إسرائيل في عقدها الثامن: أبعاد القوة وحدودها

إسرائيل في عقدها الثامن: أبعاد القوة وحدودها

مراجعة: سليمان بشارات* –
الكتاب: إسرائيل في عقدها الثامن: أبعاد القوة وحدودها
تأليف جماعي: نخبة من المختصين والأكاديميين.
تحرير: الدكتور مهند مصطفى
الناشر: مركز “رؤية” للتنمية السياسية -اسطنبول. – الطبعة الأولى 2020 –

محتويات الكتاب:
تمهيد:
في ظل ما تشهده منطقة الشرق الأوسط في العقدين الأخيرين، سواء ما يتعلق من اختلال موازين القوى أو التشكيلات الجديدة في المحاور الإقليمية والدولية والتي تزامن معها ما أطلق عليه ثورات الربيع ومن ثم الثورات المضادة والدخول في حالة من عدم الاستقرار والحروب أسفرت عن إضعاف دول وصعود أخرى، بقيت الأنظار تتجه نحو “إسرائيل” كيانا فاعلا في المنطقة ومحاولا الاستفادة من كل هذه المتغيرات بما يمكن أن يؤسس لنظرية التمدد التي يسعى لتحقيقها من خلال مد علاقات التطبيع مع دول عربية وإقليمية.
هذا دفع باتجاه تعزيز بعض الدول لعلاقاتها بإسرائيل على اعتبار أنها الحامي لها أو القادر على تغيير في إحداث توازنات في المنطقة انطلاقا من الإسناد اللامحدود لها من الولايات المتحدة الأمريكية، أو من خلال ما استطاعت الترويج له من التفوق التكنولوجي والعسكري في المنطقة وبالتالي إمكانية تقديم خدماتها لحماية النظم والكيانات المعادية لتحركات الشعوب أو مفهوم إعادة بناء المنظومات على نهج ديمقراطي.
إلى جانب ذلك، فقد استطاعت إسرائيل من فرض نفسها والترويج لذاتها بأنها نموذجاً اقتصادياً يضاهي الدول المتقدمة وأنها قادرة على اختراق الأسواق من خلال انتاجها الزراعي أو التكنولوجي أو العسكري، وما كرس فلسفة أن إسرائيل كيان يمكن أن يمثل نموذجا وملهما لنظم سياسية في دول المنطقة التي تسعى للحفاظ على الهيمنة والنفوذ لها على حساب شعوبها الرافض لهذا الواقع السياسي.
في ظل ما تقدم، يأتي كتاب “إسرائيل في عقدها الثامن: أبعاد القوة وحدودها”، الصادر عن مركز “رؤية” للتنمية السياسية في اسطنبول، وشارك في إعداده نخبة من المختصين والأكاديميين، وحرره د. مهند مصطفى، ليقدم من خلال 7 فصول قراءة في عدد من المحاور والقضايا التي تتعلق بإسرائيل وقدراتها وتأثيراتها المستقبلية.

المدخل النظري لقوة الدولة
يقدم الفصل الأول من الكتاب مدخلا نظريا لقوة الدولة، حيث يتحدث عن نظريات نشوء الدولة بهدف تفسير تأسيس إسرائيل، حيث يرى معد هذا الفصل وهو الدكتور بلال الشوبكي، أن استنباط الإطار التحليلي يتطلب مراجعة لمناهج القياس ومحاولة تقييم قوة دولة الاحتلال من خلال نهج شمولي باعتبار أن عناصر قوة إسرائيل أو ضعفها لا يمكن الإضاءة عليها أو تفكيكها من خلال نهج واحد أو منظومة مقاييس بعينها، وبالتالي عملية التقييم تتجاوز الوصف والتأريخ والتحليل كمنهج بحث لتصل إلى المناهج المقارنة.
يحاول الكاتب أن يفكك مدخله النظري بالاستناد إلى عدد من النظريات، أولها نظريات نشوء الدولة، إذ أن الأسباب التي حشدتها الحركة الصهيونية لم تكن مجرد تهيئة لأسباب الخلق، بل وضامنا لأسباب البقاء وهو ما يعني أن النظرية الثيوقراطية ستكون حاضرة كونها من أقدم النظريات المفسرة لنشوء الدول، وفي حالة “إسرائيل” فإن القول أن الدولة ثيوقراطية فإنه يعني أنها جاءت من خلال استغلال الصهيونية وما استحضرته من المقدس الديني بحيث يصبح الوعد الإلهي محفزا على احتلال فلسطين وتصبح إسرائيل بمثابة المكافأة اليت يقدمها الرب لليهود بعد طول عناء.
أما النظرية الطبيعية؛ والتي يستحضرها الكاتب، فهي ترى أن الدولة محصلة عملية تطور طبيعي للمجتمعات الإنسانية وتبدوا أن هذه النظرية محدودة التطبيق في تفسير نشأة إسرائيل على اعتبار غياب حالة التجانس الأثني داخل المجتمع الصهيوني والدولة نفسها مرت بمراحل تطور ولا يمكن القول أن هذه الفترات كانت ضمن التطور الطبيعي لتشكيل الدولة.
فيما يتطرق للنظرية الاجتماعية، والتي تقوم على فكرة أن الدولة عبارة عن حسم صراع اجتماعي لصالح فئة ما، وتندرج تحت هذا النوع من النظرية نظرية ابن خلدون التي تعتبر الدولة ضرورة لضبط حالة الصراع، ويمكن للدولة أن تقوم من خلال عدة مقومات؛ العصبية والزعامة والمعتقد الديني، وهنا يشير الكاتب إلى أن الحركة الصهيونية لجأت في تعزيزها لقيام دولة إسرائيل على المعتقد الديني والهوية والدولة.
وتأتي نظرية التضامن الاجتماعي، التي تقوم على أساس تضامن مجموعة قومية في المجتمع وحشد أسباب القوى للانقضاض على بقية المجموعات وتشكيل حكومة مسيطرة، ضمن النظريات التي يمكن أن تشكل مدخلا لقراءة تشكل إسرائيل، ويرى الكاتب أن إسرائيل كان عليها أن تستعين بأسباب الحبر والإكراه من قوى عالمية كي تتمكن من حسم الصراع وإقامة ذاتها.
أما النظرية الخامسة فتتمثل في نظرية العقد الاجتماعي وتبقى التجربة الصهيونية بعيدة عما ورد في أطروحات العقد الاجتماعي الثلاث كونها تفسر طبيعة السلطة والنظام السياسي أكثر من تفسيرها لنشأة الدولة، بينما تحاول النظرية السادسة التي يستحضرها الكاتب والمتمثلة في نظرية المؤسسة لهوريو، التفسير من خلال أن الدولة كمشروع بحاجة إلى اقتناع المعنيين به ومن ثم تشكيل إطار قانوني لتحقيقه وهذه النظرية تعتبر الأقرب كثيرا لمشروع الحركة الصهيونية التي خلقت الفكرة ومن ثم الإطار القانوني والعمل على تجنيد الدعم ممن أصبحوا جزءا من المشروع.
في المحور الثاني من هذا الفصل يحاول الكاتب مناقشة تصور قوة الدولة ما بين الكلاسيكي والمستحدث؛ حيث يشير إلى أن قوة الدولة ما زالت تحتل المكانة ذاتها منذ قرون إلا أن الثبات لم يمنع تغير الوزن النسبي لكل عامل من عوامل القوة ولم يمنع أيضا ظهور عوامل أخرى مستحدثة أو تنامي بعض عوامل القوى وتراجع بعضها.
في هذا الإطار يناقش الكاتب مجموعة من العوامل في مقدمتها الجغرافيا السياسية، حيث يمكن من خلالها دراسة الحاضر إذ يكون لشكل الدولة وحجم مواردها ونفوذها دورا بارزا في رسم سياسة الدولة فهي لم تركز فقط على البعد الداخلي فيها بل ذهبت إلى البعد الخارجي للتأثير على السياسية الخارجية وتغيير الملامح الجغرافية للدولة بما يضمن توسيع آفاق العمل السياسي والسيطرة على المزيد من الأراضي أو مصادر الطاقة والعمل على تغيير الجغرافيا لخدمة السياسة.
العامل الثاني في هذا الإطار يأتي ضمن شرعية النظام السياسي، والمقصود هنا الشرعية المستمدة من الشعب؛ إذ تعمل إسرائيل على بناء نهج ديمقراطي تحاول من خلال تعزيز مفهوم الدفاع عن النظام السياسي الخاص بها من خلال العملية الديمقراطية وهو بعكس النظم السياسية الإقليمية المحيطة التي لا تحترم إرادة الشعوب وبالتالي يكون هناك ضعف في الدفاع الجماهيري عنها.
أما العامل الثالث فيتمثل في ديمغرافية الدولة؛ وبالرغم من أن هذه الجزئية تعتبر من مكونات الجغرافيا إلا أن أهميتها فيما يتعلق بالحالة الإسرائيلية جعلت الكاتب يخصص لها محورا للحديث عنها بتفصيل أكبر فالأرقام الحالية لا تعطي دلالات لنفسها وإنما قراءة مقترنه بعوامل أخرى، ولهذا السبب تحرص إسرائيل على زيادة العدد السكاني لها بما يعزز من ضمان وجودها لا أن يكون عبء على كاهل حكوماتها وهو بحالة معكاسة لبقية الدول الأخرى التي تحاول التخفيف من تعداد السكان خوفا من زيادة الاحتياجات المرتبطة بهذه الزيادة.
العامل الرابع يتمثل في مدى سلامة المجتمع، إذ أن تفشي الأمراض الاجتماعية كالجرائم وتعاطي المخدرات وحوادث السرقة وغيرها تعتبر عوامل من شأنها التأثير على المجتمعات واستقرار الدولة رغم توفي باقي العوامل، أما القدرة الاقتصادية فتمثل العامل الخامس وتضم في هذا الإطار الناتج القومي للدولة والناتج المحلي ومتوسط دخل الفرد ومؤشرات الانتاج والتصنيع ومؤشرات الثقة في الاقتصاد ومؤشرات قطاع الاسكان والبناء وغيرها من مؤشرات.
فيما تأتي القوة العسكرية للدولة بمثابة العامل السادس، وهو من العوامل ذات الأهمية الكبرى إلى جانب العامل السابع المتمثل في التطور التكنولوجي، والتي أصبحت تشكلان معا خلقة وصل في ظل العصر الحالي القائم على مفهوم الرقمية والعصر الرقمي والتقني. والعامل الثامن والأخير الذي يقدمه الكاتب يتمثل في القوة الناعمة رغم حداثته كمصطلح إلا أنه بات له اعتباره في السنوات الأخيرة كأحد العوامل التي يمكن من خلالها قياس قوة الدول.
المحور الثالث الذي يقدمه الكاتب في هذا الفصل، يمثل في مؤشرات ضعف الدولة وفشلها؛ وهي المؤشرات التي من خلالها يمكن التعرف على نقاط ضعف إسرائيل تتمثل في:
أولا: المؤشرات البنيوية؛ والمقصود بها المؤشرات المرتبطة بتماسك المجتمع بما يضمن تصرفه ككيان واحد ضمن دولة واحدة وتضم الأجهزة الأمنية والسلوك الأمني الداخلي وطبيعة حراك النخبة السياسية داخلية إضافة إلى الشكاوى الجماعية، وفي هذا الإطار يرصد الكاتب كيف أن هذه المؤشرات الحاضرة داخل إسرائيل والتي تمثل معول هدم للهوية وتعزيز إحساس الظلم والغبن داخل الدولة.
ثانيا: المؤشرات السياسية؛ وتضم الشرعية وحقوق الإنسان ودور القانون والتدخل الأجنبي، وجميعها يشير الكاتب إلى أنها ليست بالواقعية التي تحاول إسرائيل كدولة تقديمها للعالم أنها ذات سيادة واستقلاليه، بل هناك استغلال مقدرات الدولة واستنفاذها لمصلحة إطارات وأن التدخل الأجنبي بصور متعددة تزايدت في العقد الأخير.
ثالثاً: المؤشرات الاقتصادية؛ ويستعرض ما يمكن أن تتضمنه من التدهور الاقتصادي وانهيار لمنظومة الخدمة والتنمية الاقتصادية غير المتوازنة وهجرة الأدمغة، وهي مؤشرات بدأت تظهر في الحالة الإسرائيلية.
يختتم الكاتب هذا الفصل بالإشارة إلى أن إسرائيل كيان له خصوصية من حيث النشأة والتكوين وبالتالي محاولة إسقاط النماذج التحليلية أو التقييمية على الحالة الإسرائيلية قد يعتبر نوعا من المجازفة البحثية، إلا أنه رغم ذلك فإن الدراسات التي تقدم قراءة لواقع ومستقبل دولة الاحتلال يمكن أن يكون مهما ومفسرا للعديد من الأحداث والتي يمكن أن تساعد المتابع في تقييم قوة إسرائيل كدولة أو ملامح الضعف وكيف يمكن أن يشكل هذا الجهد مدخلا استرشاديا والاستفادة منه في تقييم شمولي لدولة الاحتلال.

المعضلة الجيوبوليتيكية الإسرائيلية
الفصل الثاني من الكتاب، والذي أعده الكاتب أشرف بدر، سعى من خلاله إلى دراسة المعضلة الجيوبوليتيكية الإسرائيلية وتحليلها عبر التساؤل حول ماهية المعضلة ومحاولة الإجابة عن السؤال المركزي كيف تتعامل إسرائيل معها؟
وتعتبر إسرائيل، بحسب الكاتب، من الدول القليلة على مستوى العالم التي ارتبط تأسيسها بقرار دولي يجسد الهيمنة الاستعمارية دون أن تولي القوى الدولية أهمية لملابسات وضعها الجيوبوليتيكي، وهو ما يعني أنها ستبقى تعاني كدولة من هذه المشكلة بسبب كونها كيانا غريبا عن هذه المنطقة.
ويشير إلى أن هذه المعضلة الجيوبوليتيكية لم تنشأ بعد حرب سنة 1967 كما تحاول الأدبيات الإسرائيلية تقديمه، بل رافقتها منذ قدوم المستعمرين الأوائل من اليهود إلى فلسطين، وحتى قبل إعلان قيامها سنة 1948.
إضافة لما سبق، فإن الكاتب، يرى أن محاولة إسرائيل إقامة دولة يهودية ديمقراطية بحدود آمنة ومعترف بها سيصطدم دوما بحقيقة كونها كيانا استعماريا استيطانيا بني على التهجير القسري للسكان الأصليين.
يستعرض الكاتب في هذا الفصل مجموعة من المحاور تنطلق في الإطار النظري والمفاهيمي والذي يركز فيه على الأدبيات السابقة التي استعرضت مفاهيم الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك ومدى انطباقهما على إسرائيل وإطلاق عليها مسمى دولة، حيث يخلص إلى أن إسرائيل بنيت على نظرية المجال الحيوي من أجل تبرير الاستيطان والتوسع الاستعماري متجاهلة طبيعتها باعتبارها استعمارا غريبا عن المنطقة وبالتالي يصعب قبولها دون أن تكون لها صلة حقيقية بالأرض.
المحور الثاني، يحاول من خلاله الكاتب التعرف إلى طبيعة التوجهات الإسرائيلية للتعامل مع المعضلة الجيوبوليتيكية، حيث يظهر اختلاف في وجهات النظر بين أقطاب النخبة الحاكمة في إسرائيل حول كيفية خلق توازن بين العناصر الأربعة الأساسية وهي الجغرافيا والديمغرافيا والديمقراطية والشرعية الدولية، ووفقا للأدبيات والتقديرات الإسرائيلية فإن التهديد الديمغرافي هو القنبلة الموقوته التي تشكل تهديدا وجوديا لإسرائيل وهو ربما الدافع الأساس وراء تنفيذ خطة الانفصال التي نفذت في العام 2005 عن قطاع غزة، وهو ما حاولت عكسه من خلال التمدد الاستيطاني داخل الضفة الغربية حتى لا يتكرر ذات السيناريو في قطاع غزة.
وسعيا من إسرائيل لتقليل أي تأثيرات لمعضلة الجيوبوليتيكيا، فإن الاقتراحات التي يتم دراستها تتمحور حول عدد من النماذج:
– نموذج حل الدولة ذات الحدود الآمنة؛ وهي الخطوط التي رسنها رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابيت في سنة 1995 والتي أشار إليها من خلال الحديث عن دولة يهودية على أن يكون 80% من سكانها يهودا، وبالتالي يمكن بناء على ذلك حل دائم للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
– نموذج حل الدولتين على أساس حدود 1967 مع تبادل الأراضي، وهو ما يمكن أن يضمن تبادل الأراضي بذات القيمة ضمن معادلة 1:1 لضمان ضم الكتل الإستيطانية الرئيسية في الضفة وهو ما يضمن تجانس ديمغرافي في الدلة التاريخية بمرور الزمن.
– نموذج حل الدولتين على أساس تبادل الأراضي والسكان؛ وذلك عبر تهجير السكان الفلسطينيين المقيمين في منطقة وادي عارة داخل الأراضي المحتلة سنة 1948 بالتزامن مع ضم المستوطنات والمستوطنين لدولة إسرائيل.
– نموذج ضمن مناطق لدولة إسرائيل؛ ويتمثل هذا في ضم المناطق المصنفة c ومن الجنسية الإسرائيلية لسكانها من الفلسطينيين مع إعطاء حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة بشرط عدم السماح بعودة اللاجئين.
– نموذج الدولة المؤقتة؛ ويتمثل في الانسحاب أحادي الجانب حدود مؤقته وتتهيأ لعقد تسوية سلمية شاملة، وفكرة الانسحاب الأحادي مبنية على أساسا التخلص من العبء السكاني الفلسطيني والاحتفاظ بأكبر قدر من الأرض.
– نموذج الدولة الواحدة ثنائية القومية بنظام ديمقراطي؛ على أن تضم الدولة الواحدة للشعبين الفلسطيني بما فيه من لاجئين والشعب “اليهودي” وهو نموذج مقتبس من النموذج البلجيكي القائم على الفدرالية لدولتين ثنائيتي القومية.
– نموذج الدولة الواحدة تحت السيادة الإسرائيلية؛ وهو نموذج ينطبق على الوضع الحالي فعلى الرغم من وجود السلطة الفلسطينية إلا أن السيطرة الفعلية بيد الاحتلال الإسرائيلي مما ينتج نظاما أشبه بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
المحور الثالث يستعرض القوى المؤثرة في الوضع الجيوبوليتيكي الإسرائيلي، ويتوزع هذا المحور على ثلاثة محددات الأول الدولي والإقليمي والداخلي؛ فعلى الصعيد الدولي تتأثر إسرائيل سلبا وإيجابا بمدى هيمنة الولايات المتحدة على المنطقة وهذا ينعكس بشكل واضح على وضعها الجيوبوليتيكي، في المحدد الإقليمي يمكن القول أن الربيع العربي ساهم في احداث تحولات وتغيرات في موازين القوى والوضع الجيوبوليتيكي في المنطقة مما أدى إلى حدوث خلاف داخل النخب الإسرائيلية حول تقييم ما حدث وكيف يمكن أن يكون تأثيره على إسرائيل، بينما ينطلق المحدد الداخلي لتأثيرات الوضع الجيوبوليتيكي على إسرائيل من أنها تدعي نفسها أنها نظام ديمقراطي لكن التجربة أثبتت أنه من الصعب الجمع بين الديمقراطية والاحتلال من جهة ممارسة العنصرية بين المواطنين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية وأصولهم الفلسطينية وما بين الإسرائيليين أنفسهم.
يقدم الكاتب في هذا الفصل 5 سيناريوهات للتعامل المتوقع مع معضلة الجيوبوليتيكيا إسرائيلي، أولاها سيناريو حل الدولتين على حدود 1967، إذ أنه من أكثر الحلول المرغوبة في استطلاعات الرأي لدى المجتمع الإسرائيلي والفلسطيني وتوافقه مع القرارات الدولية، السيناريو الثاني يتمثل في الوضع الحالي وهو ما يعني بقاء السيطرة الإسرائيلية على مناطق الضفة وقطاع غزة مع بقاء السلطة الفلسطينية في الضفة وسلطة حماس في قطاع غزة وذلك لإدارة شؤون الحياة اليومية للفلسطينيين، أما السيناريو الثالث فيتمثل في الكونفدرالية وهو مرغوب لدى اليمين الإسرائيلي والذي يتم فيه ضم أجزاء من الضفة للأردن وغزة لمصر وبالتالي انهاء مطالبة الفلسطينيين بإقامة دولة فلسطينية على حدود1967. أما السيناريو الرابع فيتمثل في الدولة ثنائية القومية بنظام ديمقراطي وهو يقوم على فكرة تفكيك النظام العنصري الإسرائيلي وانهاء الاحتلال وإقامة دولة واحدة على أرض فلسطين الانتدابية تكون لجميع مواطنيها ويتساوى فيها الجميع بالحقوق والواجبات. في حين يطرح السيناريو الخامس فكرة انسحاب احادي لحدود آمنة وهو ما يطمح له الإسرائيليون بحيث يتم الانسحاب أحادي الجانب من المناطق المأهوله بالسكان الفلسطينيين إلى ما وراء جدار الفصل العنصري وضم المستوطنات لدولة إسرائيل مع الاحتفاظ بالمناطق الاستراتيجية كغور الأردن.

القوة الناعمة مصادرها وحدود حضورها
يناقش الفصل الثالث من الكتاب القوة الناعمة الإسرائيلية مصادرها وحدود حضورها، وقد أعد هذا الفصل الدكتور مهند مصطفى، حيث يطرح فيه ما يسمى في العلاقات الدولية “الدبلوماسية الجماهيرية” التي لا تعتمد على الأدوات التقليدية الرسمية في العلاقات الدولية وإنما تعتمد على أدوات جديدة غير سمية وغير تقليدية.
يناقش الكاتب في محوره الأول أدوات القوة الناعمة الإسرائيلية ما بين النجاح والاخفاق من عدة منطلقات، أولها إعادة تأطير إسرائيل من دولة ديمقراطية إلى دولة استعمار استيطاني، إذ أن إسرائيل تحاول ف يكل مناسبة التباهي والتغني على أنها واحة من الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، وشكلت هذه المقولة ذخيرة دعائية وسياسية لتعزيز شرعيته في الغرب. أما المنطلق الثاني من خلال تكريس خطاب الضحوية في السياق الدولي؛ فحاولت توظيف خطاب الضحية دوما في كسب تعاطف العالم معها وقد تم في هذا السياق استغلال الكارثة بشكل كبير في تعزيز خطاب الضحية حتى وعي تحتل الشعب الفلسطيني. المنطلق الثالث يتمثل في أن العلاقة ما بين اليهود في العالم وأمريكيا وعلاقتهما بإسرائيل بدأت تتصدع بشكل كبير بعد انتخاب ترامب على الرغم من التوجهات التي يحملها طاقم ترامب والطابع العنصري الذي اتسموا به.
المحور الثاني الذي يناقش من خلاله الكاتب في تأثيرات القوة الناعمة وحدود تأثيراتها البيئة الإقليمية لإسرائيل، إذ يرى أن إسرائيل صبت جل اهتمامها بعد سنة 2013 بالحفاظ على الوضع السياسي في مصر بهدف الحفاظ على الاتفاقيات الموقعة معها لتفادي انعكاسات الربيع العربي على المدى البعيد، إذ عملت إسرائيل على الاستفادة من انشغال العالم بنفسه وقامت بتعزيز مواقعها الإقليمية بهدف تحقيق مصالحها الاستراتيجية المتمثلة في الدفع بعزل القوى المعادية لها وفرض واقع جديد فلسطينيا وإقليميا.
ويناقش المحور الثالث في هذا الفصل، تراجع إسرائيل سياسيا وإقليميا، فعلى الرغم من الفرص التي حملتها إدارة ترامب لإسرائيل إلا أنه كان في ذات الوقت يحمل خطرا عليها إذ أن تماهي إسرائيل مع سياسات ترامب وخطابة جعلها بعزلة سياسية دولية حتى لدى بعض الحلفاء، فالاستهتار بالمؤسسات والقانون الدولي جعل من المجتمع الدولي يعزل علاقاته معها على المستوى الجماهيري والشعبي وكذلك بعض التوجهات الرسمية.
ويختم الكاتب الفصل في خلاصة أن إسرائيل رغم كل المقومات إلا أنها فشلت في تحويل خطابها تجاه الفلسطينيين وجعل روايتها هي المهيمنة في الساحة الدولية رغم محاولات الربط ما بين المقاومة الفلسطينية والارهاب الدولي، وهذا ربما ما ظهر في أعقاب المواجهة الأخيرة ما بين الاحتلال والفلسطينيين.

واقع القوة الحضارية الإسرائيلية
الفصل الرابع في الكتاب يناقش من خلاله الكاتب مأمون أبو عامر واقع القوة الحضارية الإسرائيلية، إذ تحاول إسرائيل تحويل صراعها للسيطرة على فلسطين إلى صراع حضاري بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية بشقيها المسيحي واليهودي وبذلك تسعى إلى أن تتصدر الحضارة الغربية في صراعها مع الحضارة الإسلامي من خلال الترويج لهوية حضارية يهودية في أرض فلسطين.
ويستعرض الفصل مجموعة من المحاور في مقدمتها الحديث عن المكانة الحضارية والدور اليهودي في الحضارة من خلال مراجعة العديد من الأدبيات السابقة كما يستعرض أزمة الحق التاريخي في أرض فلسطين وكيفية محاولة الربط ما بين الأطماع الإسرائيلية وما بين الحديث عن حضارة مرتبطة ومتصلة بالأرض منذ سنوات طويلة بحسب ادعائهم.
كما يتطرق الكاتب إلى محاولات إسرائيل لتزوير التاريخ لاثبات الحق اليهودي من خلال بعض الآثار أو الادعاءات التاريخية وغيرها، وهو ما يجعل الحركة الصهيونية تبذل جهودا كبيرة في هذا الإطار سواء من خلال محاولات تزوير التاريخ أو التزوير الثقافي.
ويناقش الكاتب في الجزء الثاني من هذا الفصل كيف أن التحديات الديمغرافية تلعب دورا على مفهوم القوة وانعكاسات تركيبتها الاجتماعية.
ويخلص الكاتب في نهاية الفصل إلى أن القيادة الإسرائيلية تدرك أن الوجود الصهيوني لا يمكن له البقاء والنجاح دون أن يكون له ركائز حضارية تقوم على روابط ثقافية ومادية لذلك تبذل قيادة المشروع الصهيوني جهودا كبيرة على المستوى المادي والمعنوي بهدف إقناع اليهود في العالم أن أرض فلسطين تشكل كيانا حضاريا حقيقيا لهم.
مكامن التفوق والضعف
يحاول الاستاذ عماد أبو عواد، في الفصل الخامس من الكتاب، مناقشة القوة العسكرية لإسرائيل ومكامن التفوق والضعف فيها، وهو ما يمكن أن يشكل قراءة لمستقبل الدولة الإسرائيلية.
ويشير الكاتب إلى أن إسرائيل مرت بالعديد من التحديات الأمنية أدت إلى فقدان المنظومة الأمنية الإسرائيلية لجزء كبير من هيبتها، ابتداء من حرب 1973 وصولا إلى الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، وكذلك عمليات التصعيد والعدوان التي كانت على قطاع غزة في سنوات 2008 و2012 و2014 و2021 وما تخلل ذلك من هبات على امتداد الأراضي الفلسطينية.
ويرى أن صورة القوة العسكرية الإسرائيلية تحول من القوة الأكبر التي لا تهزم وفق القناعة الإسرائيلية التاريخية بفضل التكنولوجيا المتطورة التي تمتلكها إسرائيل وساهمت في تأسيس الدولة، وما بين التحديات التي واجهتها في محطات عدة أسفرت إلى جدلية بقاء هذه الصورة وقدرة الاقناع باستمرارها.
ويستعرض الكاتب في الفصل العديد من المحطات ابتداء بلمحه تاريخية حلو المنظومة الأمنية الإسرائيلية ما قبل تأسيس الدولة وأبرز المحطات التي تشكلت فيها هذه المنظومة، إضافة إلى الاستراتيجية الأمنية للمنظومة الأمنية ومكونات المنظومة وهيكليتها والدوائر التي تمثلها.
في محور آخر من الفصل يناقش الكاتب التجارب العسكرية التي تنفذها إسرائيل لمواجهة الاخطار الأمنية وأبرز الحروب التي خاضتها وكانت لها تأثيرات على مفهوم التركيبة العسكرية.
ويخلص الكاتب في هذا الفصل إلى أن هناك نقاط ضعف وأخرى قوة تميز الدولة الإسرائيلية، وما تحاول إسرائيل تقديمه دوما هو المبالغة في قدراتها وامتلاكها للقوة العسكرية وتعتبر نفسها في مصاف الدول الأكثر قوة. إلا أنه ورغم ما تمتلك إسرائيل من قوة وما تحاول تعزيزه على شكل صورة فإن المبالغة في هذا الوصف بدأت تتراجع في السنوات الأخيرة.
إسرائيل والقانون الدولي والأروقة الدبلوماسية
الفصل السادس من الكتاب، وأعده كل من خالد الشولي وحسان عمران، يقدم نقاشا حول إسرائيل والقانون الدولي ويستعرض في الجزء الأول منه عن وضع إسرائيل في القانون الدولي منذ النشأة، حيث يتطرق إلى تعريف المفاهيم والأهمية للقانون الدولي ومدى تأثيرات ذلك على إسرائيل.
أما الجزء الثاني فيركز على نقاط الضعف والخيارات القانونية المتاحة لمحاسبتها، حيث يستعرض الخطوات التي يمكن مواجهة إسرائيل فيها أمام المجتمع الدولي في ضوء القوانين والقرارات الدولية. والمساحات القانونية التي يمكن العمل من خلالها لمعاقبة إسرائيل على جرائمها المختلفة.
ويخلص الكاتبان إلى أن إسرائيل قامت على أسس غير شرعية وبأساليب غير إنسانية واستدامت عبر الانتهاكات المنتظمة للقانون الدولي وبالتالي يمكن الذهاب لمساحات قانونية يمكن من خلالها ملاحقة إسرائيل ومحاصرتها سياسيا وقانونيا رغم كل محاولاتها الدبلوماسية في إظهار قبولها عامليا وأنها أصبحت دولة ذات شرعية وقبول دولي.
ورغم وجود الولايات المتحدة التي تشكل غطاء وحماية لإسرائيل إلا أنها بدأ تبدوا محاصرة أكثر عما سبق وتحديدا من قبل المؤسسات الحقوقية الدولية.

واقع القوة الاقتصادية
في الفصل السابع والأخير، يقدم الدكتور أحمد مصبح، واقع القوة الاقتصادية الإسرائيلية، حيث يستعرض العديد من المحاور ابتداء من النظرة العامة حول الاقتصاد الإسرائيلي والذي تميز منذ نشأته بقدرته على حشد الموارد والتطور الصناعي والتكنولوجي، وصولا إلى حالة الجدل التي تثار حوله بين من يعتبره اقتصادا قويا وبين من يراه هشا يستند على المساعدات الغربية وبالتحديد المقدمة من الولايات المتحدة الأمريكية.
وبحسب معطيات البنك الدولي فإن إجمالي الناتج المحلي لإسرائيل تضاعف من 2.6 مليار دولار في سنة 1960 ليصل إلى 355 مليار دولار في سنة 2017.
ويناقش الكاتب الدعائم الأساسية للاقتصاد الإسرائيلي التي تتمثل في أساسها على الدعم الدوري من الحركة الصهيونية والمساعدات الأمريكية إضافة إلى الدعم الذي تتلقاه من ألمانيا بعد توقيع اتفاقية التعويضات الذي وضع الحجر الأساس لركائز الاقتصاد الاسرائيلي منذ خمسينيات القرن الماضي.
في محور آخر، يناقش الكاتب العلاقات الاقتصادية لإسرائيل على الصعيد الدولي والاستثمارات الأجنبية الواردة إلى إسرائيل، إضافة إلى الاستثمارات الإسرائيلية المباشرة في الخارج، والتبادلات التجارية.
ويخلص الفصل إلى أنه بالرغم من التطور الصناعي والتكنولوجي والقوة العسكرية لإسرائيل إلا أن الاقتصاد الإسرائيلي يستند في تحقيق تقدمه واستقراره إلى مجموعة مؤشرات أهمها الدعم الأمريكي والأوروبي، وكذلك الاستقرار السياسي والأمني، واستقرار المؤشرات الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية.

الخلاصة
يعتبر كتاب “إسرائيل في عقدها الثامن: أبعاد القوة وحدودها”، مرجعا مهما ومصدرا غنيا بالمعرفة والمعلومات التي شارك بها نخبة الباحثين، وأكثر ما يميز الكتاب بفصوله السبعة أنه قدم ما بين المعرفة المستندة للمراجع والتوثيق العلمي وما بين المنهج الأكاديمي السلس والرصين في ذات الوقت.
ضم الكتاب وجهتي نظر، حيث يظهر أنه يوجد في المنطقة فريقان أحدهما يستخف بقدرات إسرائيل وبما لديها من عناصر قوة متعددة وعلى أكثر من صعيد، سواء سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، ويرى أنه لا يمكنها خوض مواجهة جادة مع أحد في المنطقة دون الدعم الخارجي لا سيما الأمريكي منه، وأن هذه الدولة هي دولة وظيفية تضعف قدراتها وتضمحل كلما ضعف دورها، ويمكن تلخيص هذا الموقف بفرضية “بيت العنكبوت” التي أطلقتها المقاومة اللبنانية على “إسرائيل” تعبيرًا عن مدى ضعف هذه الدولة، وتجاوز خطاب قوى المقاومة في المنطقة الحديث عن هزيمة “إسرائيل” إلى الحديث عن زوالها بشكل كامل.
الفريق الثاني، الذي يعرضه هذا الكتاب، هو من يقول أن إسرائيل تمكنت من تسويق نفسها لدى عدد من الدول استنادًا لتلك الصورة التي رسمتها لنفسها، مستغلة سوء الإدارة السياسية لدى عدد من الأنظمة، والخوف الذي سيطر على بعضها من موجات التغير في العالم العربي، أضف إلى ذلك الخوف من النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة، فقدمت نفسها، وتعامل معها البعض، على أنها الدولة القادرة على مواجهة هذه التحديات الداخلية والخارجية والتحولات التي تخشاها هذه الدول.
ما يمكن أن نختم به هذه القراءة، القول أن هذا الجهد البحثي التحليلي، يمثل أرضيه مهمة ضمن النوافذ المعرفية، أضف إلى ذلك كونه مرجعا حديثا من حيث النشأة والصدور، ومعايشة كاتبيه للواقع الذي تمر به المنطقة من تغيرات على صعد مختلفة.
ورغم أن ما يزخر به الكتاب من معطيات معرفية مهمة، إلا أنه يحتاج إلى أن يبنى عليه بجهد إضافي في ظل التطورات السياسية والميدانية والتي يمكن أن تعزز بعضا مما ورد في الكتاب في بعض أجزاءه أو تقدم طرحا مغايرا لجوانب أخرى.
كما أن الكتاب، يحتاج إلى مزيد من القراءة الاستشرافية بناء على الحالة الوصفية في منهجية الباحثين الذين ارتكزوا على المنهج الوصفي والتاريخي، فالبناء على ذلك يحتاج لتعزيز النظرة المستقبلية لاستشراف مستقبل إسرائيل كدولة انطلاقا من المحددات السابقة التي تمت مناقشتها في الكتاب.

*مدير مركز يبوس للاستشارات والدراسات الإستراتيجية، باحث في دراسات الشرق الأوسط، الجامعة العربية الأمريكية، فلسطين.