فهم صناعة الحرب

فهم صناعة الحرب

كتاب
فهم صناعة الحرب

تأليف: كريستيان سورنسن
مراجعة: جيم مايلز
ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو
الناشر: كلاريتي برس. اتلانتا. جورجيا
سنة النشر 2020
اللغة الإنجليزية
عدد الصفحات 444 صفحة.

يقدم هذا الكتاب، للراغبين بمعرفة المزيد عن الاقتصاد الأمريكي، خلاصة معلوماتية موسوعية تربط صناعة الحرب بالاقتصاد الأمريكي الكلي والسياسات الداخلية والخارجية الامريكية في العديد من المجالات. يشرح المؤلف أفكاره الرئيسية بصراحة ووضوح ومن ثم يقدم كماً هائلاً من المعلومات التي تدعم وتعزز بياناته والتي لا تزال وفق تعبيره لا تشكل سوى النزر اليسير من المجموع. تُدعم المعلومات بمراجع وهوامش عديدة وتقدم المزيد من البيانات لدعم فكرته الرئيسة.
السلطة والجشع والخوف.
ويمكن القول ببساطة أن هذا الكتاب يدور في مجمله حول الشركات والارباح والجشع والعولمة (الساعية للربح والطمع):

” أرى أن وزارة الحرب “وزارة الدفاع” ككل هيئة قائمة على الاحتيال والتبذير والاستغلال وتتميز بالضخامة. لا يمكن لأي معيار أو آلية داخلية الإحاطة بها. يعرف مدراء الشركات –عن قصد أو وعي – أن وزارة الحرب هي مال الرشى الموقوف لطمع وجشع الشركات ويعرفون أنهم هم من يدير العرض.”
وتشمل إدارة العرض العولمة:
” تتمثل العولمة بالمشروع العريض الذي تفتتح من خلاله القوى الرأسمالية الغربية الأسواق الخارجية وتتطلب التنقل الحر لرأس المال (وليس الأفراد) واستخدام العمالة الرخيصة حول العالم واستغلال الموارد الطبيعية على أو أسفل أراضي أولئك الأفراد. تصهر العولمة الثقافات المتنوعة سابقاً عبر فرض السلع والخدمات الموحدة لتلك الشركات وما تحمله من تبعات.”
وبينما يربط المؤلف بين كافة القطاعات والشركات والجامعات والساسة المتعاونين مع وزارة الحرب يقوم بتكرار بعض الأفكار الأساسية. ومن أكبرها المال والسلطة وكيفية تغلغلها في كل مفصل من الشؤون الأمريكية والعالمية. أصبح التقشف النيوليبرالي جزءاً من الإرسالية وما يحمله من نفوذ ضخم بالأخص على الدول المتحالفة (طبعاً أو قهراً) مع القوى الغربية.
توظف سلطة الشركات، المحلية والأجنبية، أعداداً كبيرة من الأشخاص في اللوجستيات والتوريد والبيانات وغيرها من مقتضيات الحرب بمقدار يفوق ما يورده البنتاغون والخدمات العسكرية كمقاتلين فعليين. يشكل المرتزقة المأجورين وطواقم الشركات القسم الأكبر من الإمبراطورية العسكرية.
يمثل الخوف الفكرة الأخرى التي يستعرضها هذا الكتاب. وتستخدم كعامل محدد للآخر-الأفراد المختارون واللازمون كأعداء للمحافظة على مطالب وزارة الحرب بالمزيد والمزيد من الأموال. “إذ يعتبر الصراع على السلطة أمراً مذهلاً من منظور الشركات” وهذا ما نراه بجلاء في الأحداث الراهنة في كل من روسيا والصين وإيران وسوريا وفنزويلا وليبيا وغيرها.
تحظى إسرائيل ومظهرها المميز من الصهيونية بالذكر عبر الكتاب. وتُعرض وتُباع معداتها-المختبرة حقلياً- للسيطرة على الحشود والمراقبة والهجمات العدوانية في المعارض التجارية المتخصصة حول العالم ودائماً مصحوبة بعلاقتها الخاصة مع الولايات المتحدة.
” تعشق وزارة الحرب الأمريكية دولة الفصل العنصري إسرائيل…لا تأبه شركات الحرب الأمريكية بموت الأبرياء. ولا يرف لها جفن لموت الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين والمصريين والعرب عموماً-وصناعة الحرب لا تولي بالاً لذلك قط. عندما تولد الحرب الأرباح يضمن الموت لتلك الشركات قاعدة عريضة للربح. وتعتبر الوضعية العسكرية العدائية الموروثة في الصهيونية قيمة استراتيجية…. إذ قتلت إسرائيل العرب بفعالية مستخدمة العديد من الأسلحة والطائرات التي اشترتها من الشركات الأمريكية.”

الحل الأول
إذا ماذا نفعل؟
يجب أن نطرح التساؤلات حيال التربح الذي أشرنا إليه عبر هذا الكتاب قبل أن نحدث أي تغيير أو تقدم في هذا المجال. يشير سورنسن في أواخر الكتاب إلى العديد من الأفعال والقيم النبيلة التي يمكن استخدامها لمواجهة نفوذ وزارة الحرب. ولكن للأسف لا تساعد الأخبار الرائجة حول الحالة الراهنة للاقتصاد على إنهاء الموقف الأساسي لسلطة الدولار الأمريكي والقادر على إقناع الشركات والأفراد بأن الحلول العسكرية ليست الحل النهائي لكافة المشاكل.
يتبدى ضمن ذلك بعض الأحداث المؤخرة المتعلقة بالتوجه الاقتصادي للدولار الأمريكي. يرتكز الاقتصاد الأمريكي على قيمة الدولار الأمريكي باعتباره عملة الاحتياط العالمية وتكمن جل قوته في علاقة الولايات المتحدة بالدول النفطية وإعادة تدوير البتر ودولار: إذ يُسعر البترول بالدولار ومن ثم تستخدم تلك الدولارات لشراء المعدات العسكرية الأمريكية.
لم يتسبب وباء كوفيد 19 بالتدهور الاقتصادي الراهن ولكنه أسهم بتسريع العملية بشكل مهول. لم يتعافى الاقتصاد الأمريكي بشكل كامل من الأزمة الاقتصادية عامي 2008-2009 عندما قام البنك الفدرالي (وهو بنك خاص بالرغم من الاسم) بضخ تريليونات الدولارات في البنوك وغيرها من الشركات للحيلولة دون إفلاسها.
قام البنك الفدرالي في أواسط عام 2019 مرة ثانية بضخ تريليونات الدولارات في النظام المصرفي من أجل الحفاظ على أدائه والمحافظة على السيولة النقدية. دفع وباء كوفيد 19 والاغلاق اللاحق لقطاعات واسعة من الاقتصاد (حيث يشكل الاستهلاك المحلي 70% منه) إلى ضخ 3-4 تريليون دولار في النظام لتعويمه-وذهب القسم الأكبر منها إلى 1% من الأعلى دخلاً مع القليل الباقي للعمال. ومن أجل دعم الاقتصاد يتعين على البنك الفدرالي الاستمرار بضخ تريليونات الدولارات من أجل موازنة الديون الهائلة المتراكمة ضمن الاقتصاد.
وباختصار يتعين الانتظار لغاية انهيار الدولار الأمريكي عبر التضخم المرتفع وخسارة قيمته وبالتالي قوته. قد تكون تلك العملية بعيدة الأمد ولكن العملات الورقية على مر التاريخ عادت إلى قيمتها الأصلية التي لا تساوي شيئاً.
توجهت روسيا والصين لتأسيس اقتصاد لا يستخدم الدولار الأمريكي والتعامل بالعملات المحلية وتأسيس نظامها الائتماني الخاص بها وتوسيع تلك الخصائص للشركاء العالمين الآخرين الراغبين بذلك. يبقى التهديد الحقيقي للدولار محلياً ومرتبطاً بالشركات الغربية العاملة حيث تتطلب الديون الضخمة طباعة المزيد من الدولارات بنقرة لوحة الحاسوب.
عندما يصل الدولار الأمريكي إلى مرحلة مرتفعة من التضخم سيفقد قيمته وسيحرم وزارة الحرب من الكثير من تأثيراتها ونفوذها الأجنبي-الواردات والتسليح والرشاوي والفساد والتوظيف المغري وغيرها. وربما تقوم الولايات المتحدة بعملية تجديد وتوقف استخدام الدولار الحالي وطباعة شيء جديد. وسيكون ذلك مفيداً لدعاة الحرب المحليين ولكنه سيجعل الدولار الأمريكي معدوم القيمة بالنسبة لبقية العالم.

الحل الثاني
أصبح استخدام الحواسيب بكافة مظاهرها، ابتداء بالتواصل البسيط عبر البريد الالكتروني ومروراً بالتشفير والذكاء الاصطناعي والاستخبار عن بعد والمجسات وأدوات المراقبة والتعاملات المصرفية وغيرها، أكثر أهمية لوزارة الحرب.
ومن بين المظاهر التي يذكرها سورنسن هو التوجه المكثف لامتلاك شبكة وحيدة كبيرة وموحدة ومجموعة بيانات صلبة تستطيع الوزارات الوصول إليها وتيسر انتقال وتلقي المعلومات بين شتى الوزارات.
وبالطبع تقوم غوغل وفيسبوك ومايكروسوفت وآبل وغيرها من شركات التواصل والأكاديميين التخصصيين بتشجيع تلك التكنولوجيا.
يكمن قصور هذا الكتاب في الحل الذي يشجعه. ويوجد ضعف ووهن فيه: “فكلما زاد تواصلنا زادت هشاشتنا.” وهو حل يقوم على الانتظار ورؤية ما قد يحصل. ونستطيع الاكتفاء بالأمل. ربما تحدث توترات بين القوى العالمية وقد تتسارع وتنفجر في شكل معركة حقيقية وعندها قد يملك شخص ما في مكان ما المقدرة على تعطيل كافة الاتصالات الالكترونية وإيقاف المعركة بشكل فعال.
وكما يقول فلاديمير باليبين- مدير مركز أبحاث الحرب الالكترونية وتقييم ما يسمى تقنيات” تخفيض الرؤية” المرتبط بالأكاديمية الروسية للقوة الجوية” كلما زاد تعقيد نظام الراديو الالكتروني كلما أصبح من السهل تعطيله عبر استخدام الحرب الالكترونية.”

يغطي الحجم والانتشار المهول لوزارة الحرب كافة مظاهر السياسة الداخلية والخارجية في الولايات المتحدة. تحافظ أفعال الباب الدوار بين المؤسسات العسكرية والشركات والمؤسسة السياسية على التوجه والغاية والسلطة والجشع والسيطرة الكلية على الأمة. وتتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في كل مظهر من مظاهر الاقتصاد الأمريكي وما لم تتوقف دوافعها التربحية فإن التقدم الفعلي نحو بيئة عالمية مسالمة ومتعاونة سيكون مستحيلاً.
يعتبر هذا الكتاب خطوة كبرى في الاتجاه الصحيح. ويتميز بدقة البحث وشمولية المعرفة والتعمق بمعرفة الشبكات العسكرية والصناعية والبرلمانية. لقد جرت محاولات سابقة لتثقيف الجماهير بسطوة المجمع العسكري الصناعي وأرى أن هذا الكتاب يتربع على قمتها لغاية اليوم واعتبره إضافة قيمة للمكتبة المناهضة للحرب.

المصدر: Palestine Chronicle
https://www.palestinechronicle.com/understandingthe-war-industry-book-review/
المؤلف: كريستيان سورنسن: باحث وكاتب أمريكي متخصص بصناعة الحرب الأمريكية. عمل سابقاً في القوات الجوية الأمريكية وعضو في شبكة ايزنهاور الإعلامية المتخصصة بالأمن القومي والعسكري.