صورة المرأة الجزائرية في لوحات الرسام الأميركي فريدريك بريدغمان

صورة المرأة الجزائرية في لوحات الرسام الأميركي فريدريك بريدغمان

شجون عربية – مراجعة: سلام الجمل* |
الكتاب: صورة المرأة الجزائرية في لوحات الرسام الأمريكي المستشرق فريدريك أرثر بريدغمان
تأليف الكاتبة: ليليا عثمان الطيب
إصدار: المركز الديمقراطي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية (ألمانيا – برلين)
الطبعة الأولى – سنة الإصدار: آذار/ مارس 2022 –

مؤلفة الكتاب:
الأستاذة ليليا عثمان الطيب، كاتبة جزائرية من مواليد عام 1990، تستكمل في الوقت الراهن دراستها في برنامج الدكتوراه بجامعة الجزائر، تخصص دراسات في سيميولوجيا الإعلام والاتصال.
وقد صدر للكاتبة العديد من الدراسات والأبحاث الأكاديمية والمقالات الصحفية في مواضيع عديدة، أضف إلى ذلك كتابها حول “عاطفة الحب في أفلام ديزني” والصادر سنة 2020.
أما فيما يتعلق بالكتاب محلّ العرض والمراجعة، والذي يعتبر آخر الكتب التي قامت بنشرها الأستاذة ليليا؛ فهو كتاب متوسط الحجم ينتهي ترقيمه عند صفحة 146، ومغلف بشكل ممتاز جداً، ويحتوي غلافه على أحد لوحات بريدغمان التي يعكس من خلالها صورة المرأة الجزائرية، والجدير بالذكر أنّ هذا الرسام قد أنجز عشرات اللوحات الفنية التي حاول من خلالها تناول صورة المرأة الجزائرية على كافة مستويات الحياة.
وحسب الأستاذة ليليا الطيب، فقد تمثل الهدف الرئيس لهذا الكتاب في إبراز صورة المرأة الجزائرية من خلال لوحات بريدغمان؛ حيث حاول هذا الأخير تناول كافة التفاصيل ذات العلاقة بالمرأة الجزائرية: كيف تعيش، كيف تتصرف، طبيعة لباسها، أبرز السمات التي تتصف بها شخصيتها، ماهي طبيعة معتقداتها، مكانتها في المجتمع الجزائري، وغير ذلك.
فالمرأة الجزائرية اعتبرت من أهم ركائز المجتمع الجزائري، مما جعلها تحظى باهتمام كبير من طرف بريدغمان، وشغلت في نهاية المطاف حيزًا كبيرًا على مستوى إنتاجه الفني.
وقد اعتمدت الكاتبة على العينة القصدية في اختيار اللوحات التي حاولت دراستها من خلال توظيف علم التحليل السيميائي، ومن تلك اللوحات الفنية، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: لوحة عائشة إمرأة من جبال القبائل، لوحة القيلولة، لاعبات الورق، صمت الليل، ظهيرة الجزائر.
إشكالية الكتاب:
قبل طرح الإشكالية الرئيسية ومجموعة التساؤلات الفرعية لهذا الكتاب، مهّدت الكاتبة بمجموعة فقرات تطرقت فيها إلى الحديث بإيجاز عن الصيرورة التاريخية للاستشراق الفني، وأشارت إلى انعكاسات صورة الشرق بصفة عامة في الأعمال الفنية للرسامين المستشرقين، الذين تناولوا مظاهر حياة الشرق وسحره في لوحاتهم الفنية.
وبيّنت الكاتبة إبداع هؤلاء الرسامون في تصوير النساء العربيات في أبهى حلة وأرقى صورة، وتركزت دراستها على بريدغمان، الذي شكلت المرأة الجزائرية الموضوع الطاغي في لوحاته الفنية المشحونة في جانبها البصري بالأزياء التقليدية الجزائرية (الحايك، الكاراكو، الجبة القبائلية، المجوهرات).
وقد أحسنت الكاتبة بهذا التمهيد، حيث أن هذه الفقرات التمهيدية تساعد القارئ على أخذ صورة عن الفكرة الأساسية التي يدور حولها الكتاب، الأمر الذي يساعد في إدراك وفهم منطلق طرح الإشكالية الرئيسية للكتاب، والتي تمثلت بالسؤال المركزي التالي:
كيف تمّ تجسيد المرأة الجزائرية في لوحات بريدجمان؟
ولكن من الجدير ذكره، التأكيد على أنّ هذه الإشكالية قد تمّ طرحها بالصيغة الكلاسيكية التقليدية لطرح إشكاليات الأبحاث والدراسات، عبر استخدام حرف استفهام قبل عنوان البحث أو الكتاب، ونقترح أنه كان من الأفضل طرح الإشكالية بصورة أكثر عمقًا وبصيغة أكثر بعدًا؛ وعلة ذلك فتح المجال أمام الكاتب والقارئ للتحليل والتقييم وليس فقط الوصف والسرد، وبناءً عليه نقترح هذه الإشكالية:
إلى أي حدّ استطاع بريدجمان تجسيد صورة المرأة الجزائرية في لوحاته الفنية؟
المصادر والمراجع المعتمدة في الكتاب:
اعتمدت الكاتبة على الكثير من المصادر والمراجع في إنجازها لهذا المُؤَلّفْ القَيّم، حيث أنه وباطلاعنا على الأصول العلمية التي اعتمدتها الكاتبة لمعالجة موضوع هذ الكتاب؛ نلاحظ وفرة تلك المراجع باللغتين العربية والفرنسية، وتنوعت هذه الأصول ما بين كتب ورسائل جامعية (رسائل ماجستير، أطروحات دكتوراة) باللغتين العربية والانجليزية، وكذا اعتمدت الباحثة على مجموعة من المقالات العلمية المنشورة في دوريات ومجلات عربية وأجنبية عريقة.
يضاف إلى ذلك كله، رجوع الباحثة إلى مجموعة من المقالات الصحفية المنشورة في الصحف والجرائد المحلية الجزائرية، وكذا المقالات المنشورة على المواقع الالكترونية.
وباستقراء موضوعات تلك المراجع، نجد أنّ الباحثة قد اعتمدت على مراجع قيمة ومتخصصة ومتنوعة في مجال موضوع الكتاب، الأمر الذي يعكس الاطلاع الواسع للكاتبة واهتمامها بالقراءة والبحث بمختلف اللغات (العربية، الفرنسية، الانجليزية)، وهو إنْ دلّ على شيء فإنما يدل على الإلمام والاطلاع الواسع للباحثة على الإرث العلمي والمعرفي المكتوب في موضوع هذا الكتاب.
محاور الكتاب:
قسمت المؤلف هذا الكتاب إلى ثلاثة فصول أساسية، تناولت في الفصل الأول ماهية الاستشراق الفني (المفهوم، النشأة، المظاهر)، وخصصت الفصل الثاني للتعريف بالفنان الأمريكي فريدريك أرثر بريدحمان؛ من حيث نشأته ومولده، وسفره إلى باريس واستكمال دراسته على يد جان ليون جيروم، وبيان أهم الرحلات التي قام بها إلى الشرق، وكذلك أهم الأعمال الفنية التي قدام بها بريدجمان.
وفيما يتعلق بالفصل الثالث، الذي يعتبر أهم فصول هذا الكتاب، فقد كرسته الباحثة لإجراء قراءة نقدية لبعض اللوحات الفنية التي رسمها بريدجمان حول المرأة الجزائرية، والتي حاول من خلالها إعطاء صورة شاملة حول تلك المرأة من مختلف جوانب حياتها، عاداتها وتقاليدها، لباسها، مكانتها في المجتمع الجزائري، طريقة عيشها وتصرفها، وغير ذلك من جوانب حياتها.
وقد تناولت الباحثة في هذا الفصل الكثير من تلك اللوحات، واختارت لبحثها اللوحات الفنية التالية: لوحة عائشة امرأة من جبال القبائل، لوحة القيلولة، لوحة فتاة من تلمسان، لوحة امرأة على الشرفة، لوحة لاعبات الورق، لوحة صمت الليل، لوحة ظهيرة الجزائر، لوحة فتاتين جزائريتين.
ولتحليل هذه اللوحات، اعتمدت الكاتبة على شبكة التحليل التي اقترحها “لوران جيريفيرو”؛ حيث تعبر طريقة شاملة في تحليل الصورة الثابتة بجميع أنواعها وعلى رأسها الصورة الفنية، وهي طريقة تأتي على ثلاثة مراحل: المرحلة الأولى يطلق عليها الوصف (الجانب التقني، الجانب التشكيلي، الموضوع)، المرحلة الثانية يطلق عليها بيئة اللوحة، المرحلة الثالثة تُسمّى القراءة التأويلية (التضمينية)، وتنتهي بالمرحلة الرابعة التي يتم فيها إجراء عملية تحليل واستخلاص للنتائج.
كما وناقشت الكاتبة العديد من الدراسات السابقة في هذا الموضوع، وأشارت في كتابها إلى أنّ موضوع الاستشراق الفني في الجزائر قد حظي باهتمام كبير على مستوى الدراسات الغربية، إلاّ أنّ الدراسات العربية والجزائرية والغربية التي ركزت على صورة المرأة الجزائرية في الفن الغربي عمومًا ولوحات بريدغمان على وجه الخصوص، كانت دراسات قليلة جدًا، وهو ما جعل هذا الكتاب –من وجهة نظر الباحثة- ذا أهمية كبيرة؛ باعتباره يغطي جوانب القصور آنفة الذكر، وكذا باعتباره كتابٌ يركز بشكلٍ مباشر على صورة المرأة الجزائرية في الاستشراق الفني، لاسيما في لوحات بريدغمان.

صورة المرأة الجزائرية في لوحات الرسام الأميركي المستشرق فريدريك أرثر بريدغمان

وفي تعقيب الكاتبة على هذه الدراسات السابقة، أشارت إلى هذا الكتاب يتفق مع الدراسات السابقة في بعض الجوانب العامة المتعلقة بالاستشراق الفني وهدفه العام، إلاّ أنّها تختلف مع تلك الدراسات في جوانب عديدة مثلت الفجوة التي عالجتها هذه الدراسة، والإضافة العلمية التي جاءت بها، ويمكن حصرها –حسب الكاتبة- في نقطتين:
تناول المرأة الجزائرية كموضوع رئيسي في الاستشراق الفني، من خلال تحليل لوحات بريدغمان.
اقتصرت هذه الدراسة على عينة واحدة، عكس الدراسات السابقة التي تناولت عينات عدة.
وأردفت الكاتبة، بالتأكيد على الاستفادة الكبيرة التي حققتها من خلال اطلاعها على الدراسات السابقة؛ عبر توظيف الجهود السابقة في إجراء التشخيص الدقيق لأشكالية الكتاب ومعالجتها بصورة شمولية أوسع، ومن جوانب الاستفادة التي أشارت إليها الكاتبة، ما يلي:
الاستفادة على مستوى الوصول إلى الصياغة الدقيقة والمتخصصة للعنوان البحثي الموسوم بصورة المرأة الجزائرية في لوحات بريدغمان.
الاستفادة على مستوى اختيار المنهج الملائم لهذه الدراسة.
ونلاحظ هنا، أنّ الكاتبة كان عليها أنْ تشير إلى استفادتها على مستوى المعلومات البيانات التي توافرت في المصادر والمراجع والدراسات السابقة، والتي وظفتها الكاتبة في إنجاز بحثها، ناهيك عن كون أنّ الدراسات السابقة المُشار إليها من طرف الباحثة قد ساهمت بشكل كبير في توجيهها في بحثها عن الاستشراق الفني بصورة عامة.
وفي الختام، أشارت الكاتبة إلى أنّ بريدغمان كان موفقًا في نقل صورة المرأة الجزائرية بالشكل الذي يتطابق مع الواقع فيما يتعلق بالزي والحليّ والاحتشام الذي يحمل في طياته مزيجًا من القيم والأعراف والجماليات.
لكنه وعلى الجانب الآخر، لم يكنْ موفقًا في بعض الأمور المتعلقة بصورة المرأة الجزائرية؛ حيث احتوت لوحاته على شيء من المغالاة والابتعاد عن الحقيقة والواقع؛ كما هو الحال مع وجود الشيشة في بعض لوحاته، وكذا عرض المرأة الجزائرية في الملابس والأزياء الشفافة الكاشفة لمفاتن المرأة في بعض لوحاته، وهو أمر مجافٍ للحقيقة وخاطئٌ وغير صحيح.
فالمرأة الجزائرية كانت ولا زالت امرأة متدينة ومحافظة وتحرص على سمعتها، وهذا التمثيل الخاطئ لها في بعض لوحات بريدغمان له أسباب عديدة، منها ما يتعلق بالاتجاه الذي كان مهيمنًا خلال القرن التاسع عشر على الوسط الفني والافتتان بحضارة الشرق. ومنها ما له علاقة بتوجهات أيديولوجية استشراقية هادفة إلى التقليل من مكانة المرأة والشرق عمومًا، واستعراض النساء الشرقيات عمومًا والجزائريات خصوصًا على أنهنّ مثيرات للغرائز.
لكن هذا كله بالتأكيد، لا يخفي محاولات بريدغمان في بيان دور المرأة الجزائرية البنّاء في جوانب عديدة، كالتربية والتعليم والعمل وغير ذلك من النشاطات اليومية لهذه المرأة. ومن الأهمية بمكان الإِشارة إلى أن بريدغمان يعتبر من المستشرقين القلائل الذين حرصوا على تقديم صورة جمالية عن الشرق عمومًا والجزائر خصوصًا.
ومن أهم النتائج التي توصلت إليها الأستاذة ليليا الطيب في كتابها؛ ما يلي:
حرص بريدجمان على إظهار الإبداع المعماري الذي تحتويه البيوت والمساكن في الجزائر، وانعكست النكهة الجزائرية الإسلامية على المستوى الهندسي المعماري في لوحاته، التي تعتبر توثيقًا للآثار والحضارة الجزائرية.
نالت المرأة الجزائرية اهتمامًا كبيرًا في لوحات بريدغمان، وبيّن الدور الكبير المنوط بهذه المرأة، وأنصفها في بعض لوحاته الفنية.
ركز بريدجمان بشكل كبير على الملابس التقليدية للمرأة الجزائرية، باعتبارها تراثًا ثقافيًا له دلالاته الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وإن كان بريدجمان قد أساء تصوير المرأة الجزائرية بصورة غير واقعية في بعض لوحاته، كما هو الحال في لوحة: ظهيرة الجزائر.
تعكس لوحات بريدغمان جمال المرأة الجزائرية، حيث تُعرف المرأة الجزائرية بجمالها وأنوثتها التي تتميز بها، أضف إلى ذلك انعكاس هدوء المرأة الجزائرية وتمتعها بحياة مرفهة، وهو الأمر الذي قد يكون فيه نوعٌ من المغالاة؛ لاسيما إذا ما أخذنا بعين الاعتبار كون هذه اللوحات قد رُسمت في فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر.

التقييم والتقويم:
من خلال اطلاعنا على هذا الكتاب، نرى أنّ الكاتبة كانت موفقة بشكلٍ كبير في الإجابة عن الإشكالية الرئيسية ومجموعة التساؤلات الفرعية التي طُرحت في مقدمة هذا الكتاب، ويمكن القول أنّ الكاتبة قد غطت جلّ تفاصيل الموضوع بأسلوب كتابة شيق وممتع لاسيما في الفصل الثالث المتعلق بتحليل ونقد واستقراء لوحات بريدغمان؛ إذ لم تكتفِ الكاتبة بوصف تلك اللوحات وإنما كانت حريصة بشكل كبير على إبراز أوجه المقارنة بين ما هو مكرس في تلك اللوحات، وما هو حقيقيّ وواقعي من الأمور ذات العلاقة بصورة المرأة الجزائرية.
ويمكن القول، أنّ الكاتبة قد اتصفت بالموضوعية العلمية والواقعية في تناولها وتحليلها لتلك اللوحات، بحيث لم تنتقصِ من المجهود الكبير للرسام بريدجمان، وانتقاداها لتلك اللوحات كانت منطلقة من الواقع المعاش لاسيما إذا ما أخذنا بعين الاعتبار كون الكاتبة امرأة جزائرية، وعليه فهي قريبة بشكل كبير جدًا من واقع المرأة الجزائرية.
ولا يفوتنا التأكيد على أهمية هذا الكتاب؛ باعتباره من المراجع القليلة جدًا -إن لم نقل الوحيد- الذي كان دقيقًا في موضوعه ومركزًا في الهدف الذي يسعى لتحقيقه، وبما أنه حديث الكتابة والموضوع؛ فنعتقد أنه سيشهد إقبالًا كبيرًا من طرف القراء والمهتمين بمجال الاستشراق الفني، حيثلعبت لوحات بريدجمان دورًا مهمًا في إعطاء العالم الغربي صورة فنية عن نظيره الشرقي.
وعلى الصعيد الشخصي، فقد استفدت كثيرًا من قراءة هذا الكتاب، وتعلمت منه التقنية التي يمكن من خلالها قراءة أبعاد وخفايا اللوحات الفنية، وأنصح غيري بقراءته.

*باحثة في دراسات الشرق الأوسط، الجامعة العربية الأميريكية، فلسطين