قسوة العرب في المشهد الفلسطيني

قسوة العرب في المشهد الفلسطيني

شؤون آسيوية – بقلم د. فرح موسى/

يتحدث العرب والمسلمون كثيرًا عن ما يقدّمه القرآن الكريم من نماذج عن قسوة القلوب؛وغالبًا ما يستحضرون المثل القرآني الخاص ببني إسرائيل الذي تشبه فيه قلوبهم بالحجارة،أو أشد قسوة،كما قال تعالى:”ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة،وإن من الحجارة لما يتفجَّر منه الأنهار وإن منها لما يشقَّق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون..”.
فالتشبيه القرآني يؤكد أن الحجارة تلين وتتفاعل وتكون لها حالات من الشعور،كما قال صدر المتألهين:(الشيرازي)إن الكون بكل أجزائه يسبح لله ويحمده ويثني عليه تعالى عن شعور،فلكل موجود من هذه الموجودات نصيب من الشعور والإدراك بقدر ما يملك من الوجود من نصيب…”،فإذا كان العرب والمسلمون يأخذون على بني إسرائيل قساوة قلوبهم وموت ضمائرهم اتجاه قضايا الإنسان وحقوقه؛فما بال العرب وكثير من المسلمين تظهر منهم هذه القساوة أمام المشهد الفلسطيني الذي يشاهدون فيه الموت والدمار لأمة إسلامية تجاورهم في المكان والزمان والحياة،وتدين معهم بالدين الواحد ،توحيدًا وعبادةً،ثم لا يكترثون لكل مظاهر القسوة الصهيونية اليهودية!؟فماذا عساهم فاعلون غدًا يوم العرض على الله حينما يسألون عن الأخوة في الدين والإنسانية!؟لا شك في أن التشبيه القرآني لا يطاول كل بني إسرائيل،وإنما هو يتحدث عن أحزابهم من يهود ونصارى وفرق ومذاهب تسمت بالدين والتوراة والإنجيل ولم تكن على شيء من ذلك،بل حرّفت الكتاب وقتلت الإنسان،وكفرت بالنعم،ولم تعقل عن ربها في ما أمر به ،أو نهى عنه!فالقرآن لا يأتي على توصيف حالات الناس من حيث هم أهل دين خاص،أو من عرق معين،فالله هو الخالق وهو الخبير بخلقه،كما قال تعالى:”ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير:”،فالتوصيف للناس يأتي لهم بلحاظ أعمالهم ،ومن حيث هم بشر مكلفون ومأمورون ،وكما هو ديدن الأحزاب في كل أمة تقسو قلوبهم فلا تلين لحق ،ولا تشعر بإنسانية،ولا تآبه لحقوق إلا بالقدر الذي تكون فيه الأعمال لاحظة للمصالح والغايات الفئوية والحزبية!فالأحزاب في بني إسرائيل قست قلوبهم،وإذا كانت الحجارة تتفجَّر أو تتشقَّق،أو تهبط من خشية الله تعالى،فإن قلوبهم لم تنفعل لشيء من الحق،ولهذا يأخذ الله تعالى عليهم،وقد رأوا بأم أعينهم كيف أن الحجارة لانت لنبيهم موسى ع،إذ استسقى لقومه وأُمر بأن يضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشر عينًا بعدد الأسباط،أما بنو إسرائيل فلم يتعظّوا بشيء،وكانت قلوبهم أقسى من الحجارة في قبول الدعوة،وسماع الموعظة!وهنا لعاقل أن يسأل،أين هي قلوب العرب أمام هول المجازر في غزة فلسطين،فهل مدارسكم وحوزاتكم وجامعاتكم أيها العرب والمسلمون لا تزال على موقفها العلمي في تعليم القرآن وتفسيره لتقولوا لكل من ينتمي إلى ديانتكم أن بني إسرائيل قست قلوبهم ولم يؤمنوا بنبيهم أو برسالة ربهم!؟فماذا تسمّون هذا الذي أنتم عليه من الصمت والهدوء إزاء ما يجري في فلسطين!؟
لقد لحق بكم التشبيه القرآني لدرجة أن كل شيء وصفت به أحزاب بني إسرائيل أصبح هينًا أمام فداحة القسوة في قلوبكم!فالقرآن الكريم يدعو في آياته ويعظ في تمثيلاته وتشبيهاته أهله أن لا يكونوا كأحزاب بني إسرائيل،فهل عقل العرب والمسلمون معنى أن لا تقسو قلوبهم ،بحيث يكون معلومًا لديهم أن شعب فلسطين يحتاج إلى المعونة والنصرة كما تفترض الأخوة الإسلامية ؟فيا لمصيبة العرب والمسلمين يوم العرض على الله تعالى بعد طول تشدق بالطائفية والمذهبية وأحقية الدين والتنظير له ،فالكل ممتحن اليوم في دينه وكرامته؛فما لم يحدث منكم أمرًايرضى الله عنه،فإن شيئًا لم ولن يقبل منكم في كل ما ترونه من دين،أو تؤدونه من عبادات،فالله يقول:”لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمربصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس…”،وأين هم المسلمون اليوم من كل هذا؟،
ألا يعلم العرب والمسلمون بحقيقة الوصف لمن يحمل الأسفار دون أن يعمل بها؟بلى،هم يعلمون معنى قوله تعالى:”مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا:”،فهل الذين حملوا القرآن ثم لم يقوموا بما عليهم كانوا على خلاف أولئك الذين حملوا التوراة،فهذا ليست أمثال وتوصيفات خاصة بمن ينتمي لدين خاص ولا يقوم بتأدية الحق لله تعالى وللناس،وإنما هي أوصاف عامة مثّل بها القرآن لإفادة حقيقة الدين وما يقتضيه من مسؤوليات،وهذا ما نرى أن العرب والمسلمين قد وقعوا فيه لجهة حمل الأسفار دون الوعي بها،أو التعبير عنها في مواجهة كل ما يعرض لوجودهم من أخطار!؟إن ما نراه من قسوة عربية وإسلامية وموت للقلوب والضمائر اتجاه الشعب الفلسطيني ستكون له انعكاسات خطيرة على كل الواقع العربي في السياسة والاجتماع قبل الدين،وذلك بعد أن تجلى لنا حجم المصيبة في الدين والسياسة في بلادنا العربية والإسلامية!فأهل الدين يفترض فيهم أن يكونوا أهل حمية وشعور إنساني،على الأقل بالمقدار الذي تكون عليه الحجارة من شعور!،أما وقد مات الدين والشعور في أكثر بلادنا العربية والإسلامية،فلا بأس أن تتابع الخطى وأن يستمر الجهاد والموت حتى يكون كل طفل فلسطيني شاهدًاعلى ما اقترفته أيادي الظالمين والمجرمين والمطبعين مع العدو…فأهل فلسطين هم اليوم شهداء،وقد أقسم ربنا في سورة البروج باليوم الموعود والشاهد والمشهود،وهو يوم ليس له انقضاء ويخسر فيه المبطلون…والسلام.