هل يلجأ الكيان الصهيوني يوماً إلى السلاح النووي؟

هل يلجأ الكيان الصهيوني يوماً إلى السلاح النووي؟

بقلم جورج كعدي/

لطالما طُرح السؤال، ولا يزال مطروحاً، عن إمكان لجوء المدعوّة “إسرائيل” في لحظة شدّة وإحساس بالتهديد الوجوديّ الفعليّ إلى السلاح النوويّ، وإنْ في حدّه الأدنى المنضّب، كحلّ أخير، وربما تبعاً للعقيدة الشمشونيّة “عليّ وعلى أعدائي”. هل هو احتمالٌ ممكن؟ لا أحد يعلم علم اليقين ليجيبنا بنعم أو لا، ولكن نظراً إلى سمة الجنون الإجراميّ المعروفة عن الصهاينة تاريخيّاً، وما يرتكبونه من مجازر إبادة وحشية وجنونية في غزّة راهناً، لا يبقى الأمر مجرّد احتمالٍ، بل يستحيل خطراً جدّياً وممكناً.

أصدر الكاتب الإسرائيليّ يعقوب شاريت، نجل أحد روّاد الحركة الصهيونية موشيه شاريت الذي كان وزير خارجية في حكومة بن غوريون ومن ثمّ رئيساً لثاني حكومات “إسرائيل”، كتابه ذا العنوان المثير “إسرائيل ماضية إلى زوالها” (صدرت ترجمته العربية عن دار الجليل في عمّان عام 1991 تحت عنوان فيه بعض التصرّف: “دولة إسرائيل زائلة”)، مبيناً فيه براهين رؤياه “الزواليّة”، معرّجاً على مسألة النوويّ الإسرائيلي، وطارحاً أسئلة جوهريّة: “ما الذي يدعو إسرائيل بتوجّهها النوويّ إلى مثل هذه المغامرة السياسية، الأمنية، الاقتصادية والعلمية؟ ما هي الاستنتاجات التي يمكن للمواطن الإسرائيلي الذي يريد التوصل إلى استنتاج من هذا الوضع الذي تعيشه إسرائيل غير أنّ حياته وحياة ذريّته من بعده هي على فوهة بركان حيّ، أو على الأقلّ بجانب بركان؟”، مستدركاً “أنّ توجّه إسرائيل نحو الإنتاج النوويّ يدلّ على عدم الثقة العميق، وعدم القدرة على الصمود والانتصار في جميع الحروب المستقبلية، فكلما كانت القنبلة النووية الإسرائيلية تشكّل عنصر ردع تكون، في الوقت نفسه، عنصراً محفّزاً للعدوّ لأن يجمع قوته. بتوجّهها النوويّ تؤكد إسرائيل للعالم أنّ تقديراتها تفيد بأنّ السلام لن يسود بينها وبين جيرانها، إلى الأبد. فما معنى ذلك إن لم يكن يأساً إسرائيلياً عميقاً من إمكان اختراق حاجز العداء والكراهية والحروب المتكررة؟”.

يرى يعقوب شاريت “أن القنبلة النووية لا تشكل عنصراً لردع الدول العربية عن السعي إلى جولة حربية جديدة، ولن تنقذ هذه القنبلة إسرائيل بعد اندلاع الحرب من الدمار”

يرى يعقوب شاريت “أن القنبلة النووية لا تشكل عنصراً لردع الدول العربية عن السعي إلى جولة حربية جديدة، ولن تنقذ هذه القنبلة إسرائيل بعد اندلاع الحرب من الدمار، بشكل أو بآخر”، مذكّراً بأنّ مشروع ديمونا أنشئ ولم تجر مناقشة بين الإسرائيليين حوله، إلّا لاحقاً مع تردّد أصوات احتجاجية معارضة للمشروع سرعان ما خبت وصمتت كأنّها لم تكن “وسرعان ما أدرك الإسرائيليّ العاديّ أنّ وجوده مرهونٌ بامتلاك السلاح النوويّ، فهذا المواطن الساذج الغبيّ وضع أمواله ومصيره في قرن الغزال الديموني (النوويّ) المتأرجح الذي يهتزّ نتيجة سير دولته على حافّة الهاوية”.

ويمضي شاريت متسائلاً باستهجان “أيّ نوع من الشعوب هذا الشعب الذي يتخلى عن عقله وحكمته الذاتية ويتركهما لتلك الحفنة من الزعماء الذين يعتمدون على عقائد خيالية وعلى أوهام القوة فيظلّ يدفع بدمه ثمن أخطائهم المتكرّرة؟ كم من الأشخاص في هذه البلاد تجرأوا واحتجّوا علانية على إقامة مشروع ديمونا؟ هل يُعقل أن تُلقى قنبلة ذرّية على مدن عربية كإجراء وقائي، وقبل أن تُطلق طلقة واحدة؟ إذا كان الجواب كلا، ففي أيّ مرحلة تُلقى؟ هل بعد تلقي ضربة صواريخ أوّلية على القدس، تل أبيب، حيفا، بئر السبع؟ أم في أعقاب فشل ما على الجبهة؟ وماذا سيحدُث بعد إلقاء القنبلة؟ هل سيرفع العدو يديه ويستسلم، أم سيجلس مكتوف اليدين أم ستكون لديه إمكانيّة ما أعدّها لتوجيه ضربةٍ ثانيةٍ ضدّ إسرائيل، سواء ذرّية أو كيماويّة أو بيولوجيّة أو تقليدية؟ وهل الضربة الأولى التي يوجّهها العدو، والتي تستوجب الردّ الإسرائيليّ بمحو دمشق أو بغداد عن وجه الأرض لن تجلب لإسرائيل الخراب والدمار إلى حدّ دفع الشعب الإسرائيلي إلى الهرب الجماعي من إسرائيل، بعد أن يكون قد يئس من إمكانية العيش بهدوء وتوفير حياة هانئة لأبنائه، فيمسي هدفه عدم البقاء في الشرق الأوسط البربري، هذا الجزء من العالم الذي تُطارده الحروب والمذابح والتهجير، ناهيك عن أنّه مهدّد دوماً بمصير يشبه مصير هيروشيما؟ هل تستطيع إسرائيل تحمل حادثة مثل حادثة تشيرنوبيل واحدة تقع داخلها أو بقربها؟ من سيستفيد من تدمير مدينة عربية؟ بعبارة أخرى، إذا أُلقيت القنبلة الذرّية على العدو فقط بعد تعرّض إسرائيل لأضرار جسيمة تضعها على حافة كارثة الهزيمة (أضرار خطيرة تبرّر استخدام القنبلة الذرّية) أيّ فائدةٍ تجني إسرائيل من هذه القنبلة عقب تكبّدها تلك الخسارة الجسيمة؟ هل ستمحو القنبلة الأضرار وتعيدها إلى ما كانت عليه؟ هل ستُحيي القتلى وتشفي المشوّهين؟ هل تُعيد بناء ما دُمِّر؟ هل تمنع الأضرار التي ستلحقها القنبلة الذرية أو النووية بعاصمة عربية أو أكثر الجماهير الإسرائيلية من التوصّل إلى استنتاج نهائي بأنّهم، رغم نجاتهم هذه المرّة، يعيشون في أرض تلتهم قاطنيها، في منطقة تبتلع ساكنيها، ولو كانوا يحبّون الحياة لكان عليهم أن يعيشوا في مكان آخر؟”.

يضع يعقوب شاريت فرضيّة إلقاء “إسرائيل” قنبلة نووية، قبل تعرّضها لضربة، في قائمة الاحتمالات، سائلاً: متى يجب أن تُلقى القنبلة النووية بالتحديد؟

حتى فرضيّة إلقاء “إسرائيل” قنبلة نووية، قبل تعرّضها لضربة، يضعها شاريت في قائمة الاحتمالات، سائلاً: “متى يجب أن تُلقى القنبلة النووية بالتحديد؟ ومن هو الذي سيقرّر متى تُلقى؟ ومن سيوافق على اتخاذ القرار بالموعد المحدّد لإلقائها؟”، ويجيب: “من المشكوك فيه جداً أن تُلقى القنبلة قبل اللحظة الأخيرة، لحظة عدم الاختيار، لحظة حافّة الكارثة، اللحظة التي تصبح فيها إسرائيل نصف مدمرة، إن لم يكن الوضع حتى أسوأ من ذلك بكثير. ولكن حتى لو ألقيت القنبلة في اللحظة الصحيحة فإنّ إلقاءها سيكون عبثاً، إذ إنّها لن تمنع نهاية إسرائيل. إنّ أيّ جهة في هذا العالم، صديق، أو عدوّ، أو حتى لا مبالٍ، لن يغفر لإسرائيل استخدامها هذا السلاح النووي ولن يسلّم بنظرية اللا خيار، وكيف عندما يأتي هذا الاستخدام من قبل إسرائيل بالذات، الدولة التي عرفت طوال وجودها وحتى الآن بأنها تتبنى نظرية: تموت نفسي مع الفلسطينيين. يبقى فقط الانتقام لصورة الخراب النووي مرفوعاً كعلامة إجرام على قبر إسرائيل. أليس جديراً أن يكون مصير من هذا النوع حافزاً للمواطنين الذين ينتظرهم هذا المصير لأن يحتجّوا ليس بأيديهم فحسب بل وبأرجلهم أيضاً؟”.

أيّ فائدة للقنبلة النووية الإسرائيلية إذن؟ يسأل شاريت قبل أن يستأنف رؤيته التي تستحق الاهتمام: “إن القنبلة، فضلاً عن كونها توفر أيام عمل لجيش من العلماء، ليست سوى فيل أبيض ضخم، وثقب كبير في جيب كل مواطن إسرائيلي، وعنصر تصعيد للنزاع العربي – الإسرائيلي، وسبب مسرّع لسباق التسلّح التقليديّ وغير التقليديّ العربيّ في سائر المجالات. هذه الحقيقة، ولا سواها. إنّ القنبلة لا تشكل عنصراً رادعاً للدول العربية عن سعيها إلى جولة حربية جديدة. والقنبلة لن تنقذ إسرائيل، بعد اندلاع الحرب، من الدمار بأي شكل. كما أنّها لا توقف العرب عن التكاثر، ولن تحملهم على الهجرة والهرب من المنطقة المضروبة بالقنبلة (خلافاً للإسرائيليين اليهود)، ولن تمنعهم بالتأكيد من المبادرة إلى حرب تقليدية في الظروف التي يرونها مناسبة لهم، ناهيك عن تصعيد الانتفاضات، فهل ستردّ إسرائيل على إلقاء الحجارة والقنابل المحرقة بقنبلة نووية؟ وإذا ردّت بها أين ستلقيها تحديداً؟ أفي شوارع غزة أم في أزقة نابلس؟”، … من دون أن ننسى أنّ كلام شاريت هذا يعود إلى مطلع التسعينيّات.

يسأل شاريت مجتمعه الإسرائيلي: “ما الفائدة المرجوّة من القنبلة النووية التي تُعدّ هي نفسها غير مفيدة أو ناجعة وزائدة عن الحاجة وموضوع تبذير

يمضي شاريت في طرح الأسئلة على مجتمعه الإسرائيلي: “ما الفائدة المرجوّة من القنبلة النووية التي تُعدّ هي نفسها غير مفيدة أو ناجعة وزائدة عن الحاجة وموضوع تبذير وعنصر تسريع لسباق التسلّح، وتستلزم تبذيراً آخر على شكل سلسلةٍ لا نهاية لها من أقمار “أُفْق” تلك الأقمار الاصطناعية التي ستملأ الفضاء بمليارات الدولارات، وهذه مبالغ لا تهبط من السماء، بل تقضم مباشرة من مستوى عيش المواطن الإسرائيلي، ولن تضمن الحياة للشعب الإسرائيليّ، بل ستقوّضها، أو على الأقلّ تجعلها اقلّ أمناً. هل نحن في حاجة إلى أقمار اصطناعية مثل “أفق” لكي تكشف لنا الحجارة التي سترمى والقنابل والزجاجات المحرقة (المولوتوف) التي توشك على الاشتعال في شوارع الخليل ونابلس وغزّة، ولتنبئنا بأنّ أطفالاً جدداً انضمّوا في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة إلى سكان المناطق المحتلة، ولتشير إلى فيروس فوليو العنيف في برك المجاري في إسرائيل التي يطاول رأسها النجوم فيما تغوص رجلاها في الوحل؟ هذا ما يحدث في إسرائيل حالياً، في هذه (الدولة) التي تأكل فيها البقرة المقدسة (الأمن) كلّ شيء حتى العقل السليم. وهكذا تحوّلت إسرائيل من (دولة) لها مؤسسة أمنية إلى مؤسسة أمنية لها (دولة)، ومن (دولة) لديها قنبلة نووية إلى قنبلة لها (دولة)، ومن (دولة) لها قمر اصطناعي إلى قمر اصطناعي له (دولة). أمور كثيرة تنجم عن مثل هذا الوضع، سوى أمر واحد: أمن البقاء، الشعور بالهدوء والسكينة، والراحة. ولكي يشعر الإسرائيلي بأنّ مثل هذه الأوضاع الإنسانيّة موجودة في هذه الحياة وليست مجرّد أحلام، لا بدّ له من الخروج في رحلة خارج إسرائيل إلى بلاد أخرى، ليفاجأ بأنّ الشوارع في تلك البلاد الأجنبية ينقصها شيء وفيها عيب فظيع: لا يوجد جنود في الشوارع”.

إسرائيل التي طوّرت أسلحة نووية، تحتجّ على العراق وسورية ومصر، لأنّها تزوّدت بأسلحةً كيماوية وجرثومية!

إلى جانب آخر شديد الأهمية، لا يغفله شاريت، بل يدلّ عليه كشاهد من أهله، إذ يلفت إلى أنّ “عدم انضمام إسرائيل للدول الموقعة على ميثاق عدم انتشار الأسلحة النووية يُتبعها في الواقع – لا من وجهة نظر إسرائيل بل من وجهة نظر دول العالم – بمجموعة الدول المجنونة التي يكون حكامها مستعدّين لاتخاذ خطوات ذات أبعاد دولية مخيفة كاستخدام القنبلة النووية ضدّ السكّان المدنيين، وهذه جريمة لا تُغتفر، بقعة دم رهيبة، لن تنظف الأمة الأميركية منها إلى الأبد، مثلما لن تنظف الأمة الألمانية من استخدام آلة الحرب المنظمة لإبادة شعب. لكنّ الولايات المتحدة وألمانيا وروسيا والصين والهند، ولأنّها دول كبيرة، تستطيع أن تسمح لنفسها بارتكاب عمل بغيض شاذ بلا خشية من العقاب (…). أما إسرائيل، قليلة السكان والأرض، فهي مجرّد هدف – نقطة لصاروخ ذي رأس تقليديّ كبير أو اثنين (…). إنّ الشروع في سباق تسلّح نوويّ وفي تطوير أسلحة غير تقليدية في الشرق الأوسط هو أمر خطير جداً، فحتى في نادي المجانين ثمّة درجات للجنون، فمن يضمن عدم انضمام دولة عربية إلى جانب إسرائيل في نادي المجانين ومن يضمن ألّا تكون تلك الدولة أكثر جنوناً منها؟ ما الأضمن لإسرائيل الصغيرة: تكبيل الشرق الأوسط كله بقيود معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أم فتح أبواب الشرق الأوسط لسباق تسلّح نوويّ مجنون؟ وإذا لم يكن نووياً فسيكون كيماوياً. وها هي إسرائيل التي طوّرت أسلحة نووية، تحتجّ على العراق وسورية ومصر، لأنّها تزوّدت بأسلحةً كيماوية وجرثومية! ثانياً، إنّ سير إسرائيل في الطريق النوويّ الجنونيّ، وعدم توقيعها على المعاهدة المعقولة التي تمنع ذلك، يغلق في وجهها فرصة إنشاء مفاعل للطاقة النووية السلمية طالما بقيت سائرة في هذا الطريق البائس (…) وها هي الولايات المتحدة تقف في طليعة أولئك الذين أغلقوا الطريق في وجه إسرائيل ومنعوا إنشاء المفاعل السلميّ طالما أنّها لم توقّع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. إنّ فكرة مفاعل طاقة نووية هي وهم إسرائيليّ جديد، وهي ليست في حاجة إلى مثل هذا المفاعل أصلاً (…) لقد استُبعد الأمن الحقيقي بسبب تفضيل الأمن الزائف، واستُبعدت سياسة التوجّه إلى السلام لمصلحة سياسة التوجّه إلى الحرب الأبدية. قد أكون مخطئاً. أرجو أن أكون مخطئاً. ولكن ماذا لو لم أكن مخطئاً؟”.
يبقى جانب آخر في المسألة النووية ليس أقلّ خطورة من القنبلة، ولم يتطرق إليه يعقوب شاريت (ربما لم يكن مطروحاً بالحدّة التي هو عليها اليوم) ويتعلق بالصواريخ المحمّلة باليورانيوم المنضّب، والتي يملك الكيان المجرم ترسانة منها. بيد أنّه بحث آخر تلزمه مناقشة خاصة، أيضاً بسبب خطورة توافره بين أيدي قتلة “شمشونيين” مجانين.

المصدر: العريي الجديد