الثيوصوفيا والعقيدة السرية

الثيوصوفيا والعقيدة السرية

بقلم: أكثم علي ديب – قلّما نجدُ كتابًا، يجيبنا عن أسئلةٍ وجوديّةٍ وإشكاليّةٍ في آن، ويقطعُ لنا الأيدي الخفيّة الّتي تخفي عنّا أسرار المعرفة، وبعبارةٍ أدقّ: تحجبها عنّا.
وصلني كتابُ “الثيوصوفيا والعقيدة السرية” للمؤلف عبد الله أحمد الصادر عن دار دلموند الجديد للنشر في دمشق، وهو الباحثُ والكاتبُ والمترجِمُ، والّذي يحمل عنوانَ: (الثّيوصوفيا والعقيدة السّرّيّة- الأيدي الخفيّة) لأجد ذاتي عاريًا أمام مرآةِ المعرفة، فمن عادتي أن أقرأ كتابًا مرّة، مرّتين، ولكنّي قمتُ بقراءة هذا الكتاب تسع مرّات، واحتاجني أن أقرأ معه مائة غيرهُ، فهو كتابٌ يضيف إلى الكمّ نوعًا وإلى النّوعِ بحثًا وإلى البحثِ مراجعةً وتدقيقًا، وإلى كلّ هذا دهشة.
ومن النادر أيضًا، أن تقرأ كتابًا فيه ترجمةٌ ورأيٌ ومعارضةٌ وغربلةٌ وتنخيلٌ، فكأنّكَ أمام المعرفة تستمتع وتغوص وتُبحرُ وتتعلّمُ، إنّك حتمًا ستعرف حقيقةَ كلّ عقيدةٍ باطنيّة اعتقدتها أو سمعتَ بها، وستعرفُ أصول العقائد السّرّيّةِ عند أبناء آدمَ، بصورهم البشريّة والإنسانيّة.
يقول عبد الله أحمد في تقديمهِ للكتاب: “قلبكَ هو منزلكَ ومسجدكَ وهيكلكَ الأوّلُ والأخيرُ” ويتابع ليقولَ: “تمرّ المجتمعاتُ في الشّرقِ بحالة هزيمةٍ وانكسارٍ وإنكار”.
ويشيرُ لنا في المقدّمة إلى أسئلتنا الوجوديّة، وإلى مصادر المعرفة، ويمرّ بشكل عميقٍ على السّردِ والقصص التّقليديّةِ في الدّيانات السّائدةِ، بين الشّعار والسّلوكِ والحقيقةِ الباطنيّة.
ويتابع في المقدّمة ليجيبَ لنا عن سؤالٍ كبير: هل حانَ موعدُ تحوّلِ الأرضِ إلى مستوى اهتزازٍ ووعيٍ أعلى؟ لينهي المقدّمة ب: “إنّها الحكمة القديمة الّتي لا تزالُ شابّة، كلّ ذلك في الفصولِ التّالية لهذا الكتاب”.
وفي القسم الأوّل من الكتاب، وفي فصلهِ الأوّل، يحدّثنا عن التّطوّر الكونيّ من وجهة نظر الكاتبة والباحثة: هيلينا بلافاتسكي ومازجًا لنا بين ترجمته لكتابها، وبين رأيه ومراجعته لهذا الكتاب العبقريّ، وفي هذا الفصل شرح وافٍ عن البوذيّة الباطنيّة وربط مثيرُ بينها وبين الثّيوصوفيا (الحكمة الإلهيّة) كمدخلٍ إلى عالَمِ الأخوّةِ السّرّيّة. ويغوص في البوذيّة مفنّدًا وشارحًا ورابطًا وكاشفًا حُجُبَ الحقيقة عن مبادئها ومعانيها في جميع اللّغات القديمة، وتتلاطم هنا المعلومات بين مُكثَّفٍ ومُسرَدٍ، ومُدَقَّقٍ مُثبَتٍ، ليجيبنا عن سؤال كبيرٍ ثانٍ: ما هو تاريخُ الرّسالةِ وماذا عمّا يسمّى بدين بابل؟
ويتحدّث بإثارةٍ عن (إيزيس) وعن تطوّر الأجناس وإنسانيّتنا الرّابعة والخامسة في فافاسفاتا مانفانتارا (الجولة)، حيث تتكوّنُ كلّ جولةٍ من يوغا من فتراتِ الإنسانيّة السّبعة.
ويأخذنا في الفصل الثّاني، إلى صفحاتٍ من فترة ما قبل التّاريخ، حيث تنام الرّوح (الفكرُ الإلهيّ) خلال فترة: براليا، والبراليا هي علم الكون الهندوسيّ.
وينتقل بشكل موضوعيّ، إلى ثلاث مقترحات أساسيّة تضعها العقيدة السّرّيّة:
مبدأ كلّيّة الوجود، والكوسموس (الكون)، وجوهر الوجود.
وكلّ هذا بشرح مكثّف وعميق، بمعلومات كثيرة وتفاصيل أكثر.
لينتقل بعدها إلى الستانزات السّبعة، والترنيمات والجنّة والعفاريت والحيتان والتّنانين، وكوكب الزّهرة، والواقع والوجود الظّاهر، شارحًا فلسفة العقيدة القديمة في كلّ هذا، ولن تستطيع قراءة هذه المعلومات عند عبد الله أحمد مرّة، ستحتاجُ إلى إعادتها مرّاتٍ ومرّاتٍ ومرّات، لمقدرتها المتفرّدة على الإدهاش، والإغناء، والإثراء، والمفاجأة.
لينتقل في الفصل الثّالث، إلى الرّقم سبعة، في علم الفلك والعلوم والغيبيّات، ودورة ناروس، ويناقش ويشرح بنات أطلس السّبعة، “السّتّة الحاضرة، السّبعة المخفيّة”.
وهذا من أشدّ فصول الكتاب متعةً، لأنّ فيه عن براهما ويهوه والتّقسيم، وسردٌ في العناصر والطّبائع.
وفي هذا الفصل كتبَ عبد الله أحمد:
“للفلسفة الثّيوصوفيّة سبع خصائص في الإنسان:
الرّجل الذّهبيّ الإلهيّ، الجسد من الدّاخل من النّار والنّور مثل الفضّة النّقيّة، الرّجل الأوّليّ، الرّجل الفردوسيّ الزّئبقيّ، الرّجل الشّبيه بالرّوح القتاليّة، الرّجل العاطفيّ من الرّغبات، والرّجل الشّمسيّ”.
وفي الفصل الرّابع يتحدّث لنا عن الرّحلة الممتعة من لا رقم إلى الرّقم سبعة، والعناصر والعوالم، يترجم ويعلّقُ وينقضُ ويقوّض.
في القسم الثّاني من الكتاب، والّذي عنونه ب: (الكتاب المقدّس من دزيان)، يتحدّث في الفصل الخامس عن الآيات السّبع، وهنا يقترب بنا من السّرّ أكثر، عبر التّرنيمات، ليشرح بشكل مثير ومدهشٍ، ماهية الأرقام في العقيدة، بسرد مفصّل يشرحه في فصولٍ تالية، فيكتب مثلًا:
من التّرنيمة (الآية الثّالثة) فقرة أربعة:
” ثمّ سقوط الثّلاثة في الأربعة، الجوهر المشعّ يصبح في الدّاخل سبعة، سبعة في الخارج، تتخثّر البويضة المضيئة، الّتي تتكوّن في حدّ ذاتها من ثلاث، وتنتشر في خثارة من خلال أعماق الأمّ، الجذر الذّي ينمو في أعماق محيط الحياة”.
ثمّ يشرح بشكل ملفت ووافٍ في الفصل السّادس، ويعلّق على سبع ستانزات ( ترنيمات_آيات) ويبحث في شروطها، غير مغفلٍ أيّ تفصيل، بأسلوب يضع القارئ والباحث أمام خيارين لا ثالث لهما: الإعادة أو الإعادة ثانيةً.
وأدركُ أنا (كاتب هذه المراجعة) أنّي سأقصّر حتمًا، فالكتاب لعمقه يحتاج إلى مجلّدات ومجلّدات لشرحه وتفصيله، لا يجب ظلم كتابٍ كهذا ببضع صفحات.
ثمّ يبدأ في القسم الثّالث بجمعيّات الأخوة والعقيدة السّرّيّة، بين الشّرق الأدنى والهند ولغز العرق الآريّ، ويقدّم لنا دراسات متنوّعة مجزية وافية ووافرة، عن علم الأجناس بربطٍ مثيرٍ بين الأجناس وتطوّرها وبين العقيدة، ودور جمعيّات الأخوة في الدِّين، وصناعتها له وتأثيرها فيه، ليلمس فينا الحقيقة ويلامسها.
وفي الفصل الثّامن _الممتع حقًّا_ يحدّثنا عن الأخوة البابليّة ومقاربة النّظرة إلى الشّرّ وعبادة الشّيطان (لوسيفر)، منتقلًا بين اللّاهوت والنّاسوت، برشاقةٍ وإجادة.
بعرض بانوراميّ تاريخيّ للشّبكات الماسونيّة، والفرسان التّسعة والحروب الصّليبيّة، وكنيسة الشّيطان والخطط الّتي يمليها هذا: الشّيطان.
ويحدّثنا كيف أنّ العلم تحت قبضة مجموعات الأخوة ويثبت ذلك بما يزعم أنه الدّليل القاطع.
وفي القسم الرّابع من الكتاب يحدّثنا عن الوعي الجمعي والعقل الكونيّ وطبائع العلاقة بينهما وأصول تلك العلاقة ومردّها ومردوداتها وأسبابها ونتائجها وانعكاساتها بأسلوب يزيد في ذهنك نسبة الحقيقة، فيربط بين العلم والعقل الكونيّ وبين الأكوان المتوازية فيكتب: “مرحبًا بكم في العالم القادم.
وهنا حديث ملفت حقًّا، عن التّنويم المغناطيسيّ العميق ومعلومات عن الأكوان المتوازية.
وفي الفصل الحادي عشر، تأخذ المتعة والدّهشة والمعلومة منعطفًا خطيرًا في الكتاب المذهل، عنوان هذا الفصل هو: (التّقمّص).
وفي هذا الفصل الرّائع، ينقلنا بين الكارما والثّيوصوفيا والبوذيّة القديمة، والنّجميّ الأعلى وشريط الأعمال، في تجارب دولاريس كانون وكتاباتها المذهلة وتجاربها الّتي قد تغيّر وجه الحقيقة عن التّقمّص والفسخ والرّسخ والمسخ والنّسخ.
وفي هذا الفصل، يعطيك عبد الله أحمد معلومات لن تجدها في غير هذا الكتاب، بأسلوب طرح ونقاش محايدين، ليتبنّى نظريّة الشّكّ في الإثبات، ويجيبك عن تساؤلاتك الإشكاليّة حول هذا الموضوع الفلسفيّ-الواقعيّ، بشكل مُتقن ورائع.
وفي الفصل الثّاني عشر، يحدّثنا عن مظاهر الدّين المادّيّ، في الحضارة الحاليّة، منوّهًا إلى نهاية التّاريخ، ومشيرًا بأسلوب لافت إلى العرق البابليّ في القرن الحادي والعشرين، ويعتبر برج بابل مشروعًا غير عقلانيٍّ للتّاريخ المبكّر، ويتحدّث عن نمرود، بصفته مُنَظِّمَ البناء العظيم، ويعتبر هنا أنّ الماسونيّين هم خلفاء قضيّة نمرود.
وفي الخاتمة، يضع العقيدة السّرّيّة تحت المجهر، فينقد بلافاتسكي ودولاريس كانون وغيرهما، يفنّدُ ويطوي ويفردُ، بعقل ناظجٍ ذكيّ، وعبقريّة فطريّة زادها البحث عمقًا، وزادتها التّرجمةُ رونقًا. ويفضح لنا أزمة كورونا ويتحدث عن الفيروسات الموجّهة.
لا بدَّ لي من الإعادة والقول:
هذا الكتاب ظاهرة ثقافيّة معرفيّة جديدة، غزير المعلومات، كثيفُها، وفيه كلّ بابٍ يفتح لك وعليك ألفَ بابٍ، هو ألف كتابٍ في كتاب.
وأجمل ما فيه هو روح الكاتب في التّرجمة والنّقل والرّأي والمعارضة، فإنّك ستسمع بين حروفه صرخاتٍ وتسمع نبضات وتستشعر أنفاسًا، وسترى ذاتك أمام أبعاد معرفيّة فلسفيّة نقديّة نفسيّة تاريخيّة علميّة جديدة بالكلّيّة.
أكثم علي ديب