الفنان الأسير محمد الركوعي: جسّدت النضال الفلسطيني في لوحاتي

الفنان الأسير محمد الركوعي: جسّدت النضال الفلسطيني في لوحاتي

شجون عربية – خاص – دمشق – حوار: فاطمة الموسى |

بألوان بسيطة وجهد كبير وعملية معقدة استطاع الفنان الفلسطيني التشكيلي محمد الركوعي خلال فترة اعتقاله أن يرسل لوحاته إلى الخارج وأن يشارك بمعارض عدة.

محمد الركوعي فنان فلسطيني تشكيلي بدأ الرسم منذ الطفولة واعتقل 13 عاماً وتم تحريره خلال عملية الجليل في عام 1985 فكان لنا اللقاء معه في دمشق وأجري الحوار التالي:

* ماذا حدث أثناء دخولك معتقل عسقلان وكيف قضيت 13 عاماً من الاعتقال؟

-أنا فنان تشكيلي مارست العمل الفدائي داخل فلسطين وفي عام 1973 حكم علي بالسجن المؤبد، ونقلت من سجن “غزة” المركزي إلى معتقل “عسقلان” حيث الأحكام العالية،
تمّ عزلي لثلاثة أشهر في زنزانة انفرادية مظلمة، وكنت في تلك الفترة أتأمل وأفكر. وبدأت اهتم بالقراءة، وكنت أتخيل أني أرسم وألون، إلى أن رسمت أول لوحة صغيرة “اسكيتش” على طرف رسالة بيضاء، وبدأت بعدها مع كل مكتوب أرسله إلى والدتي، أرسم رسوماً بسيطة كعصافير وورود.. بعد ذلك أصبحت أرسم على مناديل قماشية بيضاء، أستغل الفراغ داخلها وأصور عليه بأقلام الحبر الناشف معاناة الأسير وحلمه، فقام بعض رفاقي المعتقلين بمنحي ألواناً شمعية. لقد واجهت إشكالات كثيرة للحصول على مواد الرسم، ومنها الألوان التي كنت أدمج لوناً مع لون آخر لأستطيع الحصول على اللون الذي أريد.


* كيف هربت لوحاتك إلى الخارج وأنت في الأسر وكيف كانت تدخل الأدوات إلى الداخل وما مدى صعوبة هذا العمل؟

كنت أخرجها من خلال الثقوب خلف جدران المعتقل إلى والدتي وذات مرة كنا في المعتقل وكانت هناك زيارة من والدتي فحملت أربع لوحات واتجهت لها لكني انكشفت وأدخلت زنزانة انفرادية لمدة اسبوع وتم تهديدي وبالنهاية لم أخضع لإدارة السجن. فشاركت في بعض المعارض الوطنية، فنالت إعجاباً وتقديراً وشهرة امتدت إلى العالم، وبتّ فناناً معروفاً في السجون. ووصلت إلى تقنية عالية في التكوين. وفي العام 1985 تمّ تبادل أسرى في “جنيف” وخرجت من المعتقل بعد 13 عاماً قضيتها فيه، متوجهاً إلى “ليبيا” ثم إلى “دمشق”، وأكمل مسيرتي التي بدأتها.

* إلى أي حد أثرت فترة اعتقالك في سجون الاحتلال بلوحاتك؟

-أثرت كثيراً منذ البداية من حيث إلهامي باللوحات التي كنت أرسم عن الهم والنضال والمقاومة. إن الفن في السجن لا أقول بسيطاً لكنه يعبّر عن القضية الفلسطينية ومن خلال الروايات التي قرأتها والقصص والكتب استلهمت فني ورسوماتي ومنها روايات غسان كنفاني التي ألهمتني أفكاري في أكثر من لوحة لأنه كان يلامس الحس الفلسطيني.


* كيف لاحظ الاحتلال الإسرائيلي عملية تهريب اللوحات وما كانت نتيجة ذلك؟

-كنت أرسم بسرية تامة، وأجلس في زاوية بعيدة عن أعين السجانين. أخرجت الرسومات من دون علم إدارة المعتقل، وأدخلت زنزانة انفرادية لمدة سبوع وتم تهديدي مراراً وتكراراً.

* عندما تحررت من الأسر، وعدت إلى فلسطين ما المرحلة التي مررت بها هناك؟ وكم ساهمت ظروف اعتقالك ونضالك في تطور تجربتك التشكيلية؟

-بعد غياب ثلاثين عاماً عن فلسطين عدت إلى بيتنا في “مخيم الشاطئ” في غزة، وبعد خمسة أشهر من عودتي قدمت معرضي الأول في غاليري “الميناء” وأتمنى أن تكون سالمة من القصف، عرضت فيها 51 لوحة.

*بعد خروجك من الاعتقال قدمت إلى سورية قدمت فيها معارضك الفنية حدثنا عن المعارض التي شاركت فيها وهل جسدت فترة الاعتقال؟

-نعم، تابعت مسيرتي ورسوماتي ولكني تطورت كثيراً في المرحلة الحالية حتى أنا وزيرة الثقافة السورية السابقة الدكتورة نجاح العطار طلبت مني أن أقدم لوحاتي في معرض فني. كما أنني أشارك بعدة لوحات في يوم الأسير الفلسطيني التي تجسّد النضال الفلسطيني. وبالنسبة للمعارض الخارجية شاركت بعدة معارض كالجزائر واليمن وليبيا ولكني مقيد بقيود كثيرة لأن المعتقلين لا يسمح لهم بالسفر كثيراً إلا من الدول الصديقة.  كما أن لدي الآن مرسم خاص بي في دمشق.

*الفن التشكيلي يحتاج إلى الاطلاع على أمور عدة في الخارج للاستلهام بها.. كيف استطعت أن تبدع ضمن أربعة جدران في السجون الاسرائيلية؟

-طبعاً أنا لدي ثقافة سابقة لأنني خريج دار معلمين ومدرس سنتين للفنون وكنت بحاجة للاطاع أكثر لأنه كان لدي فراغ هائل في السجن. كنت أعبّر في رسوماتي عن الهم والصمود وتقطيع الأسلاك والعلم الفلسطيني والسنونو. أنا لم أرسم السجان لأنني لا أريد أن أسجل حرفياً واقع المعتقل ولكن في السجن كانت الأعمال جميعها موجهة لصمود الإنسان وأصبحنا نصدر مجلة ندعمها بالصور والرسومات.

وختم قائلاً:بالنسبة للشعور تجاه القضية الفلسطينية منذ طفولتي فإن بلادي اغتصبت وأنا قاومت المحتل حتى بالسلاح هذا ليس مجرد انتماء بل كنت جزء من مقاومته، فالقضية الفلسطينية هي قضية مصير.

وأنا دربت نفسي ومدرستي ذاتية استفدت من خبرة الحياة ومن ثم دخلت معهد أدهم اسماعيل في دمشق فأنا رسام منذ طفولتي.

إنني أنتمي للمنطقة العربية ومتأثر بالفنون القديمة الفرعونية البابلية الكنعانية الآشورية الموجودة في بلاد الشام ومصر وفلسطين والأردن هذه المناطق كلها فنون.

وبالنسبة للفن والغاية الانسانية فأنا أعبر عن إنسانيتي داخل الرسم فالفن هو جمال فأنا أرسم بالفن الجميل.