الجندر قراءة عابرة للتخصصات

الجندر قراءة عابرة للتخصصات

شجون عربية -مراجعة: سليمان بشارات* |

الكتاب: الجندر قراءة عابرة للتخصصات
إشراف وتنسيق: د. حنان طرشان، د. سليم سهلي
إصدار: المركز الديمقراطي العربي، برلين- ألمانيا
الطبعة الأول 2021
عدد الصفحات: 271 صفحة –

ينطلق الكتاب من رؤية تنظيرية تأصيلية بأقلام عربية بهدف إعادة قراءة وفهم للظاهرة الجندرية؛ التي حاولت الأقلام الغربية أن تجعل منها واحدة من المفاهيم المتعلقة بالواقع الاجتماعي العربي، وتركيبة المجتمعات من منظور عدم المساواة والبحث عن مداخيل لنقدها.
فالمنظور الغربي تجاه النسيج الاجتماعي العربي يقوم في طبيعته على مفاهيم عدم الاستقرار أو النمو، بل تعزيز مفهوم الرجعية والتخلف، وهو عكس الواقع الحضاري الذي أقيمت عليه الحضارتين العربية والإسلامية التي منحت المرأة مكانتها، فيما يمكن للمفكرين والنخب الأكاديمية العربية مناقشة هذا المفهوم وغيره دونما الارتهان للمجهود الغربي فقط.
يضم الكتاب بين جنباته؛ 18 ورقة بحثية علمية قدمت ضمن المؤتمر العلمي الدولي بعنوان: “الجندر قراءة عابرة للتخصصات”، والذي هدف إلى دراسة مفهوم الجندر كفئة تحليلية للعديد من الظواهر الاجتماعية المتعلقة بالنوع الاجتماعي، إضافة لدراسة مفهوم الجندر في ظل التغيرات البنيوية، إلى جانب محاور متعددة لتغطية المفهوم من زوايا الأدب والثقافة وعلم النفس.
يقع الكتاب في 271 صفحة، وبهدف تسهيل عرض المجهود البحثي الكبير الذي يتضمنه الكتاب، سيتم تقسيم العرض من خلال ثلاثة محاور رئيسية؛ يستعرض المحور الأول تفكيك مفهوم الجندر، فيما يعرض المحور الثاني الهوية الجندرية، أما المحور الثالث والأخير فيظهر طبيعة العلاقة القائمة على الجندر بناء على ما ورد في الأوراق البحثية.
تفكيك مفهوم الجندر
يستعرض المحور الأول مجموعة من الأوراق التي تحاول تفكيك مفهوم الجندر انطلاقًا من المعايير السلوكية والجنسانية التي تكرس سيطرة الرجل على المرأة، وهي مقاربة حاول من خلالها الباحثان سلطاني سارة وشناف خديجة، نقاش حالة تمكين المرأة في العمل بالمؤسسة الجزائرية ومدى انعكاس النظرة الجندرية على هذا الواقع، ليخلصا إلى أن تمكين المرأة من أهم الموضوعات الإدارية الحديثة التي تولد لديها شعورًا بتقديم مساهمة قيمة للمؤسسات التي تعمل بها، ما يعني أنه يمكن إيجاد طرق إدارية تكسر من خلالها معايير النظرة الجندرية.
أما الباحثة لبنى سفاري، فأعادت المفهوم إلى نقاشه التأطيري من خلال القراءة التي تقدمها بعنوان: “الجنسانية والأمومة في سيكولوجية المرأة لدى هيلين دوتش”، وهي بذلك تبحث في طبيعة التغيرات الجنسانية والجسمانية التي ترافق المرأة ومدى تأثير ذلك على الارتباط السيكولوجي لها بالمجتمع.
ويحاول مصطفى عماري من خلال ورقته بعنوان: “رهانات مفهوم الجندر في حقل العلوم الاجتماعية”، فهم كيف تحول مفهوم الجندر من السؤال البيولوجي إلى الفهم الاجتماعي والسوسيولوجي، وتفكيك المفهوم من خلال أطر البناء الاجتماعي والثقافي لكشف مسارات استعماله ومراحل توظيفه وصولا إلى تحقيق ما أطلق عليه الهوية الجندرية.
وتعزيزا للمفهوم التطبيقي للجندر، عمد الباحثان ربحي درويش وفوزي تبايبية في ورقة لهما، مناقشة قدرة الإناث في تعلم مهارات بشكل مواز للمهارات التي يتقنها الرجال، وذلك من خلال دراسة بعض المهارات الحركية الأساسية في كرة اليد (دراسة جندرية). حيث خلصا إلى أنه لا توجد فوارق بين الذكور والاناث في تعلم عددا من هذه المهارات، وأن الفوارق تكمن في طبيعة التكوين الجسدي والصفات البدنية لهما.
وانسجاما بذات المحور، يقدم الباحثان بن عرفة أمينة وخلايفية سلوى، دراسة بعنوان: “الجسد الأنثوي بين المقدس والمدنس – حفرٌ في التعابير اليومية الجزائرية”، يناقشان فيها أن المرأة بتركيبة جسدها الأنثوي يجعل لها حضورًا بأدوار ومواقع متنوعة، الأمر الذي يمكن أن يفتح المجال أمام الباحثين لمناقشة طبيعة المضامين التي تتصف في بعضها بالسلبية لتركيزها على التقليل من مكانة المرأة والتقليل من قيمتها من خلال اختزال كيانها بجسدها فقط، وهو ما يتطلب الخروج من هذا النمط التفكيري في نقاش المرأة وأدوارها بالمجتمع.
يتضح من النقاشات التي تضمنها تفكيك المفهوم أن هناك وفرة في المصطلحات المرتبطة بالجندر، إلا أن الإشكال يبقى في طبيعة الفهم لهذه المصطلحات ما أنعكس على تطبيقها في واقع المجتمعات العربية، وهو ما يعني الاحتياج لمزيد من البحث والقراءة لتفكيك أكثر لمفهوم الجندر بما يتصل بباقي مناحي الحياة.
الهوية الجندرية
المحور الثاني الذي يمكن تقسيم الأوراق التي يتضمنها الكتاب يمكن وضعها تحت عنوان: “الهوية الجندرية”، خصوصًا ارتباطها بالسياق الاجتماعي، حيث تأتي ورقة الباحثان رحال نور الهدى وكلفاح آمال، لمناقشة هذه الهوية لدى عالم الاجتماع “إيريك اريكسون” ونظريته النفسية الاجتماعية. حيث يبرز في هذا الاتجاه كيف أن الجندر لا يقتصر فقط على تحديد الجنس وإنما يتعلق بالبنى الاجتماعية التي ينتمي لها الفرد وانعكاسه على العلاقات داخل التركيبة المجتمعية.
ويناقش الباحث، نبيل شيلي، بورقته تحت عنوان: “مفهوم الجندر في السياق الاجتماعي”، التحولات التي لازمت المصطلح من الفضائي التقليدي الكلاسيكي إلى الفضاء متعدد الأبعاد بهدف خلق مناصفة ما بين الرجل والمرأة في صنع القرار. حيث يشير إلى أنه لم يكن في يوم ما مفهوم الإصلاح قائمًا على مبدأ الهيمنة الذكورية التي عززتها ثقافة المجتمعات، وإنما من خلال احداث حالة تشاركية ما بين الرجل والمرأة وهو ما يعني أن التحول في المفهوم الجندري بالسياق الاجتماعي أحدث انعكاسا أيضا على ثقافة المجتمع العربي.
أما الباحثة، سعيدة تاقي، فتحاول من خلال ما تطرحه بورقتها “التنميط الجندري: الأنوثة والذكورة والثقافة العربية”، أن تفكك كيف تتحكم الثقافة منذ زمن بعيد بالمفاهيم المجتمعية والنظرة لها، خصوصا مفهوم الجندر، مشيرة إلى الجهود المبذولة بهدف توطين مفهوم الجندر في الأعمال البحثية العربية.
ويستكمل نقاش الهوية الجندرية الباحث، ادريس الدعيفي، في ورقة له بعنوان: “موقع كل من الجسد الأنثوي والذكوري داخل الأديان، مقاربة أنثربولوجية مقارنة (المسيحية والإسلامية أنموذجًا)”، حيث يحاول الباحث من خلال الغوص في النصوص الدينية تفكيك وتبيان تعاملها مع الجسدين الذكوري والأنثوي على اعتبار أن الخطاب الديني يساهم في تحديد علاقة النسيج المجتمعي ومكوناته.
فيما يطرح الباحثان، لخضر غول وغزالة ابن فرحات، في ورقتهما بعنوان: “قراءة تحليلية في المعوقات السوسيو- ثقافية للبحث في ظاهرة العنف الزوجي”، والتي تأتي ضمن اهتمام متزايد من قبل الدول والهيئات الحكومية في نقاشها للمفهوم الجندري بالعالم العربي، حيث يحاولا الكشف عن أهم المعقوقات المرتبطة التركيبة الثقافية للمجتمعات العربية ومدى تشكيل ظاهرة العنف الزوجي خطرًا مجتمعيًا.
وتقدم الباحثة، سمراء جبايلي، في ورقة لها بعنوان: “النسوية والجندر: مقاربة في المفاهيم والتأسيس لممارسة لغوية”، قراءة لغوية لمفهوم الجندر بهدف التعرف إلى الدلالات والتأسيس لممارسة لغوية تعزز من الحضور النسوي في اللغة والأدب بما يمنحها اهتمامًا يقلص الفجوة مقارنة مع المساحة الممنوحة للرجال.
العلاقات الجندرية
الجندر في العلاقات الدولية، مقاربة جديدة حاول من خلالها الباحثان، وليد شملال وسليم بوسكين، نقاش كيف يمكن فحص أهم الاسهامات النظرية للجندر في حقل العلاقات الدولية، وهي مقاربة اجتماعية ما بعد الحداثة تحاول تقديم قراءة تحليلية مغايرة للأطروحات التقليدية خاصة في مجال السلطوية الذكورية. وتشكل هذه الورقة جهدا بحثيا حديثا في فهم أكثر لكيفية تحليل العلاقات الدولية من منطلق جندري.
أما الباحثة، خديجة سعيدي، فتحاول من خلال ورقتها بعنوان: “التفكيك والجندر: الكتابة معبر لإلغاء مركزية الرجل”، إلى معرفة كيف يمكن فهم فكرة الاقصاء التاريخي المتعمد للمرأة داخل المجتمع وداخل النصوص، وكيف يمكن أن يتحول هذا الاقصاء في ظل الحالة الحداثية التي تمر بها المجتمعات.
وفي ذات النسق، وبمحاولة قراءة متكاملة، يناقش الباحثان؛ يوسف محمد فالح بني يونس وسلمى الطيب خليفة سالم، طبيعة “العنف المجتمعي القائم على النوع الاجتماعي في مناطق الصراع العربي”، من خلال دراسة تركز على التجربة الليبية، حيث يشيران إلى أن العنف المجتمعي المبني على النوع من المواضيع الحيوية والهامة التي تشغل بال الباحثين في العالم. وأن الصراعات يمكن أن تلقي بظلالها على تعزيز الأدوار المجتمعية للمرأة العربية، وتهيئة الأجواء لبعض الممارسات السلبية التي قد تتعرض لها النساء.
يحاول الباحثان؛ سليمان عبد الواحد يوسف وهالة محمد شمبولية، أن يستعرضنا جانبًا آخر من شكل العلاقة الناظمة للمجتمع من منظور جندري، حيث يركزان بورقتهما “ارتقاء العقلية الأخلاقية في إطار (نموذج يوسُف وشمبولية التكاملي) عبر مرحلتي المراهقة المتوسطة والمتأخرة مع إشارة خاصة للفروق الجندرية”، على طبيعة هذه الفوارق بهدف إجراء مزيدًا من الدراسات التي يمكن أن تعالج المنهجيات المؤثرة على فئة المراهقين بالمجتمعات العربية فيما يتعلق بنظرتهم الجندرية.
الدراسة الأخيرة التي يتضمنها الكتاب جاءت للباحثان؛ فارح رمزي وبروقي وسيلة، بعنوان: “الرجولة المتخيلة: الذكورة داخل أزمة التغير”، وهي دراسة تحاول التمييز ما بين الأدوار والواجبات في العلاقة ما بين الرجل والمرأة، فشخصية الرجل تتشكل نتيجة تراكمات وخبرات مرتبطة بالبيئة مما تساهم في تشكيل هويته الذكورية، وبالتالي فإن الحديث عن المفهوم الجندري لا يرتبط بالخصائص الذاتية وإنما بما يرتبط بالذكر أو الأنثى من تغيرات تحدث له نتاج البيئة أو الخبرة أو عوامل وظروف أخرى.
الخلاصة:
يشكل الكتاب، عبر الجهود البحثية التي يتضمنها، نقلة مهمة في فهم وتفكيك المفهوم الجندري بالبيئات والمجتمعات العربية، وما يميزه عن غيره من إصدارات، أنه يمثل جهدا أكاديميًا بأقلام عربية قادرة على تقريب المفاهيم بما يتناسب والثقافة العربية والتركيبة المجتمعية التي تختلف بطبيعتها عن باقي المجتمعات، ما يجعل من الكتاب قيمة علمية وأكاديمية يشكل مرجعية للباحثين في قطاع الجندر، وإضافة للمكتبات العربية.
*باحث فلسطيني.