالية:
1. تنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمركزي بخصوص تحديد العلاقة مع إسرائيل وسحب الاعتراف بها، وإنهاء التنسيق الأمني من القاموس الفلسطيني.
2. الانطلاق من الاتفاق الذي حصل مابين التنظيمات الفلسطينية في القاهرة في شباط/فبراير 2021، بوساطة مصرية والذي نص على إجراء الانتخابات العامة الثالثة، حيث تم إصدار المرسوم الرئاسي رقم 3 في 15كانون الثاني/يناير2021، لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني، والقاضي بإجراء الانتخابات التشريعية في 22أيار/مايو 2021، وبموجب المرسوم ستجري الانتخابات الرئاسية في نهاية تموز/يوليو2021، على اعتبار أن نتائج انتخابات المجلس التشريعي المرحلة الأولى في تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، على أن يتم استكمال انتخاب أعضاء المجلس الوطني في نهاية آب/أغسطس2021، وفق النظام الأساس لمنظمة التحرير والتفاهمات الوطنية، بحيث تجرى انتخابات المجلس الوطني حيثما أمكن، وإعادة الاعتبار للانتخابات العامة على أساس هذا الاتفاق، من نقطة التوقف الذي بدأت عند تأجيل الانتخابات التشريعية في 30نيسان/أبريل 2021.
3. تشكيل حكومة وحدة وطنية مهمتها الأساسية الإعداد للانتخابات التشريعية والرئاسية لتجديد الشرعيات لكل هيئات الشعب الفلسطيني بما فيها المجلس الوطني والمركزي واللجنة التنفيذية.
4. رفع الحصار المفروض على القطاع مباشرة والإعلان عن إنهاء كل القرارات التي تم اتخاذها من قبل الرئيس تجاه القطاع وحركة حماس، ومعاملة موظفي غزة كموظفي الضفة.
5. إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية، واعتبار السلطة الفلسطينية وحكومتها هيئة من هيئات منظمة التحرير وصولا لإنهاء السلطة بشكلها الحالي لتكون منظمة التحرير هي صاحبة السيادة على السطة لا العكس.
6. إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وذلك من خلال القيام بخطوة مستعجلة تتمثل بانضمام حركتي حماس والجهاد الإسلامي للمنظمة، وصولًا لإعادة تشكيل لجان المنظمة بناء على الانتخابات.
7. التعامل في إيجابية مع ورقة الرؤيا التي قدمها إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس للقيادة المصرية في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر2021، ووثيقة القيادي ناصر القدوة الذي قدمها في أواخر تموز/يوليو 2022 للخروج من الأزمة الفلسطينية، وهي ورقة برنامجية مهمة يمكن البناء عليها، وفتح حوار جدي تجاه تنفيذ بنودها.
8. فتح المجال أمام الجماهير بتولي زمام المبادرة، وعدم تدخل الأجهزة الأمنية بالفعل الشعبي، بل يجب أن تكون الأجهزة عامل داعم ومساند للتحركات وحماية الشعب من خطر الاحتلال.
9. إطلاق سراح المعتقلين السياسيين في شطري الوطن ووقف الردح الإعلامي وتهيئة الأجواء أمام مبادرات الوحدة والتلاحم في مواجهة الاحتلال
10. الابتعاد عن سياسة التوريث القيادي من خلال إثارة الإشاعات وجس النبض وتهيئة الأرضية للتوريث من بوابة التاريخ والمشروعية الثورية وغيرها من المسميات الخارجة عن الفهم الديمقراطي وأسس تولي السلطة، فعملية الالتفاف على الانتخابات العامة، لن تنجح وذلك بسبب الرفض الشعبي، بالإضافة إلى الانقسام الحاد داخل النخب السياسية وبالتحديد داخل مركزية فتح، والأهم من ذلك زيادة عدد النخب المسترئسة في الحالة الفلسطينية وغالبيتهم يجد بنفسه الأحقية الانتخابية وحتى الثورية.
11. محاربة الفساد المستشري في السلطة الفلسطينية وإطلاق الحريات في التعبير عن الرأي، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وإعادة النظر بكل الترقيات والتعيينات التي تم إقرارها لأبناء المسؤولين على حساب المواطن.

المصدر:كاتب وباحث فلسطيني مختص بالحركات الأيديولوجية